“الشهيدة الأولى”… قصة مسيحية قتلها نظام الأسد وزيف شهادة وفاتها قبل الثورة

“ترتبط المصائر بالأمكنة، بالمُدن، بالأحياء، بمن يقطنها وبمن يُديرها وبما يصنعه هذا المزيج بين المكان والإنسان والفعل من أحداث مصيرية تجلّت جميعها في حياة عائلة” بهذه الكلمات المعبرة تبدأ الباحثة السياسية السورية د. سميرة المبيض كتابها “الشهيدة السورية الأولى” الذي تكشف فيه زيف ادعاءات نظام الأسد في حماية الأقليات وأنه نظام مستبد وإرهابي بحق كل من يعارضه، ويتناول الكتاب عبر 128 صفحة من القطع المتوسط تاريخ عائلة المبيض المسيحية في دمشق واضطهاد الأسد لها والضيم الذي لحق بها ما بين تصفية واعتقال وتضييق، مسلطاً الضوء على سيرة أحد أبنائها الشابة الشهيدة “سميرة جوزيف المبيض” ساردة جوانب من حياتها ونشاطاتها السلمية وظروف اعتقالها ومساومات النظام بشأنها وصولاً إلى تصفيتها بدم بارد ومحاولات النظام التغطية على الجريمة بأساليبه المعروفة.
وروت د. مبيض لـ”زمان الوصل” أن فكرة توثيق تاريخ عائلتها كانت قائمة بشكل مستمر وكانت تدون الموروث الشفهي المتداول بالعائلة والمحيط الاجتماعي المعني بسيرورة الأحداث التي جرت ضمنها سعياً لتجميع هذه الجزئيات في سياق كتاب متكامل عندما يكون الوقت مؤاتياً لذلك، وأردفت د. مبيض أنها بدأت بالكتاب فعلياً في عام 2018 حيث وجدت من الضرورة أن تنضم هذه التوثيقات إلى حالة التوثيق الجمعي لمسار ومعاناة الشعب السوري تحت وطأة الحكم الاستبدادي، لينشر الكتاب أخيراً في عام 2019 / 2020.

ونوّهت محدثتنا إلى أن سميّتها “سميرة جوزيف مبيض” الذي يتناول جزء من الكتاب سيرتها هي شابة سورية من عائلة عانت من التهجير القسري في الثلاثينات من القرن الماضي عملت في الشأن السياسي لمناهضة هيمنة حزب شمولي على المجتمع السوري. وامتازت بالشجاعة حين عملت على البحث عن الحقيقة في إطار عملها عندما اشتبهت بوجود جرائم يقوم بها النظام لتصفية معارضيه وكلفها ذلك حياتها ثمناً لدفاعها عن بلدها وأهلها فقتلت وانضمت لقافلة من آلاف الشهداء، أبناء سوريا. ولجأ النظام من خلال الطبيب الشرعي إلى تزوير شهادة وفاتها ليتملص من المسؤولية وهو أمر شائع في ظل النظم القمعية والشمولية ومنها نظام الأسد والضغط لإخفاء الجرائم عبر الأطباء الشرعيين أو غيرهم ويتم ذلك بوسائل عديدة إما الترهيب او الإفساد وكلا الأمرين ساهما بتدمير المنظومة الإنسانية والقيمية للشعب السوري، وتحويل شريحة واسعة لشريحة متواطئة مع جرائم النظام، إما بالصمت خوفاً أو بالتواطؤ الفاعل طمعاً بالصعود في سلم السلطة والذي يتطلب التماهي معها بالإجرام وبالقمع.

وحول ظروف إنجاز الكتاب والصعوبات التي واجهتها في تأمين المصادر والوثائق الشفهية والمكتوبة أوضحت د. سميرة أن العمل على الكتاب كان تراكمياً كفكرة بداية وكمنجز أخيراً وذلك بين التجميع الورقي لما تم تدوينه بتتالي زمني متفرق وتفريغه، وبين تفريغ المعلومات الشفهية من المصادر المقربة من عائلة وصديقات الراحلة، واستندت كذلك على أصدقاء العائلة وأفراد منها وعلى تراكم معلومات شخصية تعرفها وعاشتها بشكل شخصي، وكشفت محدثتنا أن أولى الصعوبات التي واجهتها كانت تتعلق باتخاذها لقرار النشر، حيث أن ارتباطها بالكتاب كجزء منها وفي الوقت ذاته جزء من تاريخ الشعب السوري وكشهادة حية لتكذيب ادعاءات النظام بحماية الأقليات بل وبإظهار منهجية اتبعها لتخويف المسيحيين وتهجيرهم وهذا– تطلب منها تفكيراً معمقاً قبل اتخاذ هذه الخطوة التي تجمع السياق الشخصي بالشأن العام وبالشأن السياسي ومن هنا منطلق أهميته ولكن من هذا المنطلق أيضاً خصوصيته الكبيرة.
وحول أكذوبة حماية الأقليات التي لطالما تنطع النظام بها ليل نهار أشارت محدثتنا إلى أن هذا الإدعاء لطالما كان من أهم أدواته ليبقى في السلطة وهو ليس ادعاء كاذباً وحسب بل إن النظام من هذا المنطلق ينشأ ويدعم الإرهاب ليضع المكونات السورية في خطر ويبرر أكذوبة الدفاع عنها، واستدركت أن “هذه الأداة أصبحت مصدر خطورة للعالم أجمع لأن النظام أصبح منتجاً للإرهاب ومصدراً له كوسيلة لبقائه وأصبح عائقاً للوصول إلى سلام محلي وإقليمي وعالمي بناء على هذا النهج الذي تأسس عليه ويعمل به”.
وأعربت مبيض عن أمنيتها بأن يطلع العالم بلغاته المختلفة على حقيقة النظام وأن جرائمه طالت جميع أطياف الشعب السوري والكف عن الانسياق وراء ادعاءاته الكاذبة وعن تحميله لوزر هذه الجرائم على مكونات سورية، بل هو نظام تسخير سياسي لا يتوانى عن استخدام الفتنة الطائفية والتفرقة ليهيمن على المجتمع ونظام بينما يرتكب الجرائم بحق الجميع دون أي استثناء.
وحول نيتها متابعة الاهتمام بتوثيق جرائم الأسدين في مؤلفات قادمة وبخاصة ما يتعلق منها بأكذوبة حماية الأقليات أشارت الباحثة الأكاديمية إلى أن هذا التوجه هو من أهم ما عملت عليه خلال السنوات السابقة وسيأخذ هذا الاتجاه –كما تقول- عمقاً أهم وهو التعمق بالأثر السلبي الذي خلقه نهج النظام على العلاقات الإنسانية بين مكونات الشعب السوري وعلى إعادة إنتاج هذا النهج من قبل أطراف معارضة للأسف وكيفية تجاوز ذلك والانتقال لعلاقات مجتمعية سليمة وواضحة تسمح ببناء سوريا المستقبل بشكل سليم يعيد بناء الإنسان السوري والهوية الجامعة والمنظومة القيمية بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات التي جرت في الماضي بحق أي سوري.

لمعاينة الكتاب (اضغط هنا)

خالد الأحمد – زمان الوصل

اترك رد