السنة النبوية والطائفية السياسية

أحمد الرمح |

إن كثيرًا من النصوص المزورة باسم الدين كانت وما تزال السبب في تفرقة المجتمع واحترابه، فكريًا وعسكريًا وطائفيًا، وليس أمامنا إلا أن نحرّك عقولنا فيها لنتفرغ لإنسانيتنا، لعلّنا نلج الحضارة فنحقق التنمية والازدهار لمجتمع عانى كثيرًا، وما يزال، الاستبداد وأبواقه، بذريعة تلك النصوص.

وفي هذا الصدد، نقول: لم تعرف البشرية قط رسولًا وزعيمًا سياسيًا تم الاعتناء بأقواله وأفعاله وتدوينها كرسول الله ﷺ، وهذا ما شهد به حتى خصوم الأديان؛ ولكن في الوقت نفسه، لم تعرف البشرية أيضًا رجلًا بتلك الصفات كُذِب عليه، ويكفينا في ذلك دليٌل أن (البخاري)، عندما دوّن صحيحه ذا السبعة آلاف حديث المكرّر نصفها، انتقاها من بين 600 ألف حديث. واستُغِلّ علم الحديث وبعض رجاله لترويض المجتمع للسلطة السياسية، وللتربّع عليها باسم الدين، واستُخدم لذلك مبدأ (ميكافيللي) في التدليس.

الخطير في الأمر أن الأحاديث المزورة أسست لافتراق أمة الإسلام، وكانت ذريعةَ للاحتراب في ما بينها، فالصراع على الإسلام، في أواخر الحكم الراشدي، تحوّل من الصراع السياسي إلى الصراع الأيديولوجي، لتتأسّس أيديولوجيا تقوم دعائمها على نصوص نبوية موضوعة خادمة للسلطة السياسية، ومشرّعة لوجودها في الحُكم، ومانعة للمجتمع من الانتفاضة ضدها لإسقاطها.

ودُسّت أحاديث موضوعة أو مؤولة، زرعها بعض أهل الحديث في كتبهم، وردّدها الوعّاظ ودعاة السلاطين على مسامع الناس، حتى أمست مُسلّمات دينية مبررة الاستبداد، ولا يجوز الخروج عنها، ومَنْ يتجاوزها يُفسّق ويُكفّر، ويحق للسلطة المستبدة استباحة دمه من دون اعتراض من أحد. تتعارض تلك الأحاديث المُختَلقة مع جوهر رسالة الإسلام القائم على العدل، فكل ما يخالف العدل يخالف الإسلام، مهما استند إلى مسوغات مؤولة أو فتاوى باطلة.

بدأت عملية وضع تلك الأحاديث المشرّعة للاستيلاء على السلطة باكرًا، ثم انتقل التزوير السياسي باسم السُنة النبوية إلى التشريع للأسرة الحاكمة، ومجَّد أشخاصًا بعينهم، كما هي الحال بخصوص الأُسر التاريخية المتناوبة على السلطة في الإسلام. وبدأت بعد ذلك عملية تخدير المجتمع وترويضه، حتى يستكين إلى المستبد، من خلال (مخدرات) نصوص دينية مُختَلقة، وقد زرعت تلك النصوص فكرة ظهور “مخلّص” ترسله السماء ليقهر الظلم ويحقق العدل، فوُضِعت أحاديث عودة المسيح عليه السلام، وخروج المهدي (سنيًا وشيعيًا)، كي يبقى المجتمع المقهور سياسيًا، والفاقد للعدالة الاجتماعية، والباحث عن الحرية، متواكلًا بانتظار هؤلاء المخلصين.

حديث الثقلين في الطائفية السياسية مثالًا

لم يعرف تاريخ الأمة خلافًا حول حديث وصل إلى حدِّ الصراع، وأُلفت فيه المجلدات، كحديث الثقلين، وهو حديث قسّم الأمة عموديًا إلى يوم القيامة. وكلا الطرفين يدّعي صحة روايته، وبحسب رأينا، الحديث فيه زيادة موضوعة، لأسباب سياسية وطائفية سنبينها لاحقًا.

أما رواية الشيعة، فتقول في أشهر رواياتها المتعددة: “تَركتُ فِيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلّوا: كتابَ اللهِ، وعِترتي أهلَ بيتي”. وأما رواية أهل السُنة فتقول: “تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا: كتابَ الله وسنتي”. وهذه أشهر الروايات المتعددة.

أما الشيعة فيستدلون بأن الحديث يخصهم، وبأنه يشمل رواية أهل السنة، لأن المتمسك بالعترة متمسك بالسُنة النبوية بالضرورة، ويستدلون على ذلك بأن الإمام مسلم في صحيحه روى وصية النبي بأهل بيته في خطبة حجة الوداع، ولكن فاتهم في دراساتهم لرواية مسلم أن الرسول، بعد أن أوصى بالتمسك بكتاب الله، قال كلامًا لم يذكره الراوي، فجاء إبهامٌ لكلام النبي، أردفه بقوله: ثم أوصى بعترته، وكلمة (ثم) في اللغة تفيد التراخي، فأين ما قيل قبلها؟

وحديث العترة رُوِي في كتبٍ تُعدّ في علم الحديث من الدرجة العاشرة، وتمتلئ بالموضوعات والضّعاف، ولم ترد في كتب الحديث المعتبرة، ونقول ذلك لسببين: الأول أن الشيعة لا يقيمون وزنًا للسند في مروياتهم، ومعظم أحاديثهم بلا سند؛ والسبب الثاني أن كتب السُنة التي ذكرت حديث العترة، ليست من الكتب المراجع في علم الحديث، ككتاب طبقات الحنابلة لأبي يعلى، وكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، ومسند ابن الجعد، والشريعة للآجري، والمعجم الكبير للطبراني، والحُلّية لأبي نُعيم، ومصنف ابن أبي شيبة. باستثناء رواية زيد بن ثابت التي جاءت في سنن النسائي. حتى الرواية في صحيح مسلم يُطلق عليها عند الشيعة أنفسهم اسم (الوصية).

هذا يعني أن هذا الحديث من حيث السند لا يستحق أن يكون بوصلة الانتماء إلى هذا الطرف أو ذاك، ولا دليلًا على صحة الفريق المتمسك به.

أما حديث أهل السنّة فله (12) رواية متقاربة اللفظ، سند جميعها، بلا استثناء، غير صحيح، وفيه رجال منهم مَن اتُهم بالكذب، وآخر بالوضع، وثالث بالنسيان، ورابع بالانحياز…. إلخ. وبحسب رأيي، فإن تصحيح الشيخ الألباني في سلسلته لإحدى الروايات لن ينقذها من النقد والشك، وليس لديّ شك أن رائحة السياسة وادعاء الحق الإلهي بالسلطة الدينية والسياسية واضحةٌ، في رواية الطرفين، لتجعل هذا الطرف أو ذاك الفرقةَ الناجية والقائدَ للدين والمجتمع.

حتى إن الإمام الحاكم، حينما روى الحديث في (المستدرك)، أعقب روايته بقوله: “وَذِكْرُ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ غَرِيبٌ”، فحديث خطبة عرفة فيه الوصية بكتاب الله فقط، وليس فيه زيادة السنة ولا أهل البيت، وهذا هو المحفوظ. فلماذا غُيب عن الفريقين هذا المحفوظ؟

خلاصة الرأي، في روايتي الشيعة والسنة، أن الثقل الثاني في حديث الثقلين موضوع أي مُزّور! والأصح هو الثقل الأول الذي لا يختلف عليه الطرفان، أي أن النبي أوصى بالتمسك بكتاب الله فقط، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والثقل الثاني، عند الطرفين (سُنة وشيعة)، تغلغل الباطل في مروياته حتى حرفها عن مقصده السماوي، بدليل أن هناك رواية مهملة تؤكد ما ذهبنا إليه هي أصح سندًا من حديثي السُنة والشيعة بامتياز، ولم تتطرق إلى سنته أو إلى عترته، تقول الرواية:

عن جابر بن عبد الله أنّ النبي قال في حجة الوداع: قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

فمن المسؤول عن تغييب مثل هذه الرواية التي تحسم الخلاف؟ ولِمَ؟

ختامًا: إن مخالفة نص مختلف في صحته لتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية أرقى دينيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا من إيقاع الظلم بذريعة الالتزام بنص غير محسوم، وهذه قيمة سماوية الأخلاق، تخالف رؤية مَنْ يرى أنّ نصًا ما على علته يجب التمسك به والعمل فيه، حتى لو خالف قيم العدل الإنسانية وهدي السماء. وبحسب رأيي، كلُّ ما يحدث بين المسلمين اليوم أسبابه سياسية سلطوية، ظاهرُها الدين وباطنُها السياسة، وذلك لإيجاد ذريعة الإلغاء والتكفير وسفك الدماء للطرف الآخر، وما يقع من مآس وخلافات واقتتال بين المسلمين، على اختلاف مِللهم ونِحلهم، يستند إلى تلك النصوص.

إن مثل هذه النصوص تجعل طائفةً ما أو فرقة ما أو جماعة ما شعبَ الله المختار، لكنها في الوقت نفسه تجعل الأمة شعب الله المحتار لا المختار.

إن دراسة التراث وغربلته وظيفة الإنسان العاقل، وإنّني على قناعة بأن مشكلتنا ليست في هذا التراث الضخم، إنما في ثقافتنا المقدسة له، وفي محاولة جعله صالحًا لكل زمان ومكان حتى لو تبدلت الظروف والوقائع.

حرمون للدراسات المعاصرة

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more