قراءةٌ في الموقف الأمريكي من الحالة السورية

د. محمد عادل شوك |

يذكر المفكر الكويتي، د. عبد الله النفيسيّ، أنّ تصنيف الحروب لدى الأمريكان على ثلاث درجات، على النحو الآتي:

1-حروب الدرجة الأولى (الحروب الكونية الأممية)، وهي التي يهواها الأمريكان، ويرون فيها مبتغاهم، لأنّها تتيح لهم استخدام كلّ ما يقع تحت أيديهم من القوة المفرطة، بما فيها النووية والمحرَّمة دوليًا، كما حصل في الحربين العالميتين.

2-حروب الدرجة الثانية (الحروب الدَّوْليَّة القطرية)، وهي حروب لا يرغبون فيها ولا يتمنّونها؛ لأنّها لا تطلق يدهم في استعمال القوة المفرطة، وغالبًا ما يسعون للإفلات منها خوفًا من اهتزاز الصورة النمطية التي رسموها لأنفسهم، كما حصل في حرب الكوريتين وفيتنام وأفغانستان والعراق.

3-حروب الدرجة الثالثة (الحروب الخفيفة المسيطر عليها)، وهي الحروب ذات الطابع المحليّ، وهي أنماط من الحروب لا يمانعون في حصولها، وتسعى دوائر صنع القرار لديهم في الانخراط فيها، لجعل ثمارها تؤول إلى السلة الأمريكية، ولجعلها ثقبًا أسود لإغراق خصومهم، وهم ليسوا في عجلة لوضع نهاية لها، كما في الحالات: السورية والصومالية والسودانية والفنزولية.

وبناء على ذلك يمكن قراءة الموقف الأمريكيّ من الحالة السورية، إنّهم ليسوا في وارد أن يتدخّلوا لإسقاط النظام، مثلما ليسوا في وارد أن يجعلوه يعود إلى ما قبل الخامس عشر من آذار/ 2011.

ولذلك اتسمت مواقف إدارة أوباما بكثير من الضبابية، وحتى إدارة ترامب ليست في عجلة من أمرها، على الرغم ممّا أعلنته من التحول في التعاطي مع الملف السوريّ، عن سياسة البيت الأبيض في عهد أوباما.

هي تترك الحلول لتنضج على نار هادئة؛ فيكون حينها قد غرق وغاص في الوحل السوريّ كلّ من يريد أن يتورّط فيه، وبذلك تكون قد أسقطتهم بمجموع النقاط، وليس بالضربة القاضية، سواءٌ أكانوا دولاً أو جماعات.

ولاسيّما أنّ فاتورة هذه النزاعات بعيدة عن أموال الخزينة الأمريكية، ولا تمسّ جيوب دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، ومن غير المسموح أن يُفتى في شكل الحلّ فيها من دون الحضور الأمريكيّ، بعد انهيار عالم القطبية الثنائية، وتفرّد أمريكا في قيادة العالم.

ولعلّ من أحدث ما لجأت إليه في التعاطي مع الملف السوريّ، هو سلسلة العقوبات الأمريكية المندرجة تحت قانون قيصر، الذي دخل حيز التنفيذ في: 17/ 6- الفائت، الذي تعوّل فيه مراكز صنع القرار الأمريكية، على أن يجعل الأمور تتجه إلى الأخذ برأيها، بعدما أوصلت جميع الأطراف المنخرطة فيه، إلى حالة من الاقتناع بضرورة الاصغاء إلى رأيها والأخذ به، مغلّفًا بالقرارين الأمميين: (2118) و(2254).

لقد شكّلت حزمتا العقوبات الأمريكية الصادرة وفقه، ضد أفراد وكيانات سورية، ترى الإدارة الأمريكية أنّها منخرطة في ذلك النزاع الذي تشهده سورية منذ تسع سنوات، صدمة لفريق من السوريين، الذين كانوا ينتظرون سقوط النظام فور إقرارها، مثلما جعلت فريقًا آخر يتلوّى ألمًا منها.

لقد بدت هذه الإجراءات مثيرة للسخرية بالنسبة للبعض، وبأنّها تصبّ في سياق التعامل السطحي لواشنطن مع الملف السوريّ، بينما كانت بالنسبة للبعض الآخر خطوة إضافية في طريق حمل النظام على الانتقال السياسيّ.

هاتان القراءتان المعارضتان لا تعكسان حقيقة الموقف الأمريكيّ من التعاطي مع هذا الملف، بمقدار ما تعبّران عن تلكم الآمال التي عقدت على إقرار قانون قيصر والتطلعات التي رُسمت حوله.

إنّ الأمر أكثر عمقًا ممّا يرى أصحاب هاتين القراءتين، فما يحدث يؤكِّد أن الأمريكان غير معنيين بإيجاد نهاية سريعة للحالة السورية، فضلاً على إسقاط النظام، الذي أكّدوا مرارًا أنّهم لا يسعون إلى إسقاطه.

ما يقومون به هو العمل على إطالة أمد هذا الصراع، وإبقاء الأمور تحت سيطرتها ما أمكن، من أجل أن تبقى سورية ثقب المنطقة الأسود، الذي يستنزف الجميع ويبتلعهم.

الأيام السورية

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more