الجيش الوطني السوري.إنشقاقات وعشوائيات تعيق تنظيمه

أعلنت مجموعة عسكرية تابعة ل”الجيش الوطني” المعارض شمال سوريا، تأسيس تشكيل جديد باسم “فرقة خالد بن الوليد” لتكون أحدث التشكيلات الوليدة من رحم الانشقاقات داخل مكونات “الجيش” المدعوم من تركيا، والذي لم يتمكن، رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على تأسيسه، من تجاوز مشكلاته الداخلية.
وكانت وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، التابعة للإئتلاف الوطني، قد أعلنت عن تأسيس “الجيش الوطني” في كانون الثاني/يناير2017، بهدف تنظيم الفصائل التي شاركت في عملية “درع الفرات” مع تركيا، شمال شرق حلب، بعد العشوائية التي ظهرت عليها هذه الفصائل، وتحضيراً للعمليتين اللاحقتين اللتين قادتهما تركيا ضد قوات سوريا الديموقراطية وتنظيم “داعش”، وهما عمليتا “غصن الزيتون” ونبع السلام”.
لكن اندماج عشرات الفصائل التي يجمعها الخط الثوري والدعم التركي ضمن ثلاثة فيالق عسكرية، بهدف توحيد جهودها وتنظيمها، ومن ثم التحاق قوات “الجبهة الوطنية بالجيش” عام 2019، ليصل تعداد قواته إلى نحو 90 ألف مقاتل، لم يمنع من استمرار التناحرات بين هذه الفصائل، التي كثيراً ما تندلع مواجهات مباشرة بينها في مناطق انتشارها شمال شرق سوريا.
وقد أدّت هذه الخلافات إلى حدوث انشقاقات عديدة، آخرها خروج المئات من مقاتلي “فرقة السلطان مراد” عن الفصيل، والإعلان عن تشكيل جديد حمل اسم “فرقة خالد بن الوليد”. ورغم تبرير قيادة الفصيل الجديد انشقاقهم “برفض إرسال المقاتلين إلى ليبيا”، لكن الأسباب الأخرى التي أدت إلى حدوث الانقسامات السابقة في “الجيش الوطني” تبدو حاضرة، وفي مقدمتها الصراعات بين القادة وتفشي المناطقية والعشائرية، وغياب الهيكلية المؤسساتية المتعارف عليها في الجيوش.
ويقول مصدر في فرقة”خالد بن الوليد” ل”المدن”، إن “الانشقاق عن فرقة السلطان مراد سببه الخلاف حول إرسال المقاتلين إلى ليبيا، بعد إخضاعهم لدورة تدريبية سريعة في معسكرات أقامتها تركيا من أجل هذا الهدف، حيث تدعم قيادة “السلطان مراد” وبقوة هذا الخيار، بينما يرفض المقاتلون والقادة المنشقون ذلك، ما أدى الى تهديدهم بالفصل وحرمانهم من الرواتب”. ويضيف أنه “رغم الوساطة التركية من أجل العودة عن قرار الانشقاق وتأسيس كيان جديد، إلا أن الطريق كان مسدوداً ولم يكتب للمفاوضات النجاح”، موضحاً أن تعداد التشكيل الجديد يتراوح بين 3000 إلى 4000 مقاتل، ينحدرون من كافة المناطق السورية، لكن أغلبهم من محافظة حمص.
أرقام تبدو محل تشكيك، حيث المبالغة في أعداد المقاتلين هي السمة التي تكاد تجمع كل فصائل
المعارضة، إلا أن الأهم هو محاولة التهرب من الصبغة المناطقية للتشكيل الجديد، لكنها محاولة تبدو صعبة، وفي الوقت ذاته لا تبدو مستغربة، حيث يلعب الانتماء المناطقي والعشائري، بل وحتى القومي، خاصة بين المكونين العربي والتركماني، دوراً رئيسياً في تشكيل معظم مكونات الجيش الوطني.
وكان الكثيرون من المتابعين قد أكدوا فور الإعلان عن تأسيس فرقة “خالد بن الوليد”، أن السبب الرئيسي للانشقاق هو هيمنة المكون التركماني على فرقة “السلطان مراد” واستئثار قيادتها بالميزات والدعم التركي، وهو أمر تسبب في انشقاقات سابقة.
ويقول الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان ل”المدن”، إن “حالة الانشقاقات والفوضى الداخلية لا تقتصر على الجيش الوطني، بل تشمل جميع قوى المعارضة العسكرية، سواء الإسلامية منها أو التابعة للجيش الحر؛ وسببها الرئيسي عدم قدرة هذه الفصائل على الانتقال من حالة العشوائية كجماعات، إلى الحالة التنظيمية كجيش موحد بتراتبية عسكرية واضحة”.
ويضيف علوان أن “حالة الفوضى الداخلية ضمن الجيش الوطني تعود إلى أن تجربة الجيش غير مكتملة، ولم تحقق فعليا التراتبية العسكرية والانضباط والتنظيم، ولم تكتمل حتى الآن التبعية لهيئة الأركان ووزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، بل ما تزال هناك النزعة المناطقية والأثنية لدى العديد من المكونات داخل الجيش”.
واقع لم يؤد إلى الانقسامات فحسب، بل وغالباً ما كان يتطور لمواجهات مباشرة بين هذه الفصائل في مناطق انتشارها، شمال وشمال شرق حلب، وفي ريفي الرقة والحسكة، ما أدى الى انتقادات واسعة وحالة سخط بين المدنيين الذي غالباً ما يدفعون ثمن هذه المواجهات.
المقدم محمد العمر، وهو منشق عن قوات النظام وباحث في الشؤون العسكرية، يقول ل”المدن”، إن “الجيش الوطني يعاني من وجود النزعة العشائرية والمناطقية والفصائلية داخل مكوناته؛ خصوصاً أن الفصائل التي انضمت بشكل فردي للفيالق الثلاثة التي يتكون منها حافظت على كياناتها وتجمعاتها، دون توزيع المقاتلين في صفوف الجيش والفصائل حسب الاختصاص أو السلاح، وهو ما يسبب حالات الانشقاق والاشتباكات بين بعضهم البعض؛ وهي حالة يجب معالجتها عن طريق إعادة ترتيب الجيش وضم المقاتلين بشكل فردي وليس جماعي”.
وبالإضافة إلى الأسباب السابقة، تلعب الموارد المالية دوراً كبيراً في تفجر الكثير من حالات الاقتتال بين هذه الفصائل، حسب العمر، الذي يؤكد أن معابر التهريب مع مناطق النظام وقسد، وكذلك مع تركيا؛ والحواجز الداخلية التي تدر مبالغ كبيرة، وكذلك الاستيلاء على العقارات والأراضي الزراعية، يسبب حالة تنافس وقتال بين الفصائل من أجل الحصول على مصدر دخل، في ظل شح الدعم المقدم للفصائل من قبل الجانب التركي، وخصوصاً الفصائل التي ترفض إرسال مقاتلين إلى ليبيا”.
بعد مرور ثلاث سنوات ونصف السنة على تشكيل الجيش الوطني السوري، ورغم الوعود المتكررة من قبل قيادته والقائمين عليه بإصلاح مكامن الخلل فيه ومعالجة نقاط الضعف ووضع حد للظواهر السلبية التي يعاني منها أو يتسبب بها في مناطق انتشاره، إلا أن الجيش لا يزال يراوح في دائرة المشاكل والمعاناة ذاتها التي رافقت فصائل المعارضة منذ بدايات العمل الثوري المسلح في سوريا.

المدن

اترك رد