حكمت المحكمة الدولية: سليم عياش قتل الحريري!

دانت غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، المتّهم سليم جميل عياش “بصفته شريكاً في المؤامرة وارتكاب عمل إرهابي باستعمال أدوات متفجرة، وتهمة قتل رفيق الحريري عمداً وقتل 21 شخصاً وتهمة محاولة قتل 226 شخصاً”. وبرأت المحكمة كل من حسن مرعي وحسين عنيسي وأسد صبرا واعتبرتهم “غير مذنبين في جميع التّهم المسندة إليهم، في ظل وجود عدم أدلة كافية وقاطعة لضلوعهم في الجريمة”، وقد اتّهموا أساساً في المشاركة في تزوير الإعلان عن الجريمة وتجنيد أبو عدس. أما المسؤول السابق في حزب الله، مصطفى بدر الدين، الذي قضى في سوريا قبل سنوات، فاعتبرت المحكمة أنه بموته “سقطت التهمة والحكم عنه”. مع العلم أنّ المحكمة أكدت “عدم وجود أدلة قاطعة تشير إلى مسؤولية المتهم بدر الدين في قيادة المجموعة التي نفّذت الاغتيال”.

وقد أطلّ نجل الرئيس الحريري، رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري من لاهاي فور انتهاء إصدار الحكم، مؤكداً على أنّ “الحكم أصبح ملك الشعب اللبناني، وهو حق لكل اللبنانيين مثل حق الدم والحرية والعدالة والحقيقة”، مشدداً على أنّ “اللبنانيين لن يقبلوا بعد اليوم بأن يكون بلدهم مرتعاً للقتلة والهروب من العقاب”.

العقوبات وملفات أخرى
ومن المفترض أن يتم الإعلان في 15 أيلول المقبل عن العقوبة بحق عياش ليتضّح حينها إن كان فريق الدفاع ينوي استئناف الحكم الصادر مطلع أيلول. كما من المفترض أن تستكمل المحكمة بحثها في القضايا الثلاث الأخرى المرتبطة بجريمة اغتيال جورج حاوي ومحاولتي اغتيال النائب مروان حماده والوزير السابق الياس المر. ويأتي قرار المحكمة الخاصة بلبنان منسجماً مع طبيعة عملها في عدم اتّهام منظّمات أو دول وحكومات، بل فقط الأفراد المتربطين بالجريمة. وبذلك تكون أولى صفحات المحكمة وأكبرها قد طويت، على أن تبقى الصفحات الأخرى المتمثلة بالاستئناف والعقوبة والجرائم الثلاث الأخرى.

جميل عياش
ولد جميل جميل عياش في 10 تشرين الثاني 1963، من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت في شارع الجاموس، مبنى طباجة. وبحسب السجلات الواردة في المحكمة الخاصة بلبنان، سكن أيضاً في مجمّع آل عياش في بلدة حاروف قضاء النبطية في جنوب لبنان. وتشير السجلات نفسها إلى أن رقم سجله في لبنان (197/حاروف)، ورقم الضمان الاجتماعي 690790/63. صدرت مذكرة القبض عليه في الأول من شباط 2012، ولا يزال حراً طليقاً من ذلك الوقت، فتقرر محاكمته غيابياً.

مصطفى بدر الدين
وفي ما يخص المسؤول في حزب الله، مصطفى بدر الدين، أشارت المحكمة إلى أنّ الحزب أعلن في أيار 2016 مقتله في سوريا “وأعلن انه قيادي في الحزب، ورغم ذلك بقي اسمه في الادعاء. وفي القرار المذكور، بدر الدين باسمه سامي عيسى، شارك في العملية لاغتيال الحريري ويزعم القرار انه تولى رصد الحريري وقام بتنسيقها مع عياش تمهيداً للاعتداء ويتضح وفق المدعي العام مشاركته في العملية حسب هاتفه الخلوي الذي تواصل عبره مع عياش ومرعي لتبادل المعلومات المتعلقة بجميع نواحي الموضوع. وكانت الشبكة يستخدموها حصراً هؤلاء الثلاثة”.

الحزب والنظام السوري
أعلن قضاة المحكمة الدولية أنّ “المتهّمين بتنفيذ الاغتيال ينتمون إلى حزب الله”، وأضافوا أنه “لا دليل على أنّ قيادة حزب الله لها أي دور في اغتيال الحريري ولا دليل على تورّط مباشر للنظام السوري في قتل الحريري”. إلا أنّ رئيس غرفة الدرجة الأولى في المحكمة، القاضي دايفيد راي، وضع السياق السياسي لجريمة الاغتيال مشيراً إلى أنّ عملية القتل لم تحصل بمعزل عن السياسة. وأوضح أنه “لا يمكن استخلاص أن الغرض الوحيد من عمليات المراقبة التي قام بها المتهمون هو التخطيط لاغتيال الحريري”، مشيراً إلى أنه “لا يمكن لغرفة الدرجة الأولى في المحكمة أن تقتنع أن بدر الدين كان العقل المدبر للاعتداء كما يُزعم”.

السياق السياسي
وقالت غرفة الدرجة الأولى في المحكمة إن “اغتيال الحريري تمّ بعد استقالته من رئاسة مجلس الوزراء وقبل خوض الانتخابات النيابية. وفي فهم الخلفية السياسية يمكن فهم سبب الاغتيال، وأظهرت الأدلة أن سوريا كانت تهيمن على الحياة في لبنان بعد نهاية الحرب اللبنانية”. وأضافت أنّ النظام السوري فرض مرشحين على الحريري وأراد تمديد ولاية رئيس البلاد إميل لحود، “وفي آب 2004 كان الرئيس السوري قد أمر الحريري بالتمديد للحود وقال إن سوريا وحدها من يختار الرئيس في لبنان. وقبل الاغتيال كان حلفاء الحريري يدعون لإنهاء الهيمنة السورية على لبنان وحصلت في أيلول 2004، وعقد الاجتماع الأخير قبل الاغتيال بـ12 يوماً”. وأضافت أنّ محاولة اغتيال مروان حمادة، “يمكن تفسيره كتحذير للحريري والنائب وليد جنبلاط لعدم تجاوز حدودهم مع سوريا”.

العلاقة بنصر الله 
وأضافت المحكمة في إطار توضيح السياق السياسي للجريمة أنّ “الحريري كان يلتقي بانتظام مسؤولين سوريين كرستم غزالة. وكان الحريري قبل اغتياله بـ11 عاماً يدفع الملايين في دفعات شهرية لغازي كنعان، وآخرها قبل اغتياله بيوم واحد. ونظر إلى الدفعات على أنها ابتزاز. وغرفة الدرجة الأولى مقتنعة أنه كان لغزالة سبب في الدفعة الأخيرة”. كما اعتبرت المحكمة أنّ “حزب الله وسوريا استفادا من اغتيال الحريري، لكن لا يوجد دليل على مسؤولية قيادة الحزب في الاغتيال مع العلم أنه في الأشهر الأخيرة كان الحريري والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على علاقة طيبة”. وحسب ما جاء في عرض الظروف السياسية، “استنتجت المحكمة أنّ قرار الاغتيال تزامن مع زيارة وليد المعلم إلى منزل الحريري إضافة إلى اجتماع في فندق البرستول لمعارضي الوجود السوري”.

أبو عدس
وأكدت المحكمة أنّ لا دور في الاغتيال لمحمد أبو عدس الذي ظهر في الشريط المتلفز يتبنى فيه عملية الاغتيال باسم جماعة النصرة والجهاد – بلاد الشام، مشيرةً إلى أنّ أياً من الفحوص التي تم إجراؤها لا تشير إلى وجود أبو عدس في مكان الجريمة لحظة التفجير. وأضافت المحكمة أنّ “غرفة الدرجة الأولى استنتجت أن انتحارياً نفذ الاعتداء وهو ليس أبو عدس”. ولفتت في السياق نفسه إلى أنّ “أبو عدس قابل شخصاً يدعى محمد أوائل عام 2005، في مسجد الجامعة العربية، والأدلة المعتمدة من قبل الادعاء لتحديد أن هوية الشخص هو عنيسي مشوبة بالعيوب ولا يمكن الاعتماد عليها”. وأضافت أنّه “ما من دليل موثوق يربط أيا من المتهمين بدر الدين وعنيسي وصبرا باختفاء أبو عدس”.

المدن

اترك رد