اليوم الأول من “العصيان السياحي”: نريد دولة جديدة

اعتاد القطاع السياحي حمل مظلوميّته ومطالبة الدولة بحمايته ودعمه. غير أن تأخّر المنظومة السياسية عن التدخّل، تحوَّلَ إلى استحالة مع تتالي الضربات السياسية والاقتصادية والنقدية. أمّا تفجير مرفأ بيروت، فكان الضربة القاضية التي تلقّاها القطاع السياحي. فتداعيات التفجير لم تنعكس على حركة القطاع، بل طالت المباني والأشخاص. أي بلغة الاقتصاد، الرأسمال الثابت والأساسي لإطلاق أي عمل سياحي.

عصيان ضد الدولةالتحوّل الذي فرضه التفجير، التُمِسَ أيضاً في خطاب أهل القطاع تجاه المنظومة السياسية، فأصرَّ أهل القطاع على مواصلة العمل رغم كل المعوقات، وأعلنوا “العصيان السياحي” في وجه السلطة. فقد قال نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري، طوني الرامي: “لن نقفل أبوابنا بعد اليوم، ولن ندفع فلساً واحداً (للدولة) قبل وجود دولة جديدة تعرف كيف تستثمر أموالنا”. وأطلقَ الرامي خلال مؤتمر صحافي عقد يوم الثلاثاء 25 آب، عصياناً سياحياً بعد أن وصلت خسائر القطاع إلى نحو “مليار دولار”.

العصيان اتّخذ وجهاً قضائياً، إذ انضمّ القطاع السياحي إلى الدعوى القضائية المقامة من نقابة المحامين، وبالتالي، تحميل الدولة مسؤولية الأضرار التي لحقت بالمؤسسات السياحية نتيجة تفجير المرفأ. وعليه، ستقوم كل مؤسسة سياحية بمسح أضرارها ورصد التخمينات بالدولار الاميركي، ومن ثم يتقدم ملف مسح الأضرار إلى النقابات المعنية، لضمه إلى الدعاوى التي ستقام.

تدويل الأزمة
التصعيد ضد الدولة يعني في المقابل عدم انتظار التعويضات منها، وهي في الأصل غير قادرة على الدفع. خصوصاً وأن المطلوب هو التعويض “بالدولار”. وفي ضوء ذلك، ارتأى القطاع السياحي “إقفال حساباتنا مع السلطة”، والتوجّه نحو المجتمع الدولي. فالدولة بنظر نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر “هي التي استقالت منّا ودول العالم نظرت إلينا أكثر من دولتنا”.

فالحلّ إذاً، لم يعد محليّاً “ولن ينفع إلا عقد مؤتمر دولي شبيه بمؤتمر سيدر، متخصص لدعم قطاعنا. وأي تمويل على الصعيد المحلي لن يكفي لتغطية الاضرار”، بنظر الرامي.
وبطبيعة الحال، لن تستطيع الدولة تحمّل عبء “أكثر من 10 آلاف مؤسسة سياحية متضررة، وأكثر من 100 ألف عامل في القطاع السياحي، من أصل 150 ألفاً، أصبحوا بلا عمل”.

على الضفّة الأخرى، المجتمع الدولي لم يعد يعمل “على القطعة” مع لبنان. فبعد فصله السياسة عن الاقتصاد حين تقديمه المساعدات، أيقن أن الفصل كان من جانب واحد، فالسلطة السياسية اللبنانية لم تُثمِّن الفصل الدولي وتستغلّه إيجابياً، بل استثمرته لصالحها على حساب الاقتصاد.

لذلك، دعوة المجتمع الدولي لبنان إلى الإصلاح قبل تلقّي أي مساعدة، هي دعوة عامّة تشمل كل القطاعات، ومنها السياحة التي استغلّتها الطبقة السياسية لإيهام المجتمع الدولي، بأنها قاطرة الاقتصاد وأنها واجهة لبنان وعنوانه، فيما لم تكن سوى طُعمٍ فَقَدَ بريقه وما عاد صالحاً للاصطياد. وتراجع الحركة السياحية بشكل متسارع منذ نحو 10 سنوات على الأقل، يدلّ على أن أزمة هذا القطاع بنيوية وتتعلّق بجوهر تركيبة الاقتصاد اللبناني الهشّ، ولا يمكن تقويمها ببعض المساعدات الدولية.

مسؤولية ذاتية
يحمل أهل القطاع السياحي جزءاً من المسؤولية حيال ما وصل إليه القطاع. إذ أغراهم الكسب الوفير في زمن الخصب، فتغاضوا عن زمن القحط الآتي. فمستوى الأسعار التي كانت تُفاجىء السيّاح، لم تتناسب مع مستوى الخدمات المقدَّمة. فالأسعار التي يدفعها الخليجيون والأوروبيون في لبنان، وجدت من ينافسها في الخليج وأوروبا، وهذا ما غفل عنه القطاع السياحي اللبناني. فالدول الخليجية والأوروبية طوَّرَت أماكنها السياحية فيما عاش لبنان نشوة المجد القديم، من دون أي تطوير، ففقد عامل الجذب.

وأتت الأزمة الاقتصادية والنقدية لتطلق رصاصة الرحمة على القطاع السياحي، خصوصاً مع وجود الأولويات في حال السعي للانقاذ والمساعدة. فمن سيساعد لبنان، سينطلق من الخبز اليومي للمواطنين، ومن المسكن والتعليم والطبابة، لتبقى السياحة في آخر سلّم المساعدات.

مطالب القطاع السياحي محقّة، لكنّ تحقيقها مرهون بموقف أهل القطاع من السلطة التي هادَنَها لعقود، مصفّقاً لاختيارها السياحة والخدمات على حساب القطاعات الانتاجية.

أمّا المطالبة بمؤتمر دولي لدعم القطاع السياحي، وتقديم التعويضات له بالدولار، فهي دعوة لتأهيل الحديقة، فيما المنزل ركامٌ وأهله في المستشفى. والمجتمع الدولي حين قرّر مساعدة لبنان، أكّدَ على مساعدته للسكّان المتضررين وليس المنظومة الحاكمة، لا سياسياً ولا اقتصادياً. ولهذا، كانت المساعدات إغاثية بحتة، مترافقة مع التأكيد على ضرورة إجراء إصلاحات، فيما لو أراد لبنان مساعدات اقتصادية.

في السياق، تؤكّد الأرقام أن المجتمع الدولي لن يسارع لتقديم مساعدة سياحية للبنان، لأن دول العالم كلها مأزومة سياحياً، وكل دولة أولى بالمال لنفسها. فقد أكّد الأمين العام للأمم المتحدة ​أنطونيو غوتيريس أن “حوالى 120 مليون وظيفة في مجال ​​السياحة​،​ مهددة بالخطر عالمياً، بسبب جائحة ​كوفيد 19​ (فيروس كورونا). ففي الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، انخفض عدد السياح الدوليين الوافدين بأكثر من النصف، كما تم فقدان نحو 320 مليار ​دولار​ من ​الصادرات​ من السياحة”.

المدن

اترك رد