والتُّهْمَةُ يَبْرَقْ…

نزار غالب فليحان

في بلاد اللجوء ثَمَّ بردٌ لا يُسْكِتُهُ إلا دفءُ الأمنيات، غيابٌ لا يهزمه إلا حضور الوطن، فَقْدٌ لا يداويه إلا بعضُ أمل، جرحٌ لا يرتقه إلا الحنين، يُحْيي الهاربون من الموت أشياءهم بما تيسر من ملامح تعيد تشكيل الحياة التي ألفوها.

في وطني لكل عابر سبيل حصة في بستان، ثمرة في شجرة، ظل تحت سنديانة، سُمَّاقُنا مباحٌ لكل عابر سبيل يتدلى كالثريات يموج مثل وشاح أحمر يلف خصور الكروم اللينة يزنرها فتبدو كلوحة راقصة، وأرضنا لا تبخل بالهندباء والزعتر والعَكُّوب والخبيزة والحميضة والفرفحين والفطر، والكمأة في صحرائنا مشاع كلما اشتد رعد، في وطني تتسلق دوالي العنب أسوار الحقول مطمئنة غير خائفة ولا مترددة، سيقطف حصرمها كل مشتهٍ ووَحْمَى، ويتذوق عنبها ظمآن أتعبه الطريق، وتجمع أوراقها نساء اعتدن الحياة بفطرة الكائن الأول، يرتبنها كصفحات كتاب داخل “قطرميزات” زجاجية ويغمرنها بماء وملح مؤونة للشتاء.

حين رَحَلْنَ لم يأخذْنَ معهن إلا الفطرة والعادات وما تيسر من ذكريات وألم، ليس ثمة حقائب تُحْشى بالثياب، كان الرحيل غفلة وعلى عجل، كانت “قطرميزات” المؤونة ضحايا القصف دل عليها تسرب الماء المالح والزيت ورائحة الثوم والنعنع المجفف والزعتر.

في بلاد اللجوء ثَمَّ بردٌ لا يُسْكِتُهُ إلا دفءُ الأمنيات، غيابٌ لا يهزمه إلا حضور الوطن، فَقْدٌ لا يداويه إلا بعضُ أمل، جرحٌ لا يرتقه إلا الحنين، يُحْيي الهاربون من الموت أشياءهم بما تيسر من ملامح تعيد تشكيل الحياة التي ألفوها.

شرط الاندماج أن تقبل الآخرَ ويقبلك، تأخذ منه وتعطيه، تردفه ويردفك، لا تذوب فيه ولا يذوب فيك، لا تلغيه ولا يلغيك، شرط الاندماج تلاقح يفضي إلى نمط جديد من العلاقات، لا يُخْسِرُكَ ذاتكَ ولا يُخْسِرُ الآخرين ذواتهم، كالجداول تسعى جميعها إلى نهر كبير.

الطبيعة هي الطبيعة، البساتين هي البساتين، وورق داليات العنب هو هو، أخضر حامض يشرب الشمس بنهمٍ ويلوِّح بأكفه الناعمة للسوريات أن أقبِلْنَ، يعرف حق المعرفة أن أناملهن ماهرة كفاية جعله مادة لذيذة شهية تزين موائدهن.

تلبي السوريات نداء الدوالي، يبدأن بقطف أوراقها و ترتيبها برفق كأنهن يُطَرِّزْنَ ثوب زفاف، لا يدور في خلد الواحدة منهن أن اجتراح الحياة في زحمة الموت اقتراف ذنب، كُنَّ يَظُنَّنَّ أنهن يُدْخِلْنَ البهجة إلى بلاد مصابة بالوجوم، بلاد امتهنت الحياد حَدَّ انطفاء الروح حَدَّ زوال، أنهن سيُهْدين الموائد البائسة لهذه البلاد بعض الفرح، أن اليبرق جسر آخر بين ثقافتين، اليبرق الذي سافر قروناً في أصقاع الأرض من تركيا حيث ولد إلى سوريا حيث ترعرع إلى باقي أطراف الدنيا، اليبرق الصادق الحقيقي المحشو بالأرز واللحم فوق “العصاعيص” مرة وفوق “لسان الخروف” مرة ثانية، واليبرق الكاذب “اليالنجي” المحشو بالأرز والبقدونس والبندورة المطعَّم بالكثير من حامض الليمون والمزين بحب الرمان.

سيذكر التاريخ يوماً أن اليبرق صار طبقاً ألمانياً بامتياز في العقد الثالث من القرن الأول من الألفية الميلادية الثالثة بفضل أنامل سوريات ضُبِطْنَ ظهيرة يوم صائف وهنَّ يقطفْنَ أوراق الدوالي، سيذكر التاريخ أيضاً أن السوري لطالما كان لقاحاً ضد الموات.

مصدر: رابطة الكتاب السوريين- الأيام السورية

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more