بعد كورونا والمظاهرات ضد العنصرية؛ العالم إلى أين؟

كشفت التداعيات التي أطلقها مقتل الأمريكي “جورج فلويد” في أمريكا والعالم الكثير مما سيحدث للولايات المتحدة الأمريكية من تحولات عميقة، تحولات لن ترخي بأثرها العميق على المستقبل الداخلي للولايات الأميركية فقط، بل ستنعكس على موقع القوة الأولى في العالم، وهو ما بات واضحاً حين قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بوضوح: إن على ألمانيا وأوروبا أن تتعايشا مع عالم جديد بدون أن تكون فيه الولايات المتحدة الأميركية قوة عظمى.

ما يعني أن أثر ما يحدث في بلاد العم سام، لن تنتهي حدوده ومفاعيله داخل ولاياتها فقط، بل سيتمدد إلى العالم كله، وهذا ينبأ أننا أمام حدث ذي أثر عالمي، وهو ما عكسته عموماً المظاهرات التي اندلعت في كل أنحاء العالم، متعاطفة مع الأميركيين السود، وكاشفة عن تصرفات عنصرية هنا وهناك، التي ستمتد لتشمل الاقتصاد العالمي من الآن فصاعداً، حيث جاء في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر في يونيو/حزيران الماضي، عن البنك الدولي: إن ثمة أزمة اقتصادية قادمة ستغرق الاقتصاد العالمي في أسوأ تدهور له منذ 150 عاما، ما يؤدي بدوره إلى انكماش وكساد الاقتصاد العالمي وتراجع نصيب الفرد من الناتج وزيادة مستويات البطالة، ما يعني أن الأمور مرشحة للتدهور عالمياً.

 ما بعد كورنا والعنصرية؟

نحن أمام حدث شكل مرآة لعالمنا اليوم، مرآة بتنا نرى من خلالها كل عيوب ومساوئ هذا المركب العالمي الذي نحيا على متنه، خاصة أن الاحتجاجات على العنصرية، جاءت متزامنة مع جائحة كورونا، التي أرخت بظلها على العالم كله، كاشفة الكثير من أحواله المتعثرة، التي كانت البلاد الأميركية نفسها، ومرة أخرى، أحد أهم ساحاتها الكاشفة، وذلك من خلال التخبط الأميركي في معالجة الجائحة، والذي كشف عن وجود قيادة أميركية مستعدة لتسخير كل شيء، لأجل مصالحها الشخصية من جهة، وعاكسة بنفس الوقت مستوى العطب الذي وصلته السياسة الأميركية، فترامب في نهاية المطاف منتج أمريكي، وليس سبباً.

تزامن الحدثين (جائحة كورونا ومواجهة العنصرية) وتحول الولايات الأميركية مسرحاً كاشفاً لهما، من خلال اعتبار أن الأولى (كورونا) كشفت مستوى هشاشة النظام الصحي الأميركي ومستوى غياب الضمان ومستوى تغول النيوليبرالية، ليس في جسد المجتمع الأمريكي، وعلى حسابه فقط، بل أيضا على مستوى العالم، حيث رأينا البلطجة الأميركية التي وصلت حد سرقة معدات طبية أو محاولة الاستيلاء عليها دون وجه حق، ناهيك عن إصدار قرارات كثيرة تفكر بمتطلبات الداخل دون متطلبات الخارج، ما يعني تخلي واشنطن عن قيادة العالم، أو إظهارها نفسها أنها بموقع القائد غير الكفء.

ومن حيث إن الثانية (العنصرية) هي ظاهرة بدأت في أمريكا، دون أن تكون ظاهرة أميركية كما يقال هنا وهناك، فالعنصرية ظاهرة عالمية قلّما يخلو منها بلد، وإن كانت تتخذ في الولايات المتحدة الأميركية صيغة مكثفة كامنة في الثقافة العميقة للبلاد الأميركية، وتتراكب مع الاقتصاد والعامل الطبقي والعرقي، الذي أدت المظاهرات على تسليط الضوء عليه وكشفت مدى عمقه في بلاد كانت تعتبر حتى الأمس القريب “الديمقراطية الأولى في العالم”.

تحت ستار الليبرالية المتوحشة

تزامن هذان الحدثان كشفا لنا مدى هشاشة العالم، بما يتيح لنا التأمل في أحواله على ضوئهما، دون أن يعني ذلك أنهما السبب بل هما مجرد عوامل أو أسباب ساعدت في الكشف عمّا كان مخبأ تحت ستار الديمقراطية والحرية والليبرالية التي طالما تم تقديمها باعتبارها “أفضل ما توصلت إليه البشرية” حتى اليوم في تحقيقها رفاه الإنسان وسعادته، هذا الرفاه الذي تكشف عن سراب عميق، بحيث أنه يعجز عن تأمين نهاية سعيدة للإنسان أثناء الجائحة، بما في ذلك في البلدان الأكثر رفاها، هذا الإنسان الذي ظل يدفع تأمينه الصحي طوال حياته، ليتفاجأ في النهاية أنه ليس هناك سرير يأويه حين مرضه، في حين أن هناك ملايين الأميركيين دون تأمين صحي أو غطاء اجتماعي لعجزهم عن دفع تكاليفه، ما يؤكد أن كورونا والمظاهرات ضد العنصرية، هما في العمق حدثان كاشفان، رغم أنهما في الظاهر، وربما سيسجلهما التاريخ، حدثان مؤسسان وهم كذلك أيضاً، من حيث أنهما سيؤسسان لما بعدهما.

فبالتأكيد سيقول التاريخ لاحقاً، عبارات من نوع ما قبل كورونا وما بعد كورونا، ما قبل المظاهرات ضد العنصرية وما بعدها، إلا أن الديناميات المولدة لهما ترسخت في أعماق المجتمعات والثقافات والسياسات التي كونت هذا العالم ولا تزال.

ونحن حين نقول في ورقتنا هذه حدثين كاشفين، لا نعني أبداً التقليل من أهميتهما، بقدر ما نعني توصيفهما بدقة علمية، ودون أن ينفي ذلك، أنها حدثان تاريخيان من الأحداث الكبرى التي تمر على البشرية، مثلهما في ذلك مثل الثورات التي يسجلها التاريخ كحدث “تاريخي” ما قبله غير ما بعده وفق تعبير طالما يردده الباحث السوري هاشم صالح، إلا أن الثورات تأتي في نهاية المطاف كعامل كاشف في التاريخ، ليدل على حجم احتقان الأسباب الكامنة وراءها، التي لم يتمكن العقل البشري أو الحاكم أو الديناميات الحاكمة من كشفها والتنبؤ بها، لأن مصالح الطغم الحاكمة كانت تعيق ذلك، فكانت الثورة حدثاً تاريخياً، ما قبله ليس كما بعده، لأنه كان النتيجة التي كان لا بد منها بعد احتقان الأسباب المؤسسة في العمق.

فكما أن حرق محمد البوعزيزي لنفسه في تونس كان الحدث المُطْلِق للثورة التونسية وثورات الربيع العربي، دون أن يكون هو سببها، بل شرارتها، كذلك الأمر فيما يتعلق بمقتل “جورج فلويد”. وإذا كان مقتل البوعزيزي أطلق الشرارة عربياً، فهل يكون “جورج فلويد” نوع من “محمد بوعزيز” عالمياً، من حيث أن مقتله أطلق سلسلة مظاهرات على مستوى العالم، كانت في عمقها احتجاجاً، ليس فقط على العنصرية، بل على ما يخفيه مركبنا العالمي (كما يحلو لأمين معلوف أن يقول دوما) وإن تم احتوائها حتى الآن.

اليوم في طياتها من تمييز اقتصادي عالمي وتراجع مستوى الديمقراطية وتمدد الحروب وصعود الشعبوية ومعاداة اللاجئين؟ وفي الداخل الأميركي، هل يكون مقتل “فلويد”، بعد الانكشاف الكبير لإدارة دونالد ترامب في مواجهة التظاهرات بعد فشل كبير أخر في إدارة جائحة كورونا، هل يكون هذا نهاية ترامب، ومن خلفه موجة اليمين الشعبوي التي تقدمت مسرح العالم مؤخراً، التي استمدت من ترامب وشعبويته زخمها الأهم؟ وهي يكفي هذا لحل مسائل العالم العالقة؟

في هذا المبحث، سنحاول قراءة بعض ما كشفه الحدثان (كورونا والمظاهرات ضد العنصرية)، في تراكبهما وتمظرهما، بحيث ننفذ إلى جوهر الأشياء، لنحاول قراءتها في عمقها المؤسس، ولنفهم سر هذه المظاهرات وحجم ما تشير إليه.

أولا: البعد الطبقي الاقتصادي للعنصرية والعولمة

يقول الباحث الاقتصادي المصري، عصام شعبان: “لا يمكن النظر إلى الاحتجاجات الحالية الناشطة في الولايات المتحدة، واتسعت رقعتها، برؤية تحليلية ثقافية، أو بوصفها انطلقت ضد عنف عنصري الطابع وحسب… ثمّة عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية ونفسية متداخلة، يمثل الاقتصاد فيها عاملاً أساسياً”، بما يعني أن فقدان فرص العمل والبطالة وتراجع النمو الاقتصادي، هي عوامل تحدث في كل المجتمعات والطبقات، إلا أنها ترخي بثقلها دائما على الطبقات الأضعف، فمن هي هذه الطبقات الأضعف؟

 في المجتمع الأمريكي، تكون هذه الطبقات الأضعف، هي النساء والسود والأقليات الدينية، وأيضا الفقراء والعمال. وكون قضية العنصرية ضد السود هي قضية تاريخية وثقافية في الولايات المتحدة الأميركية، فإن النسبة الأكبر من الفقراء هي من بين السود، وهم الأقل حصولاً على فرص العمل، وهم يعانون تمييزاً واضحاً في الدخل ونوعية العمل الممارس أو الذي يحصلون عليه، بما يجعلنا نرى هنا التراكب بين الطبقي والعنصري، أي كيف أن العنصرية تؤدي إلى زيادة نسبة الفقر داخل عرق ما أو طائفة أو أقلية، لأن الاستبعاد الثقافي والسياسي والعنصري الممارس ضد فئة ما بسبب لونها أو عرقها أو دينها، يؤدي إلى تمييز اقتصادي، يتحول مع الزمن إلى قضية مظلومية تغذي نفسها، وتتغذى من ثقافة يعممها المنتصر دوما ليبرر سياسته، حيث نسمع دائما كلاماً من نوع أن “نسبة ارتكاب الجرائم بين السود هي الأعلى” أو نسبة ارتكاب الجرائم بين اللاجئين هي الأعلى” (مع ضرورة التأكيد على أن كون هناك نسبة كبيرة من المجرمين هم سود البشرة، فإن هذا لا يعني أن كل السود مجرمين، هذه حقيقة ينبغي أن تكون واضحة دوما، وهي ما يطمسها النقاش السياسي المهيمن بفعل قوة الجهاز الحاكم)، فيُراد لهذه المقولات أن تغطي على الحقيقة القائلة، بأن هؤلاء هم كذلك بسبب التمييز الممارس ضدهم، وبسبب قلة حصولهم على التعليم الجيد وفرص العمل الجيدة، إضافة إلى الممارسة التميزية ضدهم، حين التعامل مع البنوك والمؤسسات المالية، حيث يطلب منهم ما لا يطلب من الأعراق الأخرى، بسبب ثقافة عميقة مؤسسة، أحياناً تكون ظاهرة كما في الولايات المتحدة الأميركية وأحيانا تكون مقنعة كما في بلدان أخرى، وهو ما حذرت منه السلطات الألمانية بشجاعة حين تحدثت عن العنصرية المخبأة، حيث أصدرت سلسلة قرارات بهذا الشأن للحد من التمييز.

وأحيانا تتجلى العنصرية المقنعة حتى في حالة حصول هذه الطبقات أو الأعراق على فرص عمل، حيث يتم حصرهم في الأعمال المهنية واليدوية دون أن يسمح لهم بالنفاذ نحو ممارسة الأعمال الأخرى، مثل المحاماة والطب وغيرها، لنصل إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي كيفية تعاطي السلطة السياسية مع أي حدث، حيث نرى الفرق واضحاً بين سياسة إدارة ترامب التي حمّلت المتظاهرين المسؤولية وبين سياسة تسعى للبحث عن جذور المشكلة والاعتراف بها تفاديا لانفجارها.

ومن هنا، فإن المسألة ليست أمريكية الطابع فقط، بل إن التداخل بين التهميش الاقتصادي والإقصاء والتمييز العنصري، هو ظاهرة عالمية، تتفاوت من بلد إلى بلد أخر، ففي سوريا مثلاً طالما كان الكرد السوريون يعانون من وطأة التمييز السياسي (والعرقي أحياناً) ضدهم، وهو ما انعكس على تعليمهم وحصولهم على فرص عمل جيدة، فامتلأت بهم مطاعم ومقاهي حلب ودمشق، خصوصاً بعد الجفاف الذي ضرب سورية (٢٠٠٧/ ٢٠٠٨).

ونفس الأمر نراه في الكويت فيما يتعلق بظاهرة البدون، وأيضا في لبنان فيما يتعلق بظاهرة العمال السوريين، وأيضا في الصين فيما يتعلق بظاهرة المسلمين الأيغور… وهكذا لو درسنا كل بلد من بلدان الكرة الأرضية، لوجدنا أن هناك تمييزاً ثقافياً عرقياً عنصرياً ينعكس بدوره على الوضع الاقتصادي لهذه الأقليات، ليضاف تهمشيها الاقتصادي إلى تهميشها السياسي والعنصرية الثقافية التي تتعرض لها، فتصل مرحلة الانفجار التي كان مقتل جورج فلويد شرارتها.

ما سبق لا يعني مساواة العنصرية في كل العالم، ولا يعني أبدا نسف البعد التاريخي الثقافي الذي يميّز “التجربة الأميركية” عن غيرها، حيث أن  الأمر تمتد “جذوره التاريخية منذ الحرب الأهلية الأميركية (1861- 1865)، التي يرجع أحد أسبابها إلى الخلاف بين الحكومة الفيدرالية (ولايات الشمال) بقيادة الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن، ومحاولات انفصالية من جانب إحدى عشرة ولاية جنوبية، رفضا لمقترحات الحكومة الفيدرالية لتحرير العبيد وإلغاء الرقّ، وهى مقترحاتٌ هددت حينها مصالح الولايات الجنوبية التي اعتمد اقتصادها على القطاع الزراعي الذي يتطلب عمالة كثيفة، يوفرها نظام الرق (تشير بعض التقديرات إلى وجود أربعة ملايين، أغلبهم من أفريقيا)، وهم بذلك يمثلون مصدراً للثراء، بوصفهم أيدي عاملة رخيصة، ولم يكن مسموحاً أيضا انتقال العبيد أو هروبهم إلى الولايات الشمالية التي غلبت على نشاطها الاقتصادي الأعمال التجارية والصناعية.

كانت العبودية والتمييز العنصري من موضوعات الحرب الأهلية، وتضمنت الصراع على أجساد الأفارقة ما بين العمل في معسكرات العبودية في الجنوب أو ضمن النشاط التجاري والصناعي في الشمال، كانوا الخاضعون لنظام الرق، في حال تمرّدهم أو محاولة الهرب، يسجنون في معتقلات العبيد، ويتعرّضون لأنواع من التعذيب البشع على أيدى حرّاسهم الذين كان يوكل إليهم الإشراف على العمل في المزارع، ما رسخ الصورة الذهنية لدى الأميركيين من أصول أفريقية عن ممارسات العنف والتعذيب والقتل التي يمارسها الحرّاس، ورسّخ دور القمع لدى رجال الشرطة ضد الأميركيين من أصول أفريقية، وفرض السيطرة عليهم امتدادا لجذور تاريخية من الرق والعبودية”، وفق ما يقول عصام شعبان في مقال له. ما يعني أن لكل بلد هناك سياق تاريخي خاص جرت به الأمور، وطالما نتحدث عن سياق تاريخي، فهذا يعني أنه تشكل بفعل فواعل بشرية، ويمكن أن يزول بفعل فواعل بشرية، وهذا ما نادت به التظاهرات التي اندلعت في كل أنحاء العالم، فرغم أنها كانت مظاهرات ضد العنصرية، فإنها في عمقها أيضاً، مظاهرات ضد التهميش والبطالة وتناقص فرص العمل التي تسببها العولمة كما تسببها العنصرية أيضا، بما يعني أنها احتجاج على النظام النيوليرالي في شقه الاقتصادي، وهو الأمر الذي بات أكثر انكشافاً بعد جائحة كورونا التي أثرت على العالم كله بطبيعة الحال، إلا أن أثرها على هذه الطبقات التي تعاني من التمييز يكون دائماً أكبر وأعمق، وهذا ما يوضح لنا التراكب، بين الاقتصادي والتمييز المستند إلى العرق أو اللون أو الطبقة أو الجنس، وهو الأمر الذي جعل من مسألة مقتل جورج فلويد مسألة عالمية، لأنها قاربت هذه المسائل ذات العلاقة بحياة البشر وصحتهم وحياتهم ومعيشتهم، وخاصة أن الأمر يتراكب مع تداعيات مسألة كورنا وسط الحديث عن إغلاق الكثير من الشركات وفصل العمال وزيادة نسب البطالة (٤٤ مليون طلبوا إعانات البطالة في الولايات المتحدة الأميركية وحدها).

ثانياً: الديمقراطية والتمثيل السياسي وحقوق الإنسان

لا يمكن فهم المظاهرات التي اجتاحت الولايات الأميركية ضد العنصرية، دون فهم مسألة العملية الديمقراطية في عمقها، إذ ثمة أسئلة ترخي بظلها، منها: لم تصاحبت هذه الاحتجاجات مع العنف؟ ولم لم تتمكن الديمقراطية الأميركية من احتواء الأحداث؟ وماذا عن الممثلين ديمقراطيا للسود المظلومين؟ ما هي قدرتهم على إحداث تغيير حقيقي من داخل المؤسسات دون اللجوء إلى العنف؟

لا شك أن الأحداث عرّت الديمقراطية الأميركية ومؤسساتها، فرد الفعل السياسي والمؤسساتي كان فاضحاً لمدى انتهاك حقوق الإنسان، مدى تعامل أعلى سلطة سياسية ومؤسسات الشرطة والأمن مع ما يجري، حيث تبين أن السود المهمشين، يحتجون أيضاً على تهميشهم السياسي، وعلى العملية الانتخابية التي لا تتيح لهم تمثيل سياسي عادل ومتوازن يطرح قضاياهم، حيث أنها محصورة بين الحزب الجمهوري المحافظ الذي لا يخفي عداءه للسود، وبين الحزب الديمقراطي الذين يريدهم ديكور في عمليته الديمقراطية، وهو ما مثلته عملية وصول باراك أوباما إلى الحكم، ليمثل الطبقة البيضاء الحاكمة والمهينة على الثروة بعد أن تماهى معها.

وهذا يوصلنا إلى أن الديمقراطية بنسختها الأميركية هي ديمقراطية الأعراق المسيطرة من جهة، وديمقراطية رأس المال المسيطر من جهة، حيث لا يتمكن المهمشون اقتصاديا وسياسيا وطبقيا من الوصول إلى سدة القرار لتغيير السياسات المجحفة بحقهم، وهو ما نراه ماثلاً في تكاتف الطبقة المسيطرة في الحزب الديمقراطي الأمريكي ضد “بيرني ساندرز” الذي يوصف بأنه اشتراكي، لصالح “جو بايدن” الذي يمثل مصالح الطبقة المسيطرة، دون أن يجد أولئك الذين يجدون في “ساندرز” والمهمشين في ظل لعبة سياسية مغلقة، وهو ما يجعل فيلسوفاً شهيرا مثل “آلان باديو”، يشن هجومه الدائم عليها، الأمر الذي يعني في نهاية المطاف أن الاحتجاجات ضد العنصرية، كشفت الأعطاب داخل المؤسسة الديمقراطية الأميركية من جهة، وداخل الديمقراطية العالمية أيضاً، والتي بات تجديدها وتحديثها لصالح السماح لتلك الأصوات الغاضبة بالتمثل سياسيا للدفاع عن مصالحها وطبقاتها، ضرورة قصوى قبل أن ينفجر المركب العالمي بمن فيه، خاصة أن العنف بات يطال الدولة نفسها.

هناك مسألة أخرى تتعلق بالديمقراطية، حيث أن الغرب يسعى لتطبيق الديمقراطية داخل مجاله السيادي في حين يغض النظر عنها خارج مجاله السيادي، بل يدعم الدكتاتوريات بما تناسب مع مصالحه، الأمر الذي حول مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى إيديولوجيات تستخدم لأهداف أخرى تعنى بالمصالح والسيطرة أكثر مما تعني بتطبيق حقوق الإنسان والديمقراطية التي هي فقط للطبقة العليا في المجتمعات الديمقراطية ذاتها، وهنا تنضم للطبقات الدنيا الدول حيث يجري التعامل مع دول العالم الثالث كنوع من عرق أو طبقة لا ينطبق عليها الديمقراطية وحقوق الإنسان، الأمر الذي يتطلب العمل في اتجاهين، الأول العمل على عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان لتشمل الكوكب كله، والثانية تجذير الديمقراطية وحقوق الإنسان داخل بلدان الديمقراطية نفسها، لتطال كافة الأعراق والمهمشين.

ثالثاً: مسألة الدولة

إن قيام رجل الشرطة بقتل مواطن أميركي دون أن يلقى عقاباً وفق القانون كان موّلداً لاحتجاجات غاضبة انعكست تكسيراً وعنفاً حاداً ضد الدولة ومؤسساتها ورجال شرطتها والمرافق العامة وأيضاً ممتلكات الناس، ما يعني، ووفق تسلسل زمني ما، أن العنصرية ثقافياً والتهميش اقتصادياً وضعف الديمقراطية سياسياً ولد في نهاية المطاف عنفاً ضد الدولة التي تشكل الإطار الجامع لكل ما سبق، بما يعني مرة أخرى، أن الأمور قاربت حداً خطيراً حقاً.

وهذه لم تعد ظاهرة خاصة بالولايات المتحدة الأميركية فحسب، بل هي ظاهرة باتت تسم عالمنا الحديث، حيث تقل نسبة المؤمنين بالدولة، وذلك رغم أن جائحة كورونا أكدت الحاجة لها كما يجادل كثيرون، حيث شهدنا في الفترة الأخيرة دعوات داخل الديمقراطيات العريقة تتحدث عن ضرورة تجاوز الدولة حين تعجز الدولة عن حماية مواطنيها، وهي دعوات تصدر عن اليمين كما عن اليسار المتطرف أحيانا، وذلك في الوقت الذي انهارت فيه الدولة فعليا بقطاعها الصحي أمام مسألة كورونا، وتقف دول عديدة في الشرق الأوسط على حافة الانهيار.

ختاماً

إن انفجار مسألة الاحتجاج ضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأميركية بعد جائحة كورونا، والتضامن التلقائي الذي حصل معها في أكثر من بلد في العالم، يشكل جرس إنذار حقيقي لحجم المشاكل المتراكبة التي تعتمل في أحشاء العالم، وهي مشاكل على مستوى العمق والشمول، بحيث تشكل خطراً حقيقياً، ما لم يتم العمل على حلها سريعاً، فهل يتم ذلك أم يمضي مركبنا الأرضي نحو المجهول؟

مركز دراسات مينا

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more