روسيا تؤكد بحثها تسوية سياسية شاملة والنظام يشترط رفع العقوبات

أظهر بيانان رسميان صدرا في كل من موسكو ودمشق حول مضمون مباحثات جرت في العاصمة السورية بين وفد روسي وبين بشار الأسد، اختلافاً حول المواضيع التي تم بحثها، في دلالة يرجح أنها تعكس ملامح مهمة الوفد الروسي الذي أرسله الرئيس فلاديمير بوتين إلى سوريا وطبيعة التوجه الروسي في المرحلة المقبلة وعدم توافق في المواقف بين الجانبين كما يقول محللون .

الوفد الدبلوماسي والعسكري الروسي برئاسة “ممثل الرئيس الروسي للتسوية السورية ألكسندر لافرنتييف “بحسب بيان للخارجية الروسية بحث مع بشار الأسد التسوية السياسية الشاملة والوضع الحالي في سوريا وحولها بالتفصيل على أساس احترام سيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي المنطقة إضافة إلى التحضيرات الجارية لعقد الجولة الثالثة من اجتماعات لجنة صياغة الدستور المقررة في 24 من آب المقبل .

وجاء بيان وزارة الخارجية الروسية بعد ساعات على بيان أصدره النظام حول المواضيع التي تم بحثها خلال لقاء لافرنتيف ـ الأسد ، ونقلته وسائل إعلامه، وخلا من الإشارة إلى المواضيع التي بحثت التسوية السياسية، وركز البيان على أنه تم التداول في حلول للمصاعب الناتجة عن سياسات بعض الدول الغربية ضد سوريا، مشيراً إلى أن العقوبات التي يصفها النظام بالإجراءات القسرية، إضافة إلى الجولة القادمة من اجتماعات لجنة صياغة الدستور التي يسميها  ” لجنة مناقشة الدستور “.

ورجح المحلل السياسي حافظ قرقوط في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن يكون الروس أمام توجه جديد مزعج لنظام الأسد ولهذا ظهر الاختلاف بين البيانين وقال: يمكن الاستنتاج من ذلك أن المرحلة القادمة هي البحث عن تسوية تحاول إرضاء الأطراف بشكل نسبي على الأقل فربما بدأ الروس يشعرون بثقل الملف السوري عليهم.

ومن جانبه رأى الكاتب والصحفي عدنان عبد الرزاق أن اختلاف البيانين يعكس عدم تنسيق وتوافق بالرأي وملامح تمرد أسدي، وقال ربما فقدت روسيا بعض وصايتها على الأسد أخيراً، جراء التشهير به وكشف بعض الخفايا السياسية والمالية، ما عزز من الدور الإيراني وسعي طهران لملء الفراغ.

وفيما يتعلق باستكشاف ملامح الحل الروسي فقد انشغلت الدوائر الدبلوماسية في موسكو بالمدة الأخيرة بلقاءات مع شخصيات من المعارضة من بينها رئيس الائتلاف السابق معاذ الخطيب وشخصيات أخرى ومسؤولون إقليميون ودوليون في إطار ما وصفته مصادر روسية لصحيفة الشرق الأوسط بـ”الحل السياسي” وتسوية الأوضاع بالنسبة للملف السوري. إذ نقلت عن مسؤولين روس قولهم إن الحل تأتي بالتنسيق مع المسؤولين الأميركيين لدفع عملية التسوية السياسية في سوريا.

وأضافت أن موسكو تعلق أهمية قصوى في مساعيها باتجاه الحل السياسي على اجتماعات لجنة صياغة الدستور القادمة والتي ستكون ذات أهمية بالغة، وبأنها بالاستحقاق الأهم بالنسبة للقيادة الروسية بما يتعلق بالملف السوري ولفتت إلى أن القيادة الروسية تحرص على تنفيذ القرار الأممي بشكل كامل، بما في ذلك البنود المتعلقة بالإصلاحات الدستورية وتحقيق انتقال سياسي في سوريا تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية فيما بعد.

وفيما يتعلق باللقاءات الروسية مع شخصيات معارضة فإنه من المرجح أن يكون الهدف منها هو تركيب معارضة مبنية على منصة موسكو التي يقودها قدري جميل، لتشكيل كتلة كبيرة من معارضين تقنع من خلالها المجتمع الدولي بأنها تخطو باتجاه الحل السياسي، هذا الحل الذي قالت الكاتبة والصحفية مزن مرشد لـ موقع تلفزيون سوريا إن روسيا تراه ضرورياً لضمان مكتسباتها في المنطقة والخلاص من تكاليف الحرب عبر إيجاد مخرج للحل السياسي الشامل لكن مرشد تستدرك أن النظام ما يزال متعنتاً ومستقوياً بإيران.

ووضع النظام من خلال كلمة لمندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري شرطاً للسير في العملية السياسية وهو إلغاء العقوبات الغربية والأميركية، ونقلت سانا عن الجعفري قوله في جلسة لمجلس الأمن عبر الفيديو حول الوضع في سوريا، إن مهمة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون تقتضي منه ومن الأمانة العامة العمل على  رفع العقوبات الأميركية والغربية .

ورأى الجعفري أن العقوبات تمنع الغذاء والدواء عن نظامه، متخذاً منها ذريعة لعدم الالتزام باستحقاقات العملية السلمية وفق قرار مجلس الأمن الدولي 2254 وبيان جنيف، والتي اختزلت إلى لجنة صياغة الدستور التي ترعاها الأمم المتحدة وتلقى دعماً من ضامني أستانا ومن المجموعة الدولية المصغرة بشأن سوريا.

وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري أكد أن العقوبات الأميركية التي أقرها قانون قيصر لا تستهدف الشعب السوري ولا الأغذية والمساعدات للسوريين وقال: قانون قيصر يتضمن لغة قوية ومتطلبات قوية جداً في مجال المساعدات الإنسانية وسنلتزم بها. ليس لدينا أي نية لاستهداف أي شيء لعرقلة المساعدات الإنسانية في أي مكان في سوريا بما فيها مناطق النظام .

وقال الجعفري ” إن الإجراءات القسرية التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية تتناقض مع مهمة المبعوث الخاص وتعيقها ”  .

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية بعيد توقيع الرئيس دونالد ترامب على قانون قيصر أن من بين أهداف القانون الاستجابة لنداءات الشعب السوري الذي يطالب بالتوصل إلى حل سياسي دائم للنزاع السوري تماشياً مع قرار مجلس الأمن رقم “2254”.

وأكد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، لصحيفة “الشرق الأوسط  في 29 من حزيران، أن قائمة العقوبات الخاصة بالاتحاد الأوروبي هدفها ممارسة الضغوط على النظام لوقف أعمال القمع، والتفاوض بشأن التسوية السلمية الدائمة لـ”الأزمة السورية”، بموجب القرار الدولي 2254 تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة.

وتأتي المواقف الغربية هذه لتدحض الشرط الذي أطلقه بشار الجعفري من أجل الانخراط في العملية السياسية والذي تذرع بأنها تستهدف غذاء ودواء السوريين، إلا أن الجعفري شن في الوقت نفسه هجوماً عنيفاً على المعارضة السياسية السورية وقال إن من يصفون أنفسهم بـ المعارضين وهم قلة ساهموا بما سماه جريمة قانون قيصر، ملمحاً في الوقت نفسه إلى أن مشاركة النظام في اجتماعات الجولة القادمة مرتبطة بالتحضير الجيد والتزام وضمان الأمم المتحدة حماية صحة المشاركين من عدوى وباء كورونا.

وأعلن المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون في إحاطة له خلال جلسة لمجلس الأمن عبر الفيديو كونفرنس أن “خطة عقد الدورة الثالثة من هذه المحادثات باتت مؤكدة الآن، وإن الاجتماعات ستبدأ في جنيف في 24 من آب، بشرط عدم تغيير إجراءات وشروط السفر”.

وفشلت الجولة الثانية لاجتماعات لجنة صياغة الدستور المصغرة والتي عقدت جنيف في 29 من تشرين الثاني 2019. في التوصل إلى اتفاق على جدول أعمال بعد رفض وفد النظام ثلاثة مقترحات قدمتها المعارضة، متمسكاً باقتراحه حول موافقة المعارضة على ما سماها بالثوابت الوطنية .

وقالت مصادر المعارضة إن سياسة التعطيل والمماطلة التي يتبعها النظام هي جزء من استراتيجية يتبعها في اللعب على الوقت ريثما يتم تصفية بقية المناطق المحررة بالقضم حتى الانتخابات الرئاسية في العام 2021 .

وحملت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية “مورغان أورتاغوس”، النظام مسؤولية فشل الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة الدستورية وقالت إن نظام الأسد ينتهك مدونة السلوك للجنة الدستورية، وأن هذه الشروط محاولة لتأخير وعرقلة، جهود تدعمها المجموعة الدولة المصغرة بشأن سوريا ومجموعة أستانا.

ويطلق النظام على لجنة صياغة الدستور التي اعتمدتها الأمم المتحدة والمعارضة ، تسمية “لجنة مناقشة الدستور” ماعد إشارة إلى رفضه صياغة دستور جديد للبلاد ورغبة منه بأن تناقش اللجنة، الدستور الذي وضعه النظام في العام 2012 ، كما يسمي النظام وفده إلى الاجتماعات باسم الوفد الوطني، ما يعني تخوين وفد المعارضة الذي يتفاوض معه.

ويرى الكاتب والصحفي مصعب المجبل أن نظام الأسد يسعى إلى السير خارج الرؤية الروسية للحل السياسي في سوريا، ولا سيما أن الدبلوماسية الروسية في الملف السوري باتت تعيد نفسها حيث ترسل مبعوثها إلى سوريا قبل أي اجتماع للجنة صياغة الدستور أو أي استحقاق آخر، بينما يندرج بيان الخارجية الروسية  وتركيزه على أن لافرنتيف بحث مع بشار الأسد التسوية السياسية الشاملة في إطار توجيه رسالة لباقي الأطراف الفاعلة في الملف السوري أنها تسير نحو الحل السياسي.

قد تبقى ملامح الحل السياسي الذي تسعى اليه روسيا في غموض لكن يرجح أن تكشفه طبيعة التطورات الميدانية التي تحمل ترجمة لعناوينه، وهي الأكثر تعبيراً عن ما يصاغ في مراكز صناعة القرار الدولي والإقليمي التي اختزلت بيان جنيف والقرار 2254  المتعلق بإنجاز الانتقال السياسي، إلى ماعرف بسلال ديمستورا الأربعة والتي تدحرجت بدورها لتختزل في إطار لجنة صياغة الدستور.

تلفزيون سوريا

اترك رد