هيئة المفاوضات.. ما عليها وما عليها

محمود الوهب |

“هيئة المفاوضات ما عليها، وما عليها” كتاب لـ “فواز محمود الفواز” وعلى الرغم من أن عنوان الكتاب يكاد يفضح محتواه إلا أنه يمتاز برصد تأريخي لحركة المعارضة السورية من خلال مؤسساتها الرسمية، كتلاً وأفراداً.. فلا يجد كبير عناء في دعم أي فكرة يقدمها من خلال وثيقة حية مكتوبة أو مسموعة ووفق منهج تحليلي علمي.. وهو أحد تلك الكتب المهمة التي تناولت المعارضة السورية، إذ هو أقرب إلى الموضوعية في ملامسته واقع الحدث السوري وصانعيه وما ترتب عليه من ذيول تناولت هذه الدولة أو تلك من الدول المتدخلة واللاهثة خلف مصالحها.. وواضح أن أكثر ما يركز عليه الكتاب هو الجانب السلبي في ممارسة من تبوأ مركزاً مرموقاً في هيئات المعارضة المعنية..

منذ صفحاته الأولى وعبر مقدمته يفصل الكتاب بين الثورة السورية المدنية إذا صح التعبير والفصائل العسكرية التي نشأت على هامشها لتجعل النظام يصفها بأنها إرهابية: “كان ظهور الأجسام الفصائلية التي لبست ثوباً إسلاموياً وحملت السلاح لتضفي على الثورة التي كان من أول شعاراتها (واحد واحد واحد الشعب السوري واحد) صبغة لم تكن لها في بداياتها، ولتُسهم في تثبيت ما أراد النظام لها أن تظهر به، حركةً يقوم بها مكونٌ من مكونات المجتمع السوري تستهدف السيطرة على الحكم، كما تستهدف مكونات الشعب الأخرى في عقائدها فستستحق بذلك أن توصم بوصمة الإرهاب” (ص1)

ويمر الكتاب مروراً سريعاً نسبياً على تشكيل هيئتي “المجلس الوطني”، و”ائتلاف قوى الثورة والمعارضة” تمهيداً للدخول في موضوعه الرئيس! لكنه، وفي سياق بحثه، يتعرض أيضاً لما كان عليه الوضع السوري قبل اندلاع الثورة في آذار 2011 فيعرض لعدة حوادث في دمشق وحلب، أعطت دلالات معينة، وشكلت إرهاصات لما هو آت، وقد اعتمد بذلك على كتابي (درب الآلام نحو الحرية) لـ “عزمي بشارة” و(العقد الأخير من تاريخ سورية) لـ”محمد جمال باروت”، ويشير الكتاب إلى أن الحراك بدأ عفوياً إلا أنه لم يكن دون تنظيم.. (كان الحراك في بداياته الأولى عفوياً إلاّ أنه لم يكن من دون شكل من أشكال التوجيه والتنظيم) ص13.

ويتعرَّض الكتاب إلى تنظيمات معارضة بعينها كالإخوان المسلمين والاتحاد الاشتراكي (جمال الأتاسي) كما يعرِّض بأحزاب الجبهة التي ارتضت على نفسها الانقياد لحزب البعث، مشيراً إلى المناخ الذي صدر فيه بيان الـ: 99 عام 2000 بعد خطاب القسم الذي استخدم عبارات جديدة حول الرأي الآخر ليقفز إلى إعلان دمشق الذي جاء ليشكل جسماً جديداً للمعارضة وضمت أحزاباً وقوميات كانت قد عانت ألواناً من القمع والتهميش.. ويقف الكتاب عند العام 2011 الذي شهد كثرة الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات في دمشق وتركيا وبروكسل والدوحة لتثمر عن تشكيل المجلس الوطني السوري الذي “يقول عنه الكاتب: “إن تشكيله جاء خديجاً لعدم انضمام هيئة التنسيق الوطني إليه رغم مساهمتها بالنقاش”.

ويعيد الأسباب إلى: “التنافس وحب الزعامة، والمناكفات التاريخية، ووجود نزعةٍ فردية انشقاقية قوية” وكذلك بسبب “رهان بعض المعارضة على الحوار مع النظام، وآخرون على التدخل الخارجي”. ويرى أن الخارجي “ليس رهن إشارة أحد، ولا يستطيع أحدٌ أن يمنعه أو يُحرّضه، وهو لا يتدخل إلاّ إذا أراد هو التدخل، وإن تدخل فإنما يتدخل انطلاقاً من رؤيته واستراتيجيته ومصالحه” شاهد لـ:(حازم نهار) ومن أسباب ضعف المجلس الوطني أو فشله: “عدم انضمام هيئة التنسيق إليه لخلق توازن مع الإخوان المسلمين وبقية الإسلاميين؟” شاهد لـ:(برهان غليون) ص27-28 ويشير المؤلف إلى تناقض الإخوان المسلمين في أقوالهم مستنداً إلى تصريحات بعض قادتهم (زهير سالم، رياض الشقفة) حول واقع تنظيم جماعتهم إذ يقول: “نستطيع القول وبدون شعور بـ: “وخز الضمير” إن سياسة جماعة الإخوان المسلمين لم تكن تتّسم بالوضوح، بل بالتناقض” ويؤكد ما سبق تصريح فاروق طيفور: “الإخوان يعملون في اتجاهين مع المجلس الوطني ومع جهات خارجية ديبلوماسية وإعلامية”. ص (32/33).

وفي حديث المؤلف عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ودواعي تشكيله يشكك في كل ما أعلن عن مبررات إيجاده، فما قيل عن استحقاق لمرحلة جديدة بحسب “دراسة لوحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” ينفيها قول لبرهان غليون في مقابلة مع برنامج المنعطف على تلفزيون سوريا بتاريخ 20 أيار 2018: “عملنا المجلس الوطني لنقول للعالم الذي نريد دعمه للثورة لا للنظام، نحن موجودون وأن هذا الشعب له قيادة وله رأس وهناك خط ووجهة نظر ورؤية لسوريا المستقبل”. ص 39/40.

وتأتي مبادرة رياض سيف لتقول: “من أجل إيجاد جسم سياسي بديل عن المجلس الوطني يضم قوى وشخصيات يُراد لها، كما أسلفنا، أن تتقاطع مع التوجهات الأميركية وتنسّق معها ومع سفارات دول غربية أخرى – ومن باب أولى دول عربية – فجاء تشكيل الائتلاف” ص41، ويستشهد المؤلف بمقالة لحازم نهار، وبحديث لمعاذ الخطيب عن الوضع الذي صار أسوأ مما كان عليه إذ إن الأشخاص أنفسهم والممارسات ذاتها ما دفع الخطيب إلى الاستقالة.. ويرى المؤلف واستناداً إلى مصادره المتعددة أنَّ “الرغبة الدولية والإقليمية في إنشاء الائتلاف كجسم جديد بديل بقصد الهيمنة عليه وتسييره، ومن ثم التحكّم بالمعارضة وتوجيهها” ورغم أن الجامعة العربية بادرت إلى الاعتراف به وتسليمه مقعد سورية في الجامعة العربية إلا أن الأمور سارت على عكس ما أعلن..

ويأتي الكتاب إلى “الهيئة العليا للمفاوضات” ليفصِّل بها أكثر ويشير العنوان بوضوح إلى فقر هذه الهيئة إذ لم تقم بعمل ذي بال بل إن تشكيلها منذ البداية لا ضرورة له

ويأتي الكتاب إلى “الهيئة العليا للمفاوضات” ليفصِّل بها أكثر ويشير العنوان بوضوح إلى فقر هذه الهيئة إذ لم تقم بعمل ذي بال بل إن تشكيلها منذ البداية لا ضرورة له، وكان على الائتلاف أن يبادر لتشكيل هيئة من ضمنه حتى لا يتشتت رأس المعارضة وجسمها لكن العبث الدولي والإقليمي بالثورة السورية هو المسؤول إذ إنَّ الهيئة شكلت بأسلوب تشكيل الائتلاف ذاته.. ويكشف الكتاب عن صراع بين دولتين خليجيتين كل منهما تريد الاستئثار بالمسألة السورية أو أن يكون لها النصيب الأكبر عبر الهيئات التي تمثلها ولا شك في أن هذا التنازع إضافة إلى المتدخلين الآخرين قد ساهم في استمرار نزيف الدم السوري ومعاناة السوريين المريرة.

ولا شك في أن هذا التدخل يعكس على نحو أو آخر صراعات السوريين وتعدد ولاءاتهم وعدم وجود شخص أو هيئة تجمعهم حول هدف سوري واضح ومع الأسف هذا الأمر لم يزل قائماً إلى الآن وقد يستمر إلى أن يفرض المتدخلون حلاً ما، ذلك إن استطاعوا جمع السوريين على حل ما يحفظ وحدة الأراضي السورية، ورغم كل ذلك يذكر المؤلف أن وفد الهيئة العليا للمفاوضات كان في تشكيلته الأولى واضح الرؤية، يتشدد في مواقفه تجاه القضايا الأكثر حساسية، كقضية المعتقلين، وإيصال المعونات الإنسانية.. لكن الأمر، بحسب الكتاب، تبدل “منذ تعيين السيد نصر الحريري خلفاً للعميد أسعد الزعبي إلى انتخابه للموقع نفسه مع ضمّ منصب المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات إليه، شهدت ارتباكاً وتخبطاً في أداء الهيئة العليا للمفاوضات ممثلة برئيس وفدها المفاوض” ص 91-92 ويسوق الكثير من التصريحات للسيد نصر الحريري غير المتسقة، وتهاجم الأطراف كلها بما فيها الوفد الذي يرأسه إذ استطاعت روسيا أن تبث الخلاف بين أعضائه..

ولا ينسى الكاتب أن يمر على اللجنة الدستورية ليقول ما معناه إنها جاءت ضربة قاضية وينقل الكاتب تصريحات لأقطاب المعارضة تدين تشكيلها ويعدها بحسب التصريحات خيانة للثورة وتنازلاً عن أبسط مطالبها.. ومن أبرز ذلك ما أدلى به منذر ماخوس: “نحن ومنذ عدة شهور بصدد ما يُسمّى اللجنة الدستورية، والتي من حيث المبدأ كنا وما نزال نعتبرها انقلاباً على العملية السياسية، أو هي عملية سياسية بالمقلوب لأن هناك تجاوزاً حقيقياً لقرارات مجلس الأمن بما فيها 2254 الذي يُشار إليه كمرجعية في كل المناسبات” ص 123

أخيراً يمكن القول: إنه كتاب يجول في مدى عشر سنوات من الثورة السورية وعذابات السوريين وتشريح الهيئات التي قادت تلك الثورة وطبيعة الصراع الدولي حول سورية.. يضع الكتاب الصراع السياسي السوري بعمقه وأبعاده أمام قيادة هشة زاد في ضعفها عدة أمور منها: وحشية النظام غير المسبوقة وضعف تجربة المعارضة السياسية بسبب حرمانها منها على مدى عقود ثم وجودها خارج بلدها وكثرة التدخلات الخارجية التي ساهمت على نحو أو آخر في إفسادها..

ويبقى أن أشير إلى حجم الكتاب الذي هو مئة واثنتان وأربعون صفحة من القطع المتوسط، وقد قسمه المؤلف إلى عناوين رئيسة تناولت هيئات المعارضة الرئيسة إضافة إلى مقدمة وخاتمة ونثرات تضيء وضع سورية قبل الثورة السورية، وتعد إرهاصات لها..

تلفزيون سوريا

اترك رد