إتفاقية الرعب

محمد بلال العطار |


يتنقل الشارع العربي من صدمة إلى صدمة دون فواصل زمنية تجعله يستوعب الصدمة الأولى، ليتلقى صدمة بعدها تنسيه آلاآم السابقة ليتعرض لثالثة ورابعة، حتى أصبحت قضية العرب الأولى قضية فلسطين شبه منسية عند البعض، لا بل تعمّد آخرون التنازل عنها لغاصبها، ليس هذا وحسب بل لتزوير التاريخ وهتك الجغرافيا وليّ أعناق النصوص الدينية، مناقضين ما كانوا ينادون به بالأمس على منابر الدين والسياسة وفي قاعات تدريس الجغرافيا والتاريخ لطلاب المدارس والجامعات، فانبرى مشايخ ومفتون بالتصريح بفتاوى تشرعن بيع فلسطين لغاصبها، وكأن ما كانوا يصرخون به بالأمس كان كذباً، كما إنبرى سياسيون لشرح وتوضيح ما غاب فهمه عن الناس من فوائد لا تحصى لهذا البيع المذلّ موضحين أن إسرائيل “مستمثرة ” بمعنى أن المرجو منها إستثمار مالي يفيد الإقتصاد، وكأن إقتصاد الإمارات في حالة عجز ينتظر الإستثمارات الإسرائيلية لينهض، متناسين أن الإمارات هي من يستثمر في حروب دول في قارّتين، وفي أفساد بعض الدول في القارّات الثلاث الباقية، نافين عن إسرائيل أي أطماع جغرافية تزيد على مساحة الوطن العربي ونافين عنها أي إيديولوجية إستعمارية مرتبطة بكل إمبراطوريات العالم الإمبريالية البائد منها، والمعاصرة، لاغين توجهاتها الدينية المستمدة من كتب زوّروها على مدى قرون، فحذفوا منها وأضافوا لها ما يخدم أهدافهم والمصالح الإستعمارية لتلك الإمبراطوريات، غير آبهين بشرع أو قداسة كتاب منزّل، وقد وصل الأمر بالمطبعين إلى إظهار رعاع الناس على القنوات الإعلامية ممجدين بإسرائيل ومعتزّين بقرابتهم لشعبها، نافين حقوق الفلسطينيين بأرضهم، نازعين منهم قدسية ترابهم وجلالة تاريخهم، لكن المتتبع لتقلبات السياسة في العقد المنصرم يدرك أن التحول في سياسة الإمارات وقد تكون بعدها البحرين والسعودية، يدرك أن الأمر ليس له علاقة بالشرائع السماوية ولا بالإستثمارات المالية ولا بالتحقيق التاريخي، فدافع هذا التحول هو الخوف من المطامع الإيرانية فقط، وضمن هذا السياق يرى المتتبع أن سياسة أوباما الرئيس الأمريكي السابق كانت السبب الرئيس من خلال محاباته لإيران على حساب الدول العربية مجتمعة وهذا ما أعطاها زخماً لتتمدد في العراق وسوريا واليمن إضافة للبنان، تلك السياسة المنحازة لإيران جعلت دول الخليج في حالة رعب دائم من أي خطوة تخطوها إيران نحوها، وهو ما جعلها تتوسم خيراً بوعود ترامب الإنتخابية التي هاجم فيها الإتفاق النووي مع إيران ووعد بتمزيقه إن وصل إلى سدة الرئاسة الأمريكية، ونتج عن ذلك التبرع السخي لحملة ترامب الإنتخابية ووعده بالمزيد في حال نجاحه بالإنتخابات، وقد حصل ذلك حسبما تردد في كثير من القنوات وفي تقارير تتهم الإمارات بالتدخل بالإنتخابات الأمريكية، ولكنَّ جشع ترامب للمال ولتسجيل نجاحات على الصعيد الإقتصادي الأمريكي جعله يتطلع إلى السعودية الدولة المركزية مالياً ودينياً في المنطقة، فيكون قد أصاب هدفين برمية واحدة، وكان سهلاً على إبن زايد أن يغري إبن سلمان الشاب الطامع في الوصول إلى مُلك السعودية بأي ثمن، بالدفع لترامب لينال الرضى ويكسب الحماية من إيران، فكانت زيارة ترامب الأولى إلى السعودية وقد حصل فيها على ٤٦٠ مليار دولر أمريكي ثمن صفقة سلاح تكدس في مستودعات لا تفتح بعدها، أما ما حصّله من باقي دول الخليج في تلك الفترة، وفي السنوات الأربع التالية هذا ما لا يعلمه إلا الله، كما أنه لم ينس أن يزرع فتنة بين مكونات مجلس التعاون الخليجي أدت إلى ضعضعة أمن الخليج إلى اليوم، ولكن دورته الإنتخابية شارفت على الإنتهاء ومن الطبيعي أن يذهب ترامب (إذا لم ينجح في الإنتخابات) وتبقى إيران، ويبقى الرعب يسكن قلوب الخليجيين منها، وقد يأتي بايدن ليعيد العلاقات الأمريكية إلى دفئها مع إيران ويعيد الإتفاق النووي وتعود إيران لعنجهيتها ويعود الرعب الذي تشكله إيران لدول الخليج،
ولكن ترامب المنتهية ولايته، الرئيس الأمريكي الأكثر إخلاصاً للصهيونية، كان قد أخذ على عاتقه تقديم أكبر خدمات لإسرائيل، وبالمقابل إلحاق أكبر الضرر بالعرب فكان أن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس واعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، واعتبر الجولان أرضاً إسرائيلية وسمح لإسرائيل ضم أجزاء كبيرة من الضفة والقطاع وغور الأردن، وخرج علينا بصفقة القرن التي تنسف القضية الفلسطينية برمتها، وتعهد بتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وبدأ بالدول التي كانت تأمل منه حمايتها من إيران محيلاً حمايتهم من إيران، لإسرائيل، فدفع بالإمارات والسعودية والبحرين للتطبيع معها، محققاً مكاسب شخصية تخدمه في إنتخاباته، وتفيد بن يامين نتنياهو في تهربه من المحاكمات التي تنتظره، وكان هذا الخيار (خيار التطبيع) هو الخيار الوحيد المفتوح أمام إبن زايد وبن سلمان وشركاؤهما، وصح فيهم المثل القائل كالمستجير من الرمضاء بالنار . فكان الصلح صلح رعب لا هوى، ولكنَّ الحال لن يكون أحسن مما فعل بشار الأسد عندما استقدام الإيرانيين والروس لحمايته من الشعب، فكان أن خسر كل شيئ لمصلحتهما، فهل تكون حماية إسرائيل لدول الخليج حماية مجانية ؟ .

اتحاد الديمقراطيين السوريين- خاص

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.   Learn more