الحريري وديعةٌ سعودية تبِيِضُ ذهباً للأسد في لبنان (2)

فيما تصدر اليوم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، حكمها بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، ننشر هنا الحلقة الثانية عن مصير الوديعتين الإيرانية والسعودية لدى نظام الأسد في لبنان. وهي تروي محطات من سيرة رفيق الحريري الشاب بين جروح العروبة ووصوله إلى رئاسة الحكومة في لبنان.

الوسيط السعودي
في مطلع العشرية اللبنانية السوداء أو المظلمة بالحروب الأهلية الملبننة في ثمانينات القرن العشرين، وبتمادي جولات القتل اليومي المنظم واتساعه مع موجات التهجير والهجرة وخراب العمران والتمزق الاجتماعي، وتوسع بؤر المجتمع الحربي وتمددها في لبنان؛ بدأ اللبنانيون الغارقون في هذا كله يسمعون في دوائر عامة ضيقة باسم الشيخ رفيق الحريري. وذلك من طريق تبرع شركته للإعمار والإنشاءات الكبرى بإزالة الردم والركام المتخلف عن الحرب في وسط بيروت، وإغاثة مؤسسته الرعائية منكوبين ومحتاجيين، بيارتة وصيداويين خصوصاً. وحدث إقدام الرجل على هذه الأعمال في عشايا وغداة الحملة العسكرية الإسرائيلية الكبرى على لبنان واجتياحها بيروت، لاجتثاث مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، وترحيلهم من الديار اللبنانية صيف 1982. وعُرِف الحريري آنذاك بصفته رجل أعمال لبناني – سعودي، مسبوقاً اسمه بلقب الشيخ. وكان يقيم ويعمل في السعودية، حيث جمع ثروة كبرى وحظي بجنسيتها، وبرعاية البلاط الملكي في عهد الملك فهد بن عبد العزيز.

إقرأ أيضا: المحكمة الدولية: مصير الوديعتين الإيرانية والسعودية في لبنان (1)

لكن أي مسار سلكه الحريري ليصير يسمى “الوسيط السعودي” لدى الرئيس السوري حافظ الأسد، الضالع في تأجيج الحروب الملبننة وإدارته أمرائها اللبنانيين، قبل أن يصير “الوديعة السعودية” لدى الأسد إياه، لإعادة إعمار لبنان ما بعد الحرب و”اتفاق الطائف” في مطالع التسعينات، وليبلغ “سن الرشد اللبناني” ويتلبنن بطيئاً بطيئاً، ويبدأ تململه وخروجه الخافت والهادئ عن طاعة الأسد الإبن، ما بعد بداية الألفية الثالثة، وصولاً إلى اغتياله في العام 2005؟

لبنان والحريري وجرح العروبة
إنه مسار ومصير مأساويان، مسبوقان بمأساة لبنان المديدة طوال حروبه الأهلية، منذ بدايات توسع انتشار السلاح الفلسطيني ونفوذ منظماته في لبنان.

وكان ذلك قد شطر الجماعات اللبنانية انشطاراً أهلياً وطائفياً عمودياً، منذ “اتفاق القاهرة” الذي أسّس في العام 1969 لبدايات احتراب تلك الجماعات الأهلي، في أيار 1973، قبل انفجاره مديداً في نيسان 1975.

رفيق الحريري الفتى والشاب السني الصيداوي العامي، المولود سنة 1943، والعامل مع أهله في بساتين صيدا، والمتعلم في فرع مدرسة المقاصد الإسلامية شبه المجانية في عاصمة الجنوب اللبناني، وفي جامعة بيروت العربية مطالع الستينات، كان قد هاجر سنة 1965 للعمل في السعودية. لذا لم يعش في خضم الشقاق اللبناني ودبيبه ما بعد هزيمة حزيران 1967 العربية.

فهو غادر لبنان في الثانية والعشرين من عمره، شاباً عاميّاً عصامياً يحمل على كتفيه العريضين آثار وذكريات حَمْلِه صناديق الحمضيات في بساتين صيدا. ويحمل في وجدانه وجوارحه جرح العروبة ونكبتها في فلسطين، لاجئيها ومشرّديها سنة 1948. فصيدا المدينة اللبنانية الجنوبية التي تجمعها بالفلسطينيين قبل نكبتهم وبعدها مصاهرات وتجارات، هي الأقرب إلى تحسّس ذاك الجرح، الذي جعله راعفاً تضرُّرها جرّاء انقطاع صلتها التجارية بفلسطين، ولجوء شطر كبير من الفلسطينيين إلى المدينة اللبنانية واختلاطهم بأهلها. 

أما جواب رفيق الحريري، وسواه من بعض فتيان صيدا وشبانها في المقاصد وجامعة بيروت العربية والجامعة الأميركية في بيروت، على ذاك الجرح إياه، فكان انتسابهم إلى حركة القوميين العرب، الفلسطينية التأسيس والهوى لـ “الثأر” من النكبة. لكن تلك الحركة سرعان ما هامت بالناصرية السكرى بعروبتها وبنصرها السياسي، والذاهلة عن هزيمتها العسكرية، في حرب السويس والعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.

وتضاعف سُكْرُ الناصرية ذاك ومن ورائها الجماهير العربية وحركة القوميين العرب، فبايعت سوريا وعاصمتُها دمشق (قلب العروبة النابض) جمالَ عبد الناصر قائداً ملهَماً وملهِماً للأمة العربية ووحدتها، رداً على النكبة وجرحها. وصار كلٌ من سوريا ومصر قطرين في دولة واحدة سمِّيت سنة 1958 الجمهورية العربية المتحدة، وعاصمتها القاهرة.

الشِّقاق وزمن لبنان الجميل
لكن توق جماهير العروبة وأهلها في لبنان إلى الذوبان بالوحدة الناصرية، أدى إلى شقاق أهلي وطائفي لبناني دامٍ في ربيع 1958 وصيفه. وكانت حركة القوميين العرب في لبنان طرفاً في ذاك الشقاق الذي سرعان ما التأم بتسوية دولية – إقليمية، أدت إلى انتخاب قائد الجيش اللبناني فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية. فقامت الشهابية واستقرت في الحكم على صيغة ولاء الدولة اللبنانية في سياساتها الخارجية لدولة الوحدة الناصرية، واستقلالها التام والناجز في سياساتها الداخلية.

واستقر لبنان على هذه الصيغة، وانصرف الحكم الشهابي وطاقمه إلى تحديث مؤسسات الدولة السياسية والإدارية والرقابية، فأضفى عليها بعداً اجتماعياً وتنموياً، مستفيداً من دور لبنان “التاريخي” وقوته المالية والاقتصادية الناجم شطر كبير منها عن الثروات النفطية الخليجية المتدفقة على قطاعه المصرفي الرائد عربياً، إضافة إلى دوره الرائد أيضاً في خدمات الترانزيت والسياحة والاصطياف والترفيه والتعليم والطبابة. وهكذا عاش لبنان ما سُمِّي “الزمن اللبناني الجميل” طوال عقد الستينات الذي استمر حتى منتصف السبعينات، على الرغم من أزمات الشِّقاق الأهلي الطائفي والسياسي ودبيبه ما بعد هزيمة حزيران 1967 العربية.

ولربما كان فشل الوحدة العربية الناصرية وانهيارها السريع سنة 1961، والازدهار اللبناني في ستينات “الزمن الجميل”، قد صرفا شطراً واسعاً من الوحدويين العرب اللبنانيين عن ذلك التيه والهيام بالوحدة العربية، وأخمدا قليلاً سكرهم بها، أو أجّلاه، فأخذتهم أهواؤهم وفرقت بينهم شقاقاتُهم الإيديولوجية بين ناصريين شعبويين واشتراكيين وبعثيين ويساريين وماركسيين.

الحريري العروبي والسعودي
رفيق الحريري الشاب الذي غادر صيدا وبيروت ولبنان إلى السعودية سنة 1965، لم يعش ويحمل معه على الأرجح، سوى جرح النكبة وعروبته الفطرية وشيئاً من عروبة القوميين العرب وهواها الناصري الوحدوي، وشقاق 1958 اللبناني العابر الذي التأم ووجد في الشهابية وتسويتها مع الناصرية، وفي طيف “عدالتها” وتنميتها الاجتماعيتين، شيئا من الرضى والوئام.

لكن الحريري كان في الصفوف الخلفية أو “التحتية” من حركة القوميين العرب، ولم يكن من وجهائها ووجوهها البارزة في التنظيم والتأطير وصناعة الكلام والقيادة والمنافسة عليها. وهذا ما عصمه – إضافة إلى عصاميته وعامِّيته الحصيفة، ومسؤوليته في إعالة أسرته ونفسه – من أن يصير “مناضلاً محترفاً” في جهازها لصناعة الكلام وتسلُّق المراتب، توقاً إلى التصدر التنظيمي والجهازي الحزبي.

والأرجح أنه ترك هذا كله جانباً في السعودية، وانصرف إلى العمل والجهد. وشاءت المصادفات وأقداره ومواظبته على العمل والدأب أن يحالفه الحظ بالنجاح، وبالتقرب من العائلة السعودية المالكة. فمُنح الجنسية السعودية، وأنشأ شركة مقاولات مكّنها نجاحها من شرائه شركة أوجيه الفرنسية للانشاءات الكبرى، فصار اسمها “سعودي أوجيه”، وصار العامِّي والعصامي رجل أعمال كبيراً، ومقرباً من العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز. فأضيف إلى اسمه لقب الشيخ، كناية عن مرتبته السعودية الجديدة، التي مكّنته طوال “العشرية اللبنانية السوداء” في الثمانينات من أن يصير “الوسيط السعودي” في الأزمات والمذابح الملبننة، ومبعوث الملك فهد الخاص إلى أسد تلك الأزمات والمذابح، أو مدبّرها الأكبر، والمتربع على عرش سوريا الأمني منذ السبعينات، ومُغْرِق مدينة حماه بالدم والدمار في مطلع الثمانينات.

حريري المساعدات والخيانة
ولربما اقترن ظهور رفيق الحريري في مطلع تلك العشرية اللبنانية السوداء، بقيامه بما خَبِره وأجاده: تسيير جرافاته وآلياته في وسط بيروت المدمر لتنظيفه وإزالة الردم منه، في بداية عهد أمين الجميل الرئاسي، وبعيد جلاء قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها عن لبنان، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من بيروت المنكوبة صيف 1982.

ومنذ ذلك الوقت بدأت البروباغندا العروبية والبعثيّة الأسدية واليسارية التقدمية والسورية القومية (وكلها توالي الأسد، وتأتمر بأمرة جهازه الامني)، تستريب من الحريري وتتهمه بأنه خادم الرجعية السعودية، ويتوق إلى مهادنة إسرائيل ومسالمتها، لأنه يجرف الردم والركام من وسط بيروت الذي ساهمت أجهزة تلك البروباغندا ومنظماتها في تدميره ونهبه. كأنما العروبة – عروبتهم الفلسطينية ويساريتهم التقدمية وسوريتهم القومية – لا تعيش وتنمو وتزدهر إلا على النهب والقتل، وفي الخراب والركام.

لكن عندما صار الحريري وديعة السعودية برعاية الأسد في لبنان، صار شطر واسع من أبواق البروباغندا الأسدية، ودائع الأسد في لوائح مرشحيه إلى الانتخابات النيابية. وإدارة مثل هذه المكائد والانقلابات والشّقاقات الرماية والوبائية، ليست إلا الصُّنعة الأسدية الأمضى في تدمير اللحمات السياسة والاجتماعية، وصولاً إلى الاقتتال والاغتيال والقتل والركام الاجتماعي والسياسي.

وكانت قد كرّت طوال عقد الثمانينات وساطات الحريري المكوكية بين الرياض ودمشق وبيروت. فاختبر الكثير من خفايا السياسات العربية واللبنانية وحروبها الأسدية وسيطاً سعودياً. وفي الأثناء كانت أعماله وعطاءاته وعقاراته ومؤسساته تتكاثر وتتوسع في لبنان. وقد يكون أشهرها صيتاً واتساعاً توزيع إحدى تلك المؤسسات منحاً دراسية معتبرة ومرموقة لنحو 35 ألف طالب وطالبة من لبنان، أخرجتهم تلك المنح من عشرية لبنان السوداء وبؤسها ومَقاتِلها، فأقام معظمهم ودرس دراسات عليا مجدية في أوروبا وأميركا.

وهذا إضافة إلى تقديم الحريري، باسمه واسم العاهل السعودي، مساعدات عينية وغذائية للمحتاجين من “أهله”، في بيروت وصيدا خصوصاً. ناهيك عن إغداقه هبات مالية كبيرة على جامعتي بيروت، الأميركية والعربية، وسواهما من المؤسسات التعليمية والمدارس.

وقد يكون لعب دوراً راجحاً في ذلك إسلامُه وعروبته الفطريين الهادئين، معطوفين على عصاميته وسعة ثروته وانبساط كفه، وعلى طموحه إلى الظهور على هذه الصورة التي قد يكون زكّاها فيه تطبُعُه بشيء من التقاليد السعودية، وقربه من البلاط الملكي وما أداه له من خدمات.

لبنان دجاجة الأسد
وسرعان ما أدى هذا كله برفيق الحريري، الشيخ ورجل الأعمال والعطاءات والوسيط السعودي، إلى صيرورته “وديعة السعودية” لدى حافظ الأسد ونظامه في لبنان “اتفاق الطائف”. قبل ذلك، طوال العشرية السوداء، كانت الدجاجة اللبنانية تبيض للأسد نفوذاً إقليمياً ودولياً في زمن الحروب الملبننة التي ولغ فيها وجعلها مهنته المفضلة في إدراته خراب لبنان للسيطرة عليه، فزرع في أحشائها الوديعة الإيرانية الحربية والسرية. ولمّا سيطر في مطلع التسعينات على حطام الدولة والمجتمع اللبنانيين الممزقين، جاء دور الدجاجة السعوية الحريرية لتبيض له ولنظامه ذهباً في زمن السلم.

المدن

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more