المحكمة الدولية: مصير الوديعتين الإيرانية والسعودية في لبنان (1)

بعد أكثر من 15 عاماً على الجريمة، تصدر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يوم الثلاثاء 18 آب، حكمها على المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، في الوقت الذي يشهد فيه لبنان تفجيراً إجرامياً أشد فظاعة وهولاً كاد يطيح بالعاصمة بيروت. وهو حدث يتوج مساراً من التدمير السياسي والاقتصادي والعمراني والثقافي ابتدأ في شباط 2005 ولا يزال.
ومع ترقب صدور حكم المحكمة، ننشر هنا، على حلقات ثلاث، تدويناً لمسلسل الكوارث الذي دشنه انفجار 14 شباط 2005.  

لم يبقَ شيءٌ سوى الأنقاض من ما أنجزه عهد رفيق الحريري في بيروت ولبنان تسعينات القرن العشرين. وكان الرجل استهل في بدايتها حياته السياسية “وديعةً سعودية” لدى حافظ الأسد، والي نظامه الأمني في حكم سوريا (منذ 1970)، فضم إليها لبنان بعد “إتفاق الطائف” في العام 1990، وحكمهما من دمشق.

لكن الكوارث التي عصفت ببيروت ولبنان في الشهور الأخيرة، لم يتوقف ما دمرته على ما أُنجز بعد “اتفاق الطائف” الذي أوقف حروب لبنان، بل هي  قضت على ما أنجزه اللبنانيون في بلدهم طوال قرن ونيف من تاريخهم الحديث.

سماءٌ وأفق حجريان
فها الانهيار والاختناق والاهتراء والرعب والضياع وانسداد الأفاق إلا من الظلام، تحيق كلها بلبنان وأهله، وتكتمل أخيراً بالانفجار الكبير المهول في مرفئها، فدمّره تدميراً كاملاً، كأنما زلزال ضربه وضرب محيطه: وسطَ بيروت وأحياء الكرنتينا، الجميزة، مار مخايل، الأشرفية، الرميل، والمدور، فصدّعها وأخلاها من حياة سكانها، مخلفاً فيها عشرات القتلى ومثلهم من المفقودين، وألوفاً من الجرحى النازفين في الشوارع، والمصعوقين المشردين التائهين وسط الحطام والركام والردم والزجاج المتناثر في كل مكان.

كأنما مسلسل كوارث لبنان اكتمل بهذا الزلزال التوراتي العاصف في نحو السادسة وبضع دقائق من مساء الثلاثاء 4 آب. فأيقن سكان بيروت أنهم في لحظات نهايات العالم الموصوفة في الخرافات والأساطير الدينية. وقد تكون تلك اللحظات جمعاً وتكثيفاً جحيمياً أو قيامياً أخيراً لما خبروه وعاشوه مديداً، موزعاً ومفرقاً على سني حروبهم وأعمارهم من رعب وهلع ومآسي.

وقد تكون سني “العشرية اللبنانية السوداء” في ثمانينات القرن العشرين، الأشد عنفاً وقسوة عليهم، عندما بلغت حروبهم المتناسلة ذروتها، وشهدوا قبيل منتصفها ولادة “الوديعة العسكرية والأمنية الإيرانية”، السرية والحربية التي أرتهم، حين ولادتها في بلدهم، أقله مشاهد ثلاثة توراتية لا عهد لهم بها في حروبهم.

والوديعة الإيرانية تلك راحت منذ العام 1993 تستنزف الوديعة السعودية العلنية المسالمة، ولبنان كله بحروبها الإقليمية مع إسرائيل، بأمرة سيديها في دمشق وطهران. وفي العام 2005 حوّلت اغتيال رأس الوديعة السعودية نصراً لها، واستمرت في تسجيل انتصارات ساحقة، مدويّة ومتلاحقة عليها، بل أخضعت لبنان كله وجماعاته كلها إلى سلطانها العسكري والأمني.

وها هو لبنان يختنق ويتلاشى، وتختنق وتتلاشى جماعاته كلها، فيما تتعملق الوديعة – المنظمة الإيرانية إياها، لبنانياً وإقليمياً ودولياً، ويتعملق من ورائها مجتمعها العضوي اللصيق، ويذهبان بعيداً في صلفهما وعظامهما الهستيري. وهي كتمت أنفاس اللبنانيين جميعاً وأرهقتهم، ورمتهم في اليأس الكبير من بلدهم الذي صاروا غرباء فيه وعنه. وقد بلغ يأسهم من الحياة والعالم حالاً من الضياع الكامل أمام “أفق حجري (وتحت) سماء حجرية” (محمد العبدالله)، فيما هم يتلاشون ويغرقون في الفقر المدقع والحتلل والركام والخيبة المظلمة.

وقد انصرف العالم عنهم وعن لبنانهم، بعدما تغير العالم وسياساته وأساليب الحروب فيه، فصارت عقوبات اقتصادية، تجارية ومالية، وحروب سرية وإلكترونية عبر الأنترنت، وتُديرها أجهزة أمنية واستخباراتية بالأقمار الصناعية من مكاتب في مباني زجاجية حول العالم. وربما صارت الحروب الأهلية التي خبرها اللبنانيون وعاشوها في عشريتهم السوداء، من مخلفات تاريخ الحروب.

ديار العشريات السوداء
وكان العالم في تلك “العشرية السوداء” (الثمانينات) منشغلاً بلبنان وحروبه الأهلية، الإقليمية والدولية الملبننة. وها هو اليوم أيضاً منشغل بإفلاسه وخرابه وبتحكّم “الوديعة الإيرانية” به تحكماً خانقاً يعزله عن العالم، ويجعله دولة فاشلة، يئس العالم من إنقاذها بعدما صارت محميّة أو مستعمرة إيرانية خالصة، بات العيش فيها بالغ الضيق والكآبة والقسوة.

والوديعة الإيرانية هذه رعاها حافظ الأسد في لبنان، قبل رعايته الوديعة السعودية الحريرية. وحصل توليد تلك الوديعة الحربية السرية في أعنف أوقات الحروب وأحلكها على العاميين الشيعة واقتلاعهم وتهجيرهم ورميهم في العراء. فسبقت تلك الولادة بحوالى سنين عشر تقريباً ولادة الوديعة السعودية. وكانت الوديعتان كالماء والنار، على طرفي نقيض تماماً، وفي رعاية الأسد ونظامه الأمني الأخطبوطي إياهما، اللذين رعيا ودائع كثيرة في لبنان، فجعلاه – أقله منذ سبعينات القرن العشرين – مختبراً لسوس اقتتال الجماعات اللبنانية واحترابها، ومنعها من التخاطب إلا بالسلاح والثارات والمقاتِل والاغتيالات.

وهذا ما لم تنجُ منه سوريا الأسد التي صارت تتناتشها اليوم ذئاب الشرق الأوسط والعالم، ليظل بشارها أميناً لإرث أبيه، وليعيد بمَقَاتِله فيها طوال العشرية السورية السوداء (2011 – 2020) عددَ سكانها إلى ما كان عليه في مطلع سبعينات القرن العشرين: نحو 10 ملايين نسمة، عندما تولى والده قيادتها، وجعل الأبد خادماً لعائلته. وبما أن الأبد أو الخلود توقيفٌ أو محوٌ للزمن، فلمَ يتكاثرُ عدد سكان سوريا، ويُقلِقون أمن وراحة عائلة الأبد ورهطها الأمني للإخضاع والنهب المافيوي، ويكلِّفونها بتزايدهم وتغيُّرهم ما لا طاقة لها على احتماله: إرادة الشعب السوري في العيش بحرية وكرامة وسلام، بعدما غيّبه ومحقه الأبد الأسدي.

ففي بداية قوْمَةِ السوريين ثائرين على أبدهم ذاك، قالت أم بشار لابن الأبد: كم يكون والدك مسروراً، وترتعش عظامه في قبره، حين يعلم أنك أعدت عدد سكان سوريا إلى ما كان عليه عندما سمّاها سوريا الأبد الأسدي.

لبنان ديار الودائع
وكانت وديعة إيران الخمينية لدى أسد سوريا في لبنان، سرِّية ظلامية ومسلحة، لإنتاج الشهداء الكربلائيين الحسينيين وتكثيرهم، وليكون لتلك الإيران منظمة عسكرية خلاصية، هي موطئ قدمها على شاطئ المتوسط. ورعى الأسد تلك الوديعة واستعملها بالتضامن والتكافل مع صاحبها في طهران. ولما حان موعد إيقاف الحروب في لبنان مطلع التسعينات، بمبادرة دولية – عربية، للسعودية فيها دور بارز ووديعة، فرك الأسدُ يديه مدركاً أن ذلك لن يكون بلا ثمن من بيت مال أغنى دولة عربية.

وإذا كانت الوديعة الأولى الإيرانية لا تدرّ ذهباً، بل مقاتلين وشهداء ودماراً وظلاماً، فإن الثانية، السعودية الحريرية، مزراب ذهب. وفيما الأولى تعمل في الخفاء، فتُرعب العالم بظلاميتها، أو يخشاها العالم ويتقزّز منها، عملت الثانية في العلن لإعمار لبنان وسط ترحيب العالم ورعايته، بعدما كان غارقاً في العتمة والخراب. فوزّعت الرشى والعطايا في الخفاء واشترت من استطاعت شراءه وتباهت بالضوء، وجعلت لبنان – بإرادة منها أو صاغرة مرغمة – حديقة خلفية لأسد سوريا، وتحسين صورته راعياً لوديعتين متناقضتين. لذا أُرغم العالم على استرضائه ومحاباته، كي لا يتهدّد الوديعة الحريرية العلنية المسالمة، ولبنان معها، بالاختناق والموت، وكي يضبط الوديعة الإيرانية السرية والحربية بمقادير محددة، ويطلقها بمقادير محددة، ساعة يشاء ويرى ذلك مناسباً.

وهكذا صار الأسد راعي الوديعيتن المتعارضتين المتناقضتين في لبنان. فجعله مزرعته لتوليد الأحقاد وإحياء الخامدة منها وتأجيجها، وسوقاً للابتزازات والمقايضات في السياسات الإقليمية والدولية ومحاورها: يتقاضى من إيران ريوع رعايته وديعتها ومنظمتها السرية السوداء في لبنان. فاستعمله أرضاً محروقة، تقاتل منها المنظمة الإيرانية الشيعية الملبننة إسرائيلَ لحساب سيديها المتشاركين في إدارتها لحسابهما الخاص، بذريعة تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، بعدما كان الأسد قد ساهم مساهمة أساسية في استدراج إسرائيل لاحتلاله. ومن السعودية ووديعتها المسالمة بعد توقف الحرب الأهلية في لبنان، راح الأسد يتقاضى أيضاً ريوعَ وإتاوات إعادة إعماره.

وهذا ما جعله معتمَدَاً إقليمياً ودولياً في لبنان، فراح العالم يحسب له ولسلطانه فيه حساباً، فيما استعمل هو سلطانه هذا لابتزاز العالم والسعودية التي تبيض له الذهب.

وكان الأسد في بدايات حروب لبنان التي رعاها ونفخ فيها باستمرار، قد أغرى العالم وخدعه بأنه هو من يحمي المسيحيين من اجتياح الفلسطينيين والمسلمين ديارَهم في لبنان، فسُمح لجيشه ومخابراته بدخول الديار اللبنانية، ليتحول سريعاً إلى مدبِّر مَقَاتل المسيحيين والمسلمين والفلسطينيين معاً وصانعها. لذا أُرغمت الميليشيا المسيحية اللبنانية على التعامل والتحالف مع إسرائيل، للخلاص من سلطان الأسد والمنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان، الذي أغرقه هذا كله في عشريته السوداء في الثمانينات.

جنرال معاهد الأسد
وفي نهايات تلك العشرية، شاءت أقدار لبنان السوداء أن يصل أو يتسلل جنرال الخديعة المسيحية واللبنانية إلى القصر الجمهوري. فحمله سكره الهستيري الطفلي والعسكري بالمنصب، مع جوعه العظامي إلى السلطان، على خوض الجولتين الحربيتين الأخيرتين من حروب لبنان. وهو خاضهما عشوائياً ومتناقضتين، واضعاً نصب عينيه وسكره وجوعه المكوثَ في القصر الجمهوري فحسب، ولو من طريق ولائه للأسد، ومهما كلّفَ ذلك المكوث البلادَ من دمار ودماء.  

وكان جنرال الخديعة في سلوكه هذا، أحد أفضل خريجي معاهد الأسد اللبنانيين في زحفه الدامي المقدس والمخادِع إلى السلطة: إن لم يكن من طريق الحرب المخادعة على جيش الأسد في لبنان، فمن طريق شنه ببقايا الجيش اللبناني حرباً أهلية مدمرة على أعداء الأسد المسيحيين، مقدماً بذلك أوراق اعتماده الدامية لنيل حظوة الأسد. لكن جيش الأسد سرعان ما طرده من القصر الجمهوري، واستولى على القصر ولبنان كله مدمراً خرِباً، ومشْرَعاً للوديعة الإيرانية التي لم يُبقِ الأسد سواها منظمة مسلحة في لبنان. فاشتد عودها وصلفها وتصلّبها في غابة الشهداء وروضاتهم التي جُعِلت لأهل الشهداء وطائفتهم المكان الأبهى إشراقاً في لحظات الحياة الدنيوية كلها.

وبعدما بدأ وضعُ خاتمةٍ مروِّعة ومدوية، لبنانياً وإقليمياً وعالمياً، لوديعة السعودية في لبنان – اغتيال مؤسسها رفيق الحريري في العام 2005، عقب بلوغها سنّ الرشد اللبناني الذي أغراها بالخروج عن طاعة الأسد الإبن – عملت الوديعة الإيرانية وأسدها الإبن في لبنان على شحذ ثارات جنرال الخديعه المسيحية وأحقاده على الحريرية. ثم وعداه بتفكيكها وتحطيمها، للحلول محلها والتنعّم بديلاً عنها بخيرات لبنان، بعد تنصيبه رئيساً للجمهورية.

وهكذا صار جنرال الخديعة رئيساً لشيعة مدنية، ووديعة إيرانية توهم شطراً غالباً من المسيحيين بأنهم استعادوا قوتهم وسلطانهم، ثاراً من الحريرية الفاسدة، فراحوا ينشدون يومياً أهازيج تطهيرهم الدولة والمجتمع اللبنانيين من الفساد الحريري، فيما هم يستغرقون فيه نهمين شرهين وجائعين مثل جنرالهم، من دون أن يفعلوا شيئاً يذكر سوى بثّ الثارات والتشفي. فلم ينجزوا عملاً أو مشروعاً واحداً ذا منفعة عامة أو خاصة. وهم في هذا على خلاف الحريرية تماماً، والتي كان الفساد رشىً تقدمها تارة من مالها وطوراً من مالية الدولة وخزيتها، لإخراج لبنان من العتمة والخراب والتعاسة والفقر.

وهذه لم يفعل جنرال الخديعة شيئاً في تاريخه كله سوى مساهمته فيها: مرة بحربين متناقضتين دمرتا ما كان تبقى من العمران المجتمع المسيحيين في نهايات العشرية اللبنانية السوداء. ومرة بوصوله ورهطه الجائع إلى القصر الجمهوري، وسطوهم على المناصب ونهبم ما تبقى ممكناً نهبه في خزينة الدولة.
(يتبع)

المدن

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more