ما بعد الحكم في قضية الحريري.. لبنان دولة يديرها القتلة

مع اقتراب النطق بالحكم في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، “رفيق الحريري”، والتي يتهم فيها 5 عناصر من حزب الله، يحبس اللبنانيون أنفاسهم بانتظار الأثر، الذي سيتركه الحكم المنتظر على بلادهم، التي تعاني أساساً من أزمة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990.

وكانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد حددت يوم الجمعة المقبل 7.8.2020، موعداً للنطق بالحكم في القضية، التي مثلت الحدث الأبرز في لبنان منذ عام 2005، لما قادت له من خروج قوات النظام السوري من لبنان، بعد 30 عاماً من الوصاية، كما يصفها اللبنانيون.

الصراع الحتمي

على الرغم من محاولة نجل “الحريري” ورئيس الوزراء السابق، “سعد الدين الحريري” تجنب الدخول في أي صراعات مع حزب الله خلال الفترة الماضية، إلا أن المحلل السياسي “ناصر فتفت” يؤكد أن الحكم سيخلق صراعاً حتمياً بين الحزب وتيار المستقبل، على اعتبار أن أغلب الترجيحات تؤكد أن المحكمة تتجه لإدانة العناصر الخمسة بالقضية.

كما يعتبر “فتفت” أن حتمية الصراع سيزيدها رفض الحزب تسليم العناصر لتنفيذ الحكم، الامر الذي سيفاقم من الأزمة السياسية في لبنان، ويقوض فرص حلولها، خاصةً وأن إدانة العناصر في حال تمت، ستدفع باتجاه تحميل الحزب مسؤولية كافة عمليات الاغتيال، التي شهدها لبنان خلال الفترة الممتدة بين 2005 و2008، بما فيها الاغتيالات التي طالت شخصيات مسيحية “كجبران تويتي” و”بيير الجميل” والإعلامي “سمير قصير” وغيرهم.

وكان لبنان قد شهد خلال السنوات، التي تلت اغتيال “الحريري”، موجة اغتيالات استهدفت عشرات الشخصيات المعارضة للحزب وللوجود السوري، بينها من نجا من القتل، “كالوزير مروان حمادة” والوزيرة “مي شدياق”.

أزمة حزب الله مع حكم الإدانة، وفقاً لما يراه الباحث في الشأن اللبناني، “أحمد عيتاني”، لن تتوقف عند حد الصدام مع الأحزاب السياسية، التي ينتمي لها الساسة المستهدفون، وإنما ستمتد أيضاً إلى الشارع اللبناني، على اعتبار أن عمليات الاغتيال تلك أوقعت أيضاً عشرات المدنيين، الأمر الذي سيزيد من مطالبات الشارع المنتفض بنزع سلاح الحزب، واعتباره محوراً وفاعلاً رئيسياً في أعمال القتل في البلاد.

وكانت حادثة اغتيال “الحريري” قد أسفرت عن مقتل 21 شخصاً، بينهم “الحريري” والنائب “باسل فليحان” وعدد من المدنيين، الذين تواجدوا في مكان الحادث.

حكومة القتلة

تبعات الإدانة وصدور أحكام بحق المتهمين، لن تتوقف آثارها عند الحزب، وإنما ستكون أولى ضحاياها حكومة “حسان دياب”، وفقاً للمحلل “فتفت”، والتي توصف بأنها حكومة حزب الله، مضيفاً: “الحكومة في هذه الحال ستتحمل تبعات الحكم الصادر وستعتبر شريكة حزب الله، ما يعني أنها ستعيش المزيد من العزلة الدولية، ولن يكون أمامها أي خيار سوى الإستقالة، في حال فكرت بمصلحة لبنان، فإدانة المتهمين سيقطع أي خيط تواصل دولي معها، وسيجعل منها حكومة قتلة”.

وتعاني حكومة “دياب” من رفض دولي شبه تام لها، بسبب سطوة حزب الله عليها، ما دفع العديد من الدول بينها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبعض الدول العربية، إلى وقف المساعدات المالية المقدمة للبنان.

الحديث عن الحكومة الحالية وقرار المحكمة، يمتد أيضاً إلى حلفاء حزب الله السياسيين وعلى رأسهم التيار الوطني الحر، الذي يمثل أحد أكبر الأحزاب المسيحي في لبنان، حيث يؤكد الباحث “عيتاني”، أن التيار سيكون أمام اختبار صعب، لا سيما وأن بقاءه إلى جانب الحزب في حال اتهامه بالجريمة، سيعزز فرص اندلاع حرب أهلية جديدة في لبنان، مشيراً إلى أن اختيار رئيس الجمهورية ومؤسس التيار، “ميشال عون”، البقاء إلى جانب حليفه سيضع لبنان في مواجهة تبعات كبيرة على الساحتين الداخلية والخارجية.

وفي حال تمت إدانت المتهمين، فقد تصل العقوبة إلى السجن المؤبد، حيث من المقرر أن يتلى حكم العقوبة في جلسة علنية منفصلة عن جلسة النطق بالحكم، وفقاً لما صرح به متحدث باسم المحكمة، مؤكداً إذا كان الشخص المدان طليقاً وغير حاضر عند تلاوة الحكم والعقوبة تصدر غرفة الدرجة الأولى مذكرة توقيف بحقه.

في السياق ذاته، يعتبر المحلل “حسام يوسف” أن عدم إعلان الحكومة اللبنانية حضور أي مندوبين عنها لجلسة الحكم، مؤشراً على وقوفها إلى جانب حزب الله، ما يعني وجود قرار حكومي لبناني بمواجهة المجتمع الدولي، وهو غالباً ما سيدفع ثمنه لبنان واللبنانيون، على حد قوله.

مزيداً من التصعيد

العودة إلى الأوراق القديمة هي لعبة التاجر المفلس، يقول “يوسف” واصفاً خيارات حزب الله لمواجهة تبعات قرار الإدانة في حال صدوره، موضحاً: “المقاومة ومحاربة إسرائيل، قد تكون أولى الخيارات التي سيلجأ لها الحزب، للعب على وتر التعاطف الإقليمي العربي والمحلي، ولإظهار أن الحكم يرتبط بدعم إسرائيل لضرب محور المقاومة والممانعة”.

ويرفض الحزب اتهام أعضاءه، وفي مقدمتهم “مصطفى بدر الدين”، المتهم الرئيسي في القضية، الذي قتل في سوريا بظروف غامضة قبل سنوات، واصفاً المحكمة بفقدان الحيادية والتحيز ضد الحزب.

إلى جانب ذلك، يشير “يوسف” إلى أن الحزب يدرك تماماً أن لجوءه للتصعيد في الساحة الداخلية وتحديداً اللجوء إلى الاغتيالات، سيخلق المزيد من الضغط على حلفائه وتحديداً التيار الوطني الحر، خاصةً وأن قضية النائب “ميشال سماحة”، قد زادت من صعوبة الموقف بالنسبة لمعسكر 8 آذار، الموالي للنظام السوري وإيران والحزب.

وكانت السلطات الأمنية اللبنانية قد اعتقلت قبل سنوات النائب “سماحة” أثناء نقله لمتفجرات من سوريا إلى لبنان، اعترف خلال التحقيق معه، أنها كانت ستسخدم لاغتيال شخصيات معارضة، قبل أن يفرج عنه لاحقاً بضغط من حزب الله.

على الرغم من تأييده لفكرة لجوء الحزب إلى الحرب مع إسرائيل، إلا أن الباحث “عيتاني” لم يستبعد قوع بعد أعمال الاغتيال أو الاستهداف أو التصعيد الأمني في لبنان، لخلق جو من البلبلة والفوضى وإلهاء الشعب بتلك الحالة، معتبراً أن خروج الأمين العام لحزب الله “حسن نصر الله”، في خطاب يوم الأربعاء القادم، سيحمل رسائل تهديد واضحة، كما أنها سيحاول اللعب على وتر المقاومة والممانعة.

ووجه رئيس الحكومة الإسرائيلي، “بنيامين نتنياهو” اليوم الثلاثاء، تحذيراً شديد اللهجة لحزب الله اللبناني، من استهداف المواقع الإسرائيلية، مؤكدا أن إسرائيل ستدافع عن نفسها.

مركز مينا للدراسات المعاصرة

اترك رد