أردوغان من منقذ إلى دكتاتور! تركيا إلى أين؟

شغل رجب طيب أردوغان مؤخراً وسائل الإعلام المحلية والعالمية ب “نصر” جديد له ولأنصاره ولحزبه، حزب العدالة والتنمية، الذي يحكم البلاد منذ عام ٢٠٠٢، ونعني بذلك توقيع القرار القاضي بتحويل متحف “أيا صوفيا” الشهير إلى مسجد. فأي “نصر” هذا؟ وماذا يقف خلفه؟ وإلام يشير؟ هذا ما تحاول هذه المقالة الموّسعة تسليط الضوء عليه.

بين الأمس واليوم

إن العودة إلى اللحظة التي تسلم بها رجب طيب أردوغان السلطة ومقارنتها بما يجري اليوم في الدولة التركية، وموقع تركيا عالمياً قد تكون مناسبة جداً، لمعاينة التغيرات والتحولات التي حصلت في البلاد من جهة، وعلى خطاب أردوغان وحزبه من جهة أخرى، لفهم طبيعة هذا “النصر” الذي تهلل له وسائل الإعلام التركية، والذي أثار جدلا عالميا واهتماما إعلاميا، رغم كونه حدثا محليا “صغيرا”.

لا يمكن لأحد أن ينكر أن حزب العدالة والتنمية بقيادة عبد الله غل ورجب طيب أردوغان، كان منذ لحظة تأسيس حزب العدالة والتنمية في تركيا، حزباً كبيراً له أجندة إصلاحية قوية، يقودها الرجل القوي التي تمكن بحنكته وطبيعة شخصيته من تجسيد “الحلم التركي” في سعيه للتخلص من دكتاتورية العسكر الذي كان مختبئاً خلف يافطة الأحزاب العلمانية واللعبة الديمقراطية الممسوكة أمنياً وعسكرياً تحت ظلّ المؤسس كمال الدين أتاتورك، حيث كان الاستقطاب على أشده بين العلمانيين المتشددين والإسلاميين المتشددين بقيادة نجم الدين أربكان الذي كان أردوغان واحدا من أنصاره الكثيرين، ليشكل الرجل بعد انفصاله عن الجُبَّة الأربكانية خياراً وسطاً إصلاحياً بين الطرفين، انتهى بوصوله السلطة بعد طرحه برنامجاً انتخابياً أثار إعجاب الجميع، كونه قائماً على الدمج بين الهوية الإسلامية لتركيا والديمقراطية الليبرالية، بما سمّي آنذاك “النموذج التركي” الذي تعزز بفعل الإنجازات الاقتصادية التركية وسياسة “صفر مشكلات” مع الجوار والسعي لحل المشاكل العالقة تاريخياً بين الأتراك والعلويين وغيرهم، إضافة إلى السياسة الخارجية التركية التي جعلت تركيا لاعباً دولياً خلال سنوات قليلة بعد أن كانت مجرد تابع في حلف الأطلسي، وذلك كله دون أن تغادر المحطة الأطلسية، بل استندت عليها للتوسع عبر محاولة الاندماج في الاتحاد الأوربي والتمدد جنوباً وشرقاً، وهو ما حقق لأردوغان وحزبه انتصارات متتالية في الانتخابات التي كانت ديمقراطيتها تتجلى بالأرقام الانتخابية التي لم تمنحه يوماً تفويضاً كاملاً ومطلقاً، ما كان يجعل العالم يثق بالديمقراطية التركية التي لا تني تطوّر نفسها.

تركيا في الربيع العربي

الأهم في المرحلة الأولى بعد تسلمه السلطة، أن أردوغان تمكن من تقديم أمل لشعوب الجنوب، وخاصة الإسلامية منها، بأن المزواجة بين الهوية الثقافية الدينية الاجتماعية لأي شعب وقيم الحداثة ممكنة، وبالتالي فإن الانسداد التاريخي التي تقف بمواجهته البلدان العربية والإسلامية، ليست قدرا محتما ونهائيا. ولكن فجأة حصل الانعطاف، جاء الربيع العربي، وبدأت سياسة تركية جديدة، داخلا وخارجا، لتنسف كل ما سبق. فلم؟ وكيف تم هذا الانتقال؟ وأين تقف تركيا اليوم؟

داخلاً، تجلّى الأمر من خلال التضييق على الإعلام وظهور أجندة دينية بدأت تأكل الديمقراطية التركية تدريجياً (سنتحدث عن الأمر لاحقاً)، وبروز دكتاتورية أردوغانية التي نمت تدريجياً، بدءاً من حزبه الذي تحول إلى مجموعة من الأعوان والتابعين بعد مغادرة أغلب المؤسسين والرجال الأقوياء (عبد الله غل، أحمد داود أوغلو، علي باباجان..) الذين ساهموا في صناعة النموذج التركي سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وليس انتهاءاً بالداخل التركي الذي بات فيه انتقاد السياسة الأردوغانية والتعرّض له يعد جريمة، دون أن ننسى التحول الأبرز الذي يعتبر مؤشراً في هذا السياق، ونعني تحويل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي يجمع الصلاحيات كلها في يد الرئيس التركي الطامح للبقاء في السلطة طويلاً.

الدكتاتورية الأردوغانية؟

بدأت منذ تلك اللحظة تتجلى بوضوح الدكتاتورية الأردوغانية، بعد أن استفادت كثيراً، وبما بدا وكأنه “نصر على طبق من ذهب”، من محاولة الانقلاب، التي أفشلها الشعب التركي والديمقراطية التركية قبل أن يفشلها أردوغان وأنصاره.

ودون أن ننسى أيضاً في هذا السياق عجز أردوغان عن حل أي من المسائل الداخلية التركية المعقدة، مثل المسألة الكردية ومسألة العلويين والأقليات، بل ذهب أبعد من خصومه في ذلك، حين سجنت سلطاته زعيم حزب الشعوب الديمقراطية “ديمترياش”، وأثبت أنه “قومي أكثر من القوميين” في هذا السياق، بما يشير إلى مدى تداخل الإسلامي مع القومي في تركيا عموماً، وهذا أمر يحتاج بحثاً مفصلاً تعجز هذه المقالة الموّسعة عن الإحاطة بها.

خارجاً، تجلّى الأمر من خلال الغرق والتخبط في سورية والمنطقة وعودة الصدام مع قبرص واليونان وبلغاريا، وتحول تركيا طرفاً داخلياً في الصراع العربي/العربي الذي يمكن اختزاله بثلاثة محاور، محور الشعوب والثورات ومحور الثورات المضادة ومحور الإسلاميين الطامحين للسلطة، واضعة ثقلها خلف الأخير، لتتحول طرفاً بدل أن تكون عامل حل، ما أدى إلى تعقد اللعبة الإقليمية والدولية التي قادت تركيا، بالتدريج إلى الصدام مع واشنطن والاتحاد الأوربي، دون أن تصبح أيضاً جزءاً أصيلا من المحور المضاد، الصيني الروسي الإيراني، حيث علاقتها مع هذه الأطراف حتى اللحظة ميكافيلية، ولا ترقى لأن تصبح تحالفاً استراتيجياً، فهي تتفق في كثير من الملفات وتختلف أيضاً في كثير من الملفات، ولعل النظر إلى العلاقة الروسية التركية فيما يخص مسألتي ليبيا وسوريا، تعتبر مثالاً مكثفاً في هذا الشأن.

هذه التحولات الداخلية والخارجية أدت متراكمة إلى فقدان حزب العدالة والتنمية رافعته الأهم، ونعني الجانب الاقتصادي الذي بدأ يتراجع منذ عام ٢٠١٨، وهو الأمر الذي ظهرت نتائجه سريعاً في الانتخابات البلدية في أهم المدن التركية، وخاصة إسطنبول التي شهدت عملية إعادة للانتخابات عاد ونجح فيها مرشح حزب الشعب إمام أوغلو، رغم كل الحشد والإمكانات التي قدمها الحزب والدولة والإعلام التركي لمرشح أردوغان آنذاك، علي يلدريم، ليكون أردوغان وحزبه أمام حقيقة لا يمكن التهرب منها، تتمثل بتراجع الشعبية في لحظة يحتاج فيها أردوغان إلى كل الشعبية لأجل تحقيق الهدف الذي وضعه لنفسه مع اقتراب الميلاد المئوي لولادة الجمهورية التركية، ونعني بذلك استعادة تركيا هويتها العثمانية بالكامل داخلا، وتحولها لاعبا “عثمانيا” بارزا في الخارج.

ولم تتوقف مشاكل أردوغان عند تراجع شعبيته، بل بدأت الأمور بالتدهور أكثر فأكثر،  لأن الاقتصاد التركي في تدهور متسارع ومتزايد والدكتاتورية الأردوغانية في تصاعد، ما يعني في نهاية المطاف أن الإصلاحية التي جسدها رجب طيب أردوغان حين استلامه السلطة، والتي تحدثنا عنها بداية، قد استنفذت بالكامل، فيما معالم الرؤية الأردوغانية لتركيا باتت واضحة، ألا وهي تحويل تركيا إلى جمهورية إسلامية، لم تعد تخفي نفسها أساساً، حيث بات السجال الطائفي شأنا علنياً في تركيا، تدل عليه تصريحات المسؤولين الأتراك، والصدام العلماني الإسلامي الشديد، فيما سياسة الهندسة الدينية للبلاد جارية على قدم وساق، ما يعني عملياً أن حزب العدالة والتنمية اليوم على مفترق طرق، إما الاعتراف بهزيمته والسعي لتحسين وضعه داخلياً عبر تغيير كلي للسياسة التي يتبعها وذلك عبر العودة للأصول الديمقراطية التي قد تحوله في الانتخابات القادمة إلى حزب معارض أو الإصرار على التمسك بالسلطة والمضي قدما في إجراءاته، فأي طريق يختار؟

مؤشران بارزان: كورونا وأيا صوفيا

ثمة حدثان اثنان برزا مؤخراً، ويمكن اعتبارهما مؤشرين بارزين للطريق الذي ينوي اتباعه أردوغان في الفترة المقبلة، إضافة إلى أنه يمكن اعتبارهما عاملين معززين للتدهور التركي، اقتصادياً وديمقراطياً، بما يغذي المعارضة المتزايدة لحزب العدالة وأنصاره.

الأول، يتعلق بكيفية تعاطي السلطات التركية مع مسألة فيروس كورونا، حيث كانت السلطة أمام واقع صعب أساساً، حيث الاقتصاد التركي يعاني تراجعاً وتدهوراً منذ مرحلة ما قبل كورونا، بما يعني أن فرض الإغلاق والحجر يعني زيادة التأزم الاقتصادي، وهو ما خلق ارتباكاً على مستوى القرار، تجلى بعملية فرض الحظر فجأة دون منح الشعب مهلة، مما أدى إلى تدفق الناس فجأة على المحلات لشراء السلع، ما خلق تزاحماً في وقت من المفترض فيه أن يتم التباعد، إضافة إلى أن الحكومة لم تعلن أية مساعدات طارئة للمواطنين المتضررين أو الذين خسروا وظائفهم أو من المحتمل خسارتها، باعتبار أن تداعيات الفيروس لا تزال مستمرة، وأيضا تراجع الاقتصاد التركي الذي يشكل العامل الأبرز في كيفية تعاطي أردوغان مع الوباء، وهو ما وضحه الخبير في الشؤون التركية من معهد واشنطن سونر جاغابتاي إذ قال: “ويحدّ الوضع الاقتصادي اليوم من الخيارات المتاحة أمام أردوغان للتعامل بقوة أكبر مع تفشي الوباء في تركيا.

فهو لم يعلن مثلاً حتى الآن عن حظر تجول طويل الأمد لأن إدارته تبدو عاجزة عن تأمين حزمة مساعدات اقتصادية شاملة للأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل. ومع تراجع قيمة الليرة التركية وتزايد الديون الخارجية وتدني احتياطي العملة الأجنبية، كان الاقتصاد التركي أصلاً في حالة متردية قبل ظهور الوباء. وبما أن أردوغان افتقر إلى الأموال اللازمة لإطلاق جهود تحفيزية شاملة، اعتبر على الأرجح في حساباته أن البلد لا يحتمل التداعيات الاقتصادية المترتبة عن الإغلاق التام”.

 ويحصل هذا في الوقت الذي حققت فيه المعارضة التركية نجاحاً بارزاً في كيفية التعاطي مع المسألة من خلال دعوتها لفرض الحظر وجمع التبرعات التي حاولت الحكومة منعها ثم عادت وقدّمتها هي باعتبارها اقتراحات لها، الأمر الذي بيّن بوضوح التخبط الحكومي، فيما كان معارضو الحزب يتقدمون الصفوف لمواجهة الفيروس ويحصدون الشعبية أيضا، ومنهم أمام أوغلو في إسطنبول ويافاتش في أنقرة.

الحدث الثاني، هو مسألة تحويل متحف أيا صوفيا إلى مسجد، وذلك في الوقت الذي بنى فيه أردوغان العديد من المساجد الكبيرة خلال فترة حكمه، منها ما يعرف شعبياً بجامع أردوغان ورسمياً بجامع تشامليجا، وهو جامع ضخم بني على تلة عالية وتم افتتاحه عام ٢٠١٩ من قبل أردوغان نفسه، فيما يجري العمل على بناء مسجد أخر في ساحة تقسيم في قلب إسطنبول التي تعد مقصدا كبيرا للسياح.

دوافع أردوغان من بناء المساجد لا تخفي نفسها، يوضحها الخبير سونر جاغابتاي إذ يقول “فكونه قائداً شعبوياً يحرص على مصالح المواطنين، فلا شك أنه يهدف إلى استغلال الجدل الناتج عن عملية التحويل لدعم سردية التضحية التي غالباً ما يروّج لها في أوساط قاعدته. وفي هذه الحالة ستكون رسالته: “كيف يجرؤ هؤلاء العلمانيون على حرماننا نحن المسلمين المتدينين من ‘ الحرية ‘ للصلاة في “آيا صوفيا”؟”، ليعود ويشكك بقدرة هذه الآلية على مساعدة أردوغان في استعادة شعبيته المهدورة، حيث يقول: “فحتى إذا زاد تحويل “آيا صوفيا” من رصيده ببضع نقاط مئوية، فمن غير المحتمل أن يستمر الدعم. وليس هناك سوى النمو الاقتصادي القوي الذي سيعيد الشعبية الأوسع التي كان يتمتع بها ذات مرة”.

ولكن الأهم مما سبق، هو ما يقوله الحدثان (كورونا وتحويل أيا صوفيا إلى مسجد) بين طياتهما من نتائج، نجملها في عدة نقاط:

أولاً: إن إصرار أردوغان على تحويل أيا صوفيا إلى مسجد، يشي بعجز أردوغان على اجتراح المعجزات للحفاظ على شعبيته، فاللجوء إلى الخيارات الدينية الشعبوية هي دليل عجز وإفلاس، حيث تعمل كل السلطات المفلسة والدكتاتورية دوماً على اختراع “قضايا” و”مسائل” تشغل بال الشعب عن مشاكله الأساسية من جهة، وهي الوضع الاقتصادي والمعيشي المتدهور يوما بعد يوم، وللتغطية على سياسات أخرى من جهة أخرى، وهي هنا السياسات المغامرة في سورية والعراق وليبيا، والتي يدفع ثمنها المواطن الفقير، الذي يسعى أردوغان لاكتساب شعبيته، من خلال إيهامه دينيا بأنه يحقق له “الأخرة” من خلال بناء المساجد وأسلمة الدولة ومؤسساتها، وهو الأمر الثاني الذي سنتحدث عنه.

ثانياً: تمكن أردوغان ببراعة وبراغماتية تحسب له أن يضلل الجميع، داخلاً وخارجاً، فتحت ستار “النموذج التركي” الذي أقنع العالم به في عقده الأول في الحكم، كان يعد العدة للإمساك بمقابض الحكم من جهة، ولوضع أجندته الدينية بالتدريج موضع التطبيق، مستخدماً في البدء حرية التعبير والديمقراطية للدفاع عن عودة الحجاب وأسلمة بعض المؤسسات والقرارات، ثم حين أمسك بكل مقابض البلاد ومؤسساتها، وخاصة الجيش والإعلام والقضاء، بدأ يطبق سياسة أسلمة واضحة دون مراعاة لأي أحد، وهو ما نراه بوضوح عمليا في سياسة بناء المساجد والمدارس الدينية التي توسعت توسعا كبيراً، والتي وصلت حد تعليم وحض طلاب المدارس الابتدائية على “الجهاد”، الأمر الذي يشير إلى طموح النموذج الأردوغاني، حيث يجري العمل على بناء “جيل تقي”، وهو الجيل الذي سيعمل على زجه في حروبه الخارجية التي يتوسع بها، تحت حجة “الجهاد”، بما يعني عملياً أن كل خطوة من خطواته تصب ضمن الاستراتيجية الكبرى الهادفة إلى عثمنة البلاد داخلاً، وعودة “الإمبراطورية العثمانية” خارجاً، الأمر الذي يفرغ في نهاية المطاف الديمقراطية من محتواها الحقيقي نحو مسخ هجين، وهو ما نلاحظه أكثر في مسألة التعاطي مع المرأة، فالمساواة التي قالت بها الحداثة بين الرجل والمرأة، تتحول إلى نوع من مساواة دينية، أي “الرجال قوامون على النساء”، بما يعني عملياً موت النموذج التركي الذي كان طامحا ذات يوم.

ثالثاً: إن الفشل الحكومي في معالجة فيروس كورونا، تطرح أسئلة كثيرة، خاصة أن الحكومة نفسها في موقع كهذا تريد النجاح، فلا أحد يريد أن يسجل لنفسه فشلاً في موقع يسجل فيه الفشل اعترافاً كبيراً بالتراجع، ناهيك عن كون أن النجاح يعزز الشعبية التي يحتاجها أردوغان والحزب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، فكيف حدث ذلك؟

من المفارقات المثيرة للجدل هنا، كما يثير سونر جاباغتاي ودنيز يوكسل في مقال لهما، أن ثمار النظام الرئاسي الذي فرضه أردوغان صبت في هذه المسألة في سلال العلمانيين، لأنه كان بإمكان أردوغان سابقاً، خلال فترة النظام البرلماني أن يعتمد ويسمع آراء كثيرة ومتعددة من “المستشارين والوزراء والوكالات الحكومية من أجل اتخاذ قرارات حكيمة ساعدته على الفوز في الانتخابات وتوجيه دفّة تركيا خلال المصاعب التي مرّت بها. ومع ذلك، فإن الرئيس محاطٌ اليوم بمجموعة صغيرة من المساعدين، الذين يوفرون، مع بعض الاستثناءات، بديلاً لا يرتقي إلى مستوى المؤسسات التركية الكفوءة تاريخياً وخبرائها المتخصصين ولا يشكلون البديل الأفضل عنها. كما تم تهميش الشبكة السابقة من المقربين السياسيين، التي ساعدته على الفوز بما يقرب من اثنتي عشرة انتخابات… إنّ انحصار صلاحية صنع القرار في سلطة شديدة المركزية يسبّب تحريفات وتشوّهات؛ فالقرارات لا تُتَّخذ بناءً على المصلحة الوطنية، أو حتى المصلحة السياسية للرئاسة، بل لصالح زمرةٍ ما على حساب أخرى”.

رابعاً: من تابع كيفية تعاطي السلطة مع مسألة كورونا، سيلاحظ دون شك بروز اسمي وزير الصحة ووزير الداخلية القوي سليمان صويلو، وكلّ من موقع مختلف، حيث تمكن وزير الصحة من تحقيق شعبية وحضور ملحوظ من خلال إطلالاته اليومية في الإعلام لتقديم أخر النصائح حول مسألة كورونا، في حين تراجعت شعبية صويلو إلى درجة أنه قدم استقالته بعد فرضه حظر التجول بشكل مفاجئ، ثم عاد عن استقالته بطلب من أردوغان، فماذا يقول لنا هذان الحدثان؟

إن سماح أردوغان لوزير الصحة بالإطلالة الإعلامية وكسب الشعبية تعد أمر ملفتاً، لأنه في النظم الدكتاتورية وذات الطبيعة الاستبدادية، تحرص السلطات على ألا يعلو صوت على صوت القائد وأن تكون الشعبية متمحورة حوله، فما الهدف إذن؟

الأمر يتعلق بسياسة الحكومة تجاه كورونا، فإذا نجح وزير الصحة في التعاطي مع المسألة فنحن أمام نجاح يحسب للحكومة ككل، وهنا يكون أردوغان المستفيد الأول، ولكن حال فشل، فإن الوزير وحده من يتحمل المسؤولية، وحينها يتم التضحية به بعد تحميله مسؤولية الفشل.

وأما فيما يتعلق باستقالة صويلو ثم عودته عن الاستقالة، فنحن أمام مؤشر بارز على مدى دكتاتورية أردوغان، حيث يمنع على أي وزير أن يستقيل دون إرادة “السلطان الأعلى” الذي لا يسمح بسقوط أي أحد من مساعديه أو أعوانه تحت ضغط الجمهور، لأن سقوطه بالنسبة لأردوغان يعني “السماح بسقوط حجرٍ من الجدار الدفاعي” وفق قول الكاتب الإسلامي السياسي نجيب فاضل قيصاكورك، فيما قد يتخلى عنهم في وقت آخر بسبب فشلهم هذا، لكن أبدا لا يسمح لهم بالاستقالة تحت ضغط الجمهور.

الأمران، يشيران في نهاية المطاف إلى أننا نتجه نحو نموذج سلطوي قريب جدا من النموذج الإيراني، إنما بصبغة سنية، حيث يحل السلطان محل الولي الفقيه! خاصة أن سونر ودنيز يرسما رؤية قاتمة للأمر، إذ يقولان: “وفي حين كان لتركيا ذات مرة “وزيرة لشؤون المرأة”، أصبح لديها الآن “وزيرة الأسرة”. ويعكس هذا التحوّل تفضيل الإدارة التركية تعزيز القيم التقليدية بدلاً من المساواة والتمكين. لقد منح أردوغان أجهزة الرقابة الإعلامية الحكومية صلاحيات رقابة واسعة على البث الإذاعي والتلفزيوني، من أجل إزالة أي محتوى لا يتماشى مع نظرتها المحافظة. ويُعتبر التقبيل على الشاشة ضرباً من الفسق، وأصبحت مشاهد الكحول والتبغ مغشّاة. وفي الوقت نفسه، يتم التساهل مع نسبة كبيرة من العنف، وإطلاق النار، وتمجيد العنف ضد المرأة”.

ما يشبه الخاتمة.. سؤال للمستقبل

التحولات والمخاوف السابقة، تطرح علينا وعلى التاريخ سؤالاً محورياً، يحاول الجميع الإجابة عليه اليوم، وفحواه التالي: هل يقدر أردوغان حقاً على وأد الديمقراطية التركية العريقة؟ هل يتمكن من إخضاع العلمانيين والحياة السياسية داخلاً، كما في إيران وروسيا مثلا؟

ثمة مسائل كثيرة تقف في وجه أردوغان، فالمجتمع المدني التركي لا يزال قوياً، إضافة إلى أن الأحزاب التركية المعارضة، والمؤيدة التي قد تنشق عن أردوغان لاحقاً، لازالت قوية وتحتفظ بمواقعها السياسية كاملة، ولها حضور شعبي ومؤسساتي عريق يصعب القفز فوقه، بما يعني أن الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية التركية لا تزال قائمة، ولا تزال تعيق سعي أردوغان لفرض نموذج شمولي واسع النطاق.

أيضا، هناك مسألة، تتعلق بالتغيرات الديمغرافية التي جرت في البلد خلال العقود الأخيرة، فأبناء جيل الألفية الذين ولدوا بين عامي 1989 و 2003، يشكّلون ربع سكان البلاد، أي حوالي 20 مليون ناخب في عام 2018. وهؤلاء نشأوا في ظل النزعة الدينية المحافظة لأردوغان.

استناداً لما تحدثنا عنه أعلاه، من هيمنة التعليم المحافظ والإيديولوجية الدينية، من المفترض أن يكون هؤلاء في موقف قريب من النزعة المحافظة، إلا أن المفارقة تكمن في أن استطلاعات الرأي، تقول إن “هؤلاء يلتزمون بالقيم الديمقراطية الليبرالية… كما أن هذا الجيل أقل تديناً بكثير من الأجيال السابقة، ويزيد احتمال تعرضه للإلحاد مرتين مقارنة بالمتوسط ​​الوطني. وربعه فقط يصلي بانتظام، مقارنة بحوالي نصف سكان البلاد.

ووجد استطلاع آخر أن 47 في المائة فقط من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و 32 عاماً يغطّين شعرهن، مقارنة بـ 62 في المائة من جميع النساء في البلاد، وهي علامة رئيسية على التخلي عن الممارسات الإسلامية. وهذا تطور غير مسبوق! وحيث لا ترتدي غالبية الشابات الحجاب – وهو الأول لأي مجموعة ديموغرافية في البلاد – فمن المفارقة هو تحقّق حلم مؤسس تركيا العلماني مصطفى كمال أتاتورك، تحت حكم السياسي الإسلامي أردوغان” وفق قول سونر ودنيز اللذان يختمان قائلين: “إنّ قادة تركيا المستقبليين سيخرجون من بين أبناء جيل الألفية المذكور هنا”، لنكون أمام حقيقة أخرى أيضا، وهي أن استطلاعات الرأي ليست دائما دقيقة، وهي عرضة للتحول والتغير أيضا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأنظمة الشبيهة بنظام أردوغان تعمل على المدى الطويل، بهدف الوصول إلى وقت تتمكن فيه من التلاعب بالعملية الانتخابية نفسها، فهل يصل الأمر إلى هذا الحد؟ أم يدافع المجتمع التركي عن نفسه وحضوره؟.

مركز مينا للدراسات المعاصرة

اترك رد