جيمس جيفري مبعوث خاص يثير عواصف الأسئلة

عادت ”كأس السم“ إلى واجهة الأحداث قبل أيام بعد غياب، حين قال السفير الأميركي جيمس جيفري إن رئيس النظام السوري بشار الأسد سيتجرّعها، والخشية أن هذا قد يعني تقديم سوريا هدية لنظام الولي الفقيه كما تم تقديم العراق بعد سنوات طويلة من تلفظ قائلها بها.

كَثُر المبعوثون الدوليون والأمميون لمعالجة القضية السورية؛ ولم يكن أيّ منهم ليلفت الانتباه، بحكم اللاجدوى والاستنقاع، لولا استحضار جيفري عبارة الخميني تلك، عندما عبّر الأخير عن غصّة إيرانية استراتيجية بسبب وقف الحرب مع العراق بالقول “كأنني أتجرّع كأس سم”. عبارة المبعوث اللافتة تقول “كأس السم جاهز، وبشار الأسد سيتجرّعها في الوقت المناسب”. تلك العبارة الصادمة للبعض أخرجها جيفري المبعوث الأميركي في لقاء له مع المعارضة السورية؛ فمَن هو جيفري ليستحضر واقعة كهذه، ويتلفظ بها بعد عقد زمني من الكارثة السورية، التي قال البعض إن أميركا كان بإمكانها وقفها بوقت قياسي؟

باستحضاره تلك الأيام، لا يطلق جيفري “عاصفة صحراء” مثل تلك التي شارك بهندستها منذ ثلاثة عقود؛ ولا يستعرض تخصصاته المتعددة في العلوم العسكرية وإدارة الأعمال والتاريخ؛ ولا من إتقانه لخمس لغات يفهمها ويتكلمها بطلاقة، ولا مما يمكن أن يُعتَبر عبقرية لولادته في الشهر الذي وُلد فيه كل من جورج واشنطن وأديسون ودارون، وغيرهم من ولادات فبراير شهر القادة الكبار، كما يعتقد البعض.

الإجهاز على الخصوم

جيفري يريد من النظام السوري ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب؛ كما ينص قانون قيصر كأحد الإجراءات التي على الأسد القيام بها لرفع العقوبات. ولكن المبعوث الأميركي يدرك أن النظام لا يعترف أصلاً بارتكابه جرائم حرب

جيفري أحد أفراد ذلك الطاقم الأميركي الذي تم إعداده في ستينات القرن الماضي وسبعيناته للإجهاز على الإمبراطورية السوفييتية وأذرعها. من هنا كانت مهمته الأولى في هنغاريا، وبعدها في ميونخ حيث كان المرجعية وممثل القوة الأعمق، ومن هنا كان المنسق الأعلى لمؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، الذي صُمِم لخنق “إمبراطورية الشر“، حسب تعبير الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغن.

في مسيرة الرجل، تشكّل تركيا، التي يجيد لغتها، محطة حساسة كجزء هام من جدار صد الناتو في وجه موسكو سابقاً ولاحقاً؛ فكان فيها سفيراً لبلده بغض النظر عن حزبية الإدارة القائمة، جمهورية كانت أم ديمقراطية. من هناك كان جيفري العين المطلّة على البوسنة كمستشار رئاسي، وكشريك في تطبيق اتفاق “دايتون». بعد مهمات ميدانية حساسة حول العالم يعود جيفري إلى واشنطن كنائب لمستشار الأمن القومي. بعدها مباشرة، يحطُّ الرحال بكل تلك الخبرات الميدانية في أرض العرب، ليكون من بين مؤسسي دولة السفارة الأميركية في العراق، بـ16000 موظف، وميزانية تتجاوز الـ6 مليارات دولار، وليكون سفير “أوباما الديمقراطي” في العراق 2010، بعد أن كان سفير “بوش الجمهوري” في تركيا 2008.

متغيرات مثيرة

زيارة لافروف الأخيرة إلى دمشق، تأتي بمثابة رد على الموقف الأميركي الذي عبّر عنه جيفري مؤخراً، ولكن يبدو أن اللقاء مع الأسد لم يأت كما يريد الأخير، ولذلك أشار إلى نجاح الطرفين بإحراز “حلّ مقبول”

لا يستذكر ويستحضر هذا النوع من الأشخاص كأس السم بلا سبب، ومن دون أن يكون قد ملأ يده من أن كأس الأسد أضحت متوفرة، ونوعية السم لا شفاء منها. يدرك، وهو الذي صَدَمَ من سمع تصريحه بأن أميركا لا تريد إسقاط الأسد بل تغيير سلوك النظام، وأن تلك النهاية قادمة حتماً؛ شرب الأسد الكأس أم لم يشربها. فأيّ نوع من السموم دخلت في تركيب ذلك السم؟

يعرف جيفري جيداً محتوى الكأس ومفاعيلها. فهو يريد من النظام في دمشق ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب؛ وهذا منصوص عليه في قانون قيصر كأحد الإجراءات التي على الأسد أن يقوم بها لرفع مفاعيل القانون. ولكن جيفري يدرك، أيضاً، أن النظام لا يعترف بمرتكبي جرائم حرب؛ ويستحيل أن يفعل ذلك، ولا يمكن أن يفتح على نفسه بابا كهذا؛ حيث مبدأ “الدومينو” يذهب بالنظام ككل.

يكرر جيفري أهم نقطة أتت في قانون قيصر، ألا وهي “إطلاق سراح المعتقلين والسماح بلجان تفتيش كي تُطِل على حالهم”، مدركاً أن نظام الأسد يرى فيهم رهائن للمساومة على بقائه؛ ومن هنا لا يعترف بوجودهم ولا بأفران معتقل صيدنايا، ولا يسمح بزيارة؛ فهو لا يعترف بذلك، حتى لحماته الروس. ومعروف أن خطيئته القاتلة كانت بالغفلة عن قيصر وتسريبه الآلاف من الصور التي جلبت له كل هذه المصيبة في قانون قيصر.

يطلب الدبلوماسي العسكري الداهية من نظام الأسد أن “ينخرط بالعملية السياسية من أجل تطبيق القرار الدولي 2254” معتبراً ذلك خطوة هامة لرفع عقوبات قانون قيصر؛ ولكنه مطلٌ تماماً على مسلك النظام تجاه العملية السياسية منذ سنوات، ويعرف أن دخوله الفعلي في العملية السياسية مؤشر على نهايته. ومن هنا لا يحتاج أن يذكر إسقاط الأسد بتصريحاته؛ فالسُّم موجود في كأس دخول العملية السياسية.

لم تخرج تصريحات جيفري عمّا احتوته قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها “وقف إطلاق النار” مدركاً أن “وقف النظام للأعمال العسكرية” هو تثبيت لفشل نهجه في مواجهة الثورة السورية وأن بسطه سيادته على الأرض السورية كما يعد داعميه أضحى مستحيلا؛ وتوقفه عن ذلك يعني أنه سيواجه حقيقة نهاية الحرب والوقوف أمام مطالب العيش المعدومة عند الحاضنة والمؤيدين.

خطاب موجه إلى الروس

جيفري يكلّف عادة بأدوار ذات حساسية خاصة، مثل عمله في تأسيس دولة السفارة الأميركية في العراق بـ 16000 موظف، ليكون سفير “أوباما الديمقراطي” في العراق، بعد أن كان سفير “بوش الجمهوري” في تركيا

في طلبه من الأسد “عدم حصار المناطق والسماح بالمساعدات للدخول إلى المناطق السورية المحتاجة” يتجاوز جيفري النظام ويرسل وخزة للروس تحديداً وللفيتو الذي استخدموه بخصوص المعابر. ومن هنا نشهد هجومهم عليه، واتهام أميركا بعرقلة الحل في سوريا؛ ليتضح أن ما ترتكبه موسكو تسعى لإلصاقه بالآخرين. من هنا جاءت عبارة جيفري المتعلقة بوعد الروس بمستنقع في سوريا.

ولذلك كانت زيارة لافروف ووفده الأخيرة إلى دمشق، بمثابة رد على الموقف الأميركي الذي عبّر عنه جيفري، وقد ضم وفد لافروف نائب رئيس الوزراء يوري بوريسوف الذي قال “إن موسكو تحاول مساعدة سوريا في كسر حصار اقتصادي سببته العقوبات الأميركية الجديدة، التي تمنع تدفق الاستثمار الأجنبي على الاقتصاد السوري“، مضيفاً أن هذه العقوبات ”لا تسمح بجذب الاستثمار إلى الاقتصاد السوري،

وفي واقع الأمر، هذا حصار». ويبدو أن اللقاء الروسي مع الأسد لم يأت كما كان يريد الأخير، ولذلك فإنه حين استقبل الوفد الروسي أشار إلى نجاح السوريين والروس بإحراز ”تقدّم في تحقيق حلّ مقبول للطرفين في العديد من القضايا“. فعن أيّ ”حل مقبول“ يتحدّث، وما هو الذي لم يكن ليقبل به كلّ منهما؟

وهنا لا يغيّب ما كتبته الصحفية الروسية ماريانا بيلينكا، مراسلة صحيفة ”كوميرسانت“ في دمشق، حين نقلت عن مصدر روسي قوله إنه “في حال لم يتجه نظام الأسد نحو الإصلاحات، فإنه سيبقى من دون أموال ومن دون جزء من سوريا، وهذا سيكون قراره».

زيادة على ذلك، فإن جيفري عندما يربط إعادة الإعمار في سوريا ورفع أيّ عقوبات اقتصادية بعودة حرة كريمة طوعية للاجئين، عارفاً كم هي موسكو توّاقة لجنى اقتصادي ومالي من إعادة الإعمار؛ فهو لا يجهّز فقط كأس السم للأسد، بل يحرم الذين يبحثون عن مكافأة مادية بعد كل الجرائم الموثقة التي ارتكبوها في سوريا من أيّ مردود إلا إذا تجرعوا كأساً من نوع آخر، وهو كأس الخيبة.

لم يُهزَم الاتحاد السوفييتي بحرب نووية ولا بصواريخ كروز، لقد خُنق بخيط قطن شدّه إلى عنقه، فشنق نفسه. وجيفري شاهد ومشارك وخبير بهذه الطريقة.

يحيى العريضي

كاتب سوري

اترك رد