انهيار الفرقة الأولى:لواء الموت الذي تنازعته روسيا وإيران

منذ اللحظة الأولى لتسلّمه السلطة في سوريا، أدرك حافظ الأسد أهمية السيطرة على الفرقة الأولى مدرعات في الجيش.
فمن هذه الفرقة، ومقر قيادتها في مدينة الكسوة جنوب دمشق، انطلقت معظم الانقلابات التي وقعت في سوريا قبل ذلك، ولأن تقويض أي امكانية لحدوث أي انقلاب عليه كان هاجس الأسد الأول، فقد وضع الفرقة الأولى على رأس أولوياته، إلى جانب أجهزة الأمن والمخابرات.
ومنذ العام 1973، تعاقب على قيادة الفرقة ضباط علويون مقربون من الأسد، بدءاً من توفيق الجهني حتى عام 1985، ليتسلم بعدها العميد ابراهيم الصافي، أحد رجالات الأسد المخلصين قيادتها، وبقي في هذا المنصب حتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
خلال تلك الفترة أدّت الفرقة الأولى مهمتها في الدفاع عن النظام على أكمل وجه، فكانت إحدى قواه الضاربة، إلى جانب الفرقة الثالثة والقوات الخاصة في قمع حركة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى الدور الرئيسي الذي لعبته في افشال محاولة رفعت الأسد الانقلاب على شقيقه والسيطرة على الحكم عام 1983.
كما عهد إلى هذه الفرقة الانتشار في لبنان، ورغم فشلها الذريع بمواجهة الغزو الاسرائيلي عام 1982، إلا أنها مهدت بشكل كافٍ للهيمنة العسكرية السورية على الدولة المجاورة.
لاحقاً تراجع دور الفرقة الأولى في الجيش السوري، وقلّت أهميتها لصالح صعود القوات الخاصة والحرس الجمهوري، وتغوّل الأجهزة الأمنية بطبيعة الحال، ومع ذلك بقيت محط أهمية خاصة لدى النظام، الذي استمر في تعيين الضباط العلويين على رأس هرمها، وكان آخرهم العميد زهير الأسد، ابن توفيق، الأخ غير الشقيق لحافظ الأسد، الذي ورد إسمه إلى جانب الفرقة الأولى في حزمة العقوبات الأخيرة التي صدرت عن الولايات المتحدة في 29 تموز/يوليو.
وبما أن هذه الدفعة من العقوبات جاءت في ذكرى مجزرتي حماة 2011، ومعرة النعمان 2019، فقد كان من الطبيعي أن يتم إضافة الفرقة الأولى إلى لائحة العقوبات، بسبب دورها المباشر في المجزرة التي ارتكبها النظام في المعرة، قبل السيطرة عليها بشكل كامل.
فمنذ شهر شباط/فبراير 2012 وصل “اللواء 76″، أحد تشكيلات هذه الفرقة، والذي تم تعزيزه من قبل عناصر موالين من التشكيلات الأخرى والمخابرات، حسب تقرير لصحيفة “فرانس سوار” الفرنسية، إلى محافظة إدلب، حيث مارس هذا اللواء سياسة “الأرض المحروقة” من خلال ارتكاب العديد من الفظائع وإعدام المدنيين، تاركاً وراءه على الجدران عبارة “لواء الموت”.
وقد أدّت الأعمال الوحشية التي مارسها اللواء في سرمين وسراقب وتفتناز وحزّانو والقرى الأخرى، ما بين شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل إلى مقتل 95 مدنياً على الأقل، منهم 35 تم إعدامهم على الفور. بينما بقيت الألوية الأخرى بالقرب من دمشق.
كما انتشرت الفرقة الأولى بعد الثورة في مدينتي دوما وحرستا بريف دمشق، ابتداءً من آب/اغسطس 2012. وفي عام 2015 كُلّفت الفرقة الأولى مع الفرقة 13 بالهجوم على الزبداني. وفي 10 تشرين الأول/أكتوبر قام “الفوج 45” من هذه الفرقة بشن هجوم على جبل النبي يونس في اللاذقية. كما أن جزءاً مهماً من الفرقة الأولى المدرّعة قاتل في معركة حلب (حول مدرسة المدفعية) نهاية العام 2016. وفي الوقت الذي بقي قسم من هذه الفرقة في الغوطة الشرقية، تم إرسال قسم منها إلى دير الزور، حيث شاركت هذه الفرقة عام 2017 في هجوم البادية من خلال اللواء 91.
وفي الأول من شهر أيلول/سبتمبر 2018 بدأت الفرقة الأولى المدرّعة معاركها على جبهة تلول الصفا بريف درعا تحت قيادة الضباط الروس، وبالتعاون مع جيش التحرير الفلسطيني وقوات العميد سهيل الحسن الملقب ب”النمر” والمقرب من روسيا.
وتنتشر الفرقة في قطاع واسع من البلاد، من حمص شمالاً حتى الشيخ مسكين جنوباً، ومن البادية شرقاً حتى الخط الذي يمتد بين تلكلخ وسهل البقاع والقنيطرة من الغرب. ويبلغ تعدادها بين 16 و20 ألفاً، وتضم ثلاثة ألوية مدرّعة (76، 91، 153) ولواء آلياً (58)، بالإضافة إلى فوج المدفعية (141).
وبسبب مشاركتها القوات المدعومة من روسيا أو حتى تحت قيادة مباشرة من الضباط الروس، وخاصة منذ الهجوم الذي شُنّ على محافظة درعا عام 2018، أصبح واضحاً أن موسكو تعمل على استتباع هذه الفرقة، بينما يؤكد ضباط منشقون أن روسيا تعيد تأهيلها لتكون قوة الحماية الرئيسية لمدينة دمشق.
لكن تعرض قيادة الفرقة لقصف اسرائيلي متكرر كان آخره منتصف شهر تموز/يوليو 2020 ومن ثم إدراجها على لائحة العقوبات الأميركية يستدعي إعادة النظر بهذه الفرضية حسب البعض، إذ من المستبعد أن تدخل تل أبيب وواشنطن بمثل هذا النوع من المواجهة المباشرة مع روسيا.
وعليه، يؤكد محللون أن الفرقة الأولى أصبحت ومنذ وقت غير قصير تحت الهيمنة الإيرانية الكاملة، وتحت غطائها تعمل كل من الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، والميليشيات المدعومة من إيران، بما في ذلك “حزب الله” اللبناني، في تعزيز قواها التسليحية جنوب سوريا.
نظرية لا يؤكدها فقط الاستهداف المتكرر للفرقة الأولى من قبل تل أبيب مؤخراً، بل وتأكيد العديد من العسكريين المنشقين أنها باتت ضعيفة جداً كتشكيل عسكري في جيش النظام، بعد أن تحولت إلى تجمع للميليشيات المحلية، نتيجة الخسائر الكبيرة التي منيت بها على مدى ثماني سنوات من المشاركة في العمليات العسكرية ضد المعارضة، وهو ما يتفق ورغبات طهران.
ثماني سنوات أجهزت على ما تبقى من قوة الفرقة الأولى مدرعة، وعلى تاريخها العسكري اللافت، فهذه الفرقة هي من واجهت القوات الفرنسية بقيادة يوسف العظمة في معركة ميسلون عام 1920، كما أنها القوة الرئيسية التي حققت الانتصار على الجيش الاسرائيلي في معركة تشرين عام 1973 في هضبة الجولان قبل أن تقع الكارثة لاحقاً.

المدن

اترك رد