الدين والسلطة والمحاولات التنويرية

شكلت العلاقة بين الدين والسلطة من جهة، ثم الدين والسياسة من جهة أخرى، واحدة من أكثر الإشكالات المطروحة في ساحة الفكر العالمي، على امتداد التاريخ البشري عالمياً، إذ لا توجد أمة أو شعب إلا وكان له جولات مع تلك العلاقة الإشكالية التي لم تزل تلقي بثقلها على حاضرنا، حتى اليوم، بما في ذلك الأمم التي قطعت شوطاً بعيداً في القطع مع تدخل الظاهرة الدينية في السياسة، ونعني بذلك أوروبا التي تمكنت عبر ثورات متلاحقة من إيجاد حل لمسألتها تلك، عبر فصل الدين عن الدولة، مع بقاء لعب الدين دوراً ما في السياسة، وهو أمر مختلف بين بلد وآخر، إذ نجد في ألمانيا أن الدين منفصل عن الدولة ولكنه حاضر في السياسة من خلال الأحزاب المسيحية، في حين إنه بعيد عن الدولة والسياسة في فرنسا المعروفة لكون نموذجها العلماني هو الأكثر تشدداً تجاه الدين. ومع ذلك، بقي الدين مسألة مطروحة بقوة، إذ شهدت العقود الأخيرة من عالمنا انتعاشاً لافتاً للديني والقومي، بالتزامن مع شيوع عصر ما بعد الحداثة الذي يسعى لإعطاء الروحي والميتافيزيقي والأسطوري حضوره في حياة الأمم والشعوب والأفراد، الأمر الذي يؤكد أن المسألة الدينية لم تزل تلقي بثقلها على عالمنا المضطرب بالإرهاب والعنصرية والإسلاموفوبيا التي باتت “سمة” بارزة من سمات عصرنا اليوم.

في الوقت الذي تناقش فيه أوروبا اليوم مسألة عودة الديني من عدمها إلى الحياة العامة والمدارس، ومدى ضرورة البعد الروحاني للإنسان أو عدم ضرورته، وذلك بعد أن اكتشفوا محدودية الحداثة التي لم تتمكن من إيجاد حلول لكثير من المسائل العالقة، حيث خضعت أوروبا خلال تاريخها الطويل إلى أشكال عدة للعلاقة مع الدين، من اللحظة التي كان فيها الدين والدولة/ السلطة أمراً واحداً حين كانت السلطة تأخذ مشروعيتها من الكنسية، وهي اللحظة التي تعرف بمرحلة العصور الوسطى المظلمة (وهي تشبه المرحلة التي يعيشها العالم الإسلامي والعربي اليوم) إلى لحظات الصدام بين الكنسية والمصلحين الدينيين التي تمثلت في حركة الإصلاح الديني التي قادها لوثر، إلى المعارك التي اندلعت بين التنوير الأوروبي والكنسية التي عانى فيها المتنورون الأوروبيون الظلم والاضطهاد والنفي إلى اللحظة التي انتصرت فيها الثورة الفرنسية ثم هزمت ثم عادت الحداثة وانتصرت على الكنيسة التي انكفأت إلى مجالها الروحي، فيما جرى الفصل بين الدين والدولة.

المسألة في العالم الإسلامي

في هذا الوقت الذي مرّت فيه أوروبا بهذه المراحل كلها التي ذكرنا، ما يزال العالم الإسلامي يعيش تحت وطأة الديني الذي يسيطر على المجال العام، سواء بشكل مباشر وفج أم عن طريق السلطات التي تستغل الديني وتوظفه في خدمة بقائها وهيمنتها، إذ إن هذه السلطات فشلت في كل شيء بدءاً من التنمية وليس انتهاء بالثورة والشعارات الكبرى التي طرحتها، لم يبق لها إلا الملاذ الديني العميق لكي يعطيها الشرعية، ولذا هي توليه كل اهتمام كي تبقيه في حيز هيمنتها، الأمر الذي يعني أن علاقة الدين مع السلطة في العالم العربي لم تتغير منذ هيمن معاوية بن أبي سفيان على السلطة في دمشق؛ لتنطلق الدولة الأموية التي ربطت بين الدين والسلطة، واستخدمت الدين أيديولوجيا لكسب الشرعية، إذ عملت السلطات على مأسسة الدين وتأطيره بغية هدف واحد وهو خدمة السلطة، بكل ما يعني ذلك من تضخم البعد الطقوسي والشعبوي في الدين بعيداً عن جانبه الروحي والعقلاني.

محاولات تاريخية لإبعاد الدين عن السلطة

حدث في التاريخ الإسلامي مقاومة لهذا البعد الواحد في الدين، مقاومة نجدها في الحركات الصوفية والمعتزلة والتيار العقلاني الذي حاول ابن رشد تأسيسه، حين ساد في التاريخ الإسلامي مدّة قصيرة تعدد وتنوع وانفتاح على الفكر والثقافة والفلسفة الإغريقية ثم هزم هذا البعد على يد الأصوليين الذين ما يزالون يهيمنون على الساحة العربية، وهي لحظة يمكن أن نؤسس لها بنص الاعتقاد القادري في القرن الحادي عشر، إذ أغلق باب الاجتهاد والتنوع لمصلحة الأحادية الأرثوذكسية، ونعني بذلك نص الخليفة القادر بالله الذي قرأ في جوامع بغداد عام 1017 وفيه إدانة قاطعة للمعتزلة ومسألة خلق القرآن الشهيرة، حيث استبيحت دماؤهم وأرواحهم وألحق بهم المتصوفة، إذ تمثل نهاية الحلاج المأسوية ذروة ما حصل لهم، ليغلق بذلك التنوع والتعدد والاجتهاد الذي أدى لاحقاً إلى هزيمة الحضارة العربية الإسلامية وخروج العرب والمسلمين من التاريخ والمساهمة الفاعلة في الحضارة إلى اليوم، إذ بلغ الأمر بعالمنا الإسلامي ذروته التراجيدية التي تمثلت في نماذج كجبهة الإنقاذ في الجزائر والقاعدة وطالبان في أفغانستان وأحدث 11 أيلول/ سبتمبر التي أصبح ما بعدها غير ما قبلها لجهة النظر إلى الإسلام عالمياً، فبات هو “العدو” (وهذا يحصل نتاج تلاقي أصوليتين، الأصولية الإسلامية الصاعدة من جهتنا والأصولية اليمينية اليهودية والمسيحية الصاعدة من جهة الغرب)، وأخيراً ظاهرة داعش التي تمثل الحضيض الذي وصلنا إليه، الأمر الذي يوضح مدى الحاجة الضرورية والملحة إلى الخروج من هذا النفق الذي نرقد فيه، ولكن كيف؟

الإصلاح الديني العميق والجذري

يؤكد الباحث الراحل محمد أركون والمفكر هاشم صالح والمفكر الراحل جورج طرابيشي وغيرهم، في أبحاثهم وكتبهم كافة ضرورة إخضاع التراث الإسلامي لكل ما أخضع له التراث المسيحي واليهودي، أي تطبيق أحدث المنهجيات العلمية (آخر ما توصل إليه علم النفس والأنثروبولوجيا ودراسة التاريخ وعلم الألسنيات) لتقدم قراءة مستنيرة للإسلام والنص القرآني والحديث النبوي، مؤكدين ضرورة القراءة التاريخية العلمية للنصوص المؤسسة للإسلام ولكامل التراث الديني الإسلامي للخروج من هذا النفق الذي تمكنت أوروبا الخروج منه، وذلك بهدف إعادة البعد التعددي للإسلام من جهة، ولجهة تفكيك الانغلاقات أو السجون الدوغمائية التي سجن الإسلامويون الإسلامَ فيه، وذلك عبر اعتماد منهجية المقارنة، فـ”بالمقارنة تتوضح الأشياء” وفق ما يقول أركون، داعياً بذلك إلى تأسيس علم الأديان المقارن لمقارنة الديانات التوحيدية الثلاث (المسيحية واليهودية والإسلامية) ببعضها، ولإخضاع الإسلام وتراثه لمثل ما أخضع له تراث اليهودية والمسيحية، وذلك أيضاً بهدف الخروج من مسألة الفرقة الناجية التي تعتقد كل فئة دينية في العالم الإسلامي أنها تمثلها، ناظرة إلى الفئة الأخرى أنها في “النار” فيما مفاتيح الجنة بين يديها.

من هنا ينطلق البعد الأول للحروب الأهلية التي عرفها التاريخ الإسلامي وما يزال، إذ تنغلق كل فئة أو طائفة داخل نصوصها/ سجونها الدوغمائية، مكتفية بها. وهذا أمر لا يمكن الخروج منه من دون تأسيس علم الأديان المقارن داخل الدين الواحد ومن ثم مع الأديان الأخرى، بما في ذلك الأديان غير التوحيدية، ومن ثم تقديم قراءات مستنيرة للنص القرآني على نحو ما فعل أركون ونصر حامد أبو زيد، وذلك لإغناء البعد الروحاني في الإسلام من دون الاكتفاء بجانبه الطقوسي والشعائري والصوفي، وهي الاتجاهات التي تعمل سلطات اليوم على تغذيتها وتوليدها لأنها تستمد مشروعيتها الدينية والسياسية منها، إذ لا مشروعية ديمقراطية في العالم الإسلامي، حيث لم تصبح الحداثة (الديمقراطية وحقوق الإنسان وتداول السلطة) مرجعية للسلطة بعد أن فشلت في تحقيق ما رفعته من شعارات، إذ تتنافس السلطة في العالم الإسلامي اليوم مع الأصولية الدينية على الدين، بغية توظيفه في خدمتها، وكل منهم لأجندتها الخاصة.

النهضة؛ محاولة إصلاحية لم تنجح

منذ عام 1880 حتى عام 1940 حاول التيار الليبرالي الذي كان له بعض الحضور في العالم العربي والإسلامي أن يؤسس لنهضة إسلامية، إذ أدى احتكاك العالم الإسلامي مع الغرب بعد دخول الإمبراطورية العثمانية أيامها الأخيرة، إلى بروز أسئلة من نوع: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟.

وقد عبّرت هذه الهواجس عن نفسها في كتابات عدد من المصلحين والمفكرين والمثقفين الذين هالهم الفارق الحضاري بين العالم الإسلامي والغرب، مثل رفاعة الطهطاوي (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) وعبد الرحمن الكواكبي (طبائع الاستبداد) وعلي عبد الرزاق (الإسلام وأصول الحكم) ومحمد عبده والأفغاني وفرح أنطون وشبلي شميل وشكيب أرسلان (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟) وطه حسين (نقد الشعر الجاهلي)، إذ حاول الأخير نقل منهج ديكارت في الشك وتطبيقه على التراث الإسلامي فاصطدم بالأصولية الدينية التي كانت مهيمنة، لتُهزم في نهاية المطاف النهضة العربية والإسلامية التي كان يمكن لها أن تؤسس للحظة انطلاق وانخراط العرب في عالم الحداثة، وهي اللحظة التي تحتاج إلى مزيد من الدراسات لكي نفهم لماذا هزمت، علنا نستفيد من تلك الهزيمة في التأسيس مجدداً للتيارات العقلانية في البلدان الإسلامية، أوليست هزيمة طه حسين امتداداً ومحاكاة لهزيمة المعتزلة قبل ألف سنة من اليوم؟

الدين اليوم بين السلطة والأصولية

أحد أسباب هزيمة النهضة هي هزيمة التيار الليبرالي أمام المد القومي والشعبوي الذي ضرب المنطقة بعد الثورة السوفياتية،  وفي هذا الأمر يمكن أن نقول كثيراً يحتاج إلى دراسات متخصصة أيضاً، ونعني سبب هزيمة الليبرالية العربية والإسلامية لمصلحة المد القومي والشعبوي الذي وجد في شعارات محاربة الاستعمار والثورة وتحقيق الاستقلال متكآت كثيرة له للانتعاش، وقد حقق العالمين العربي والإسلامي خطوات جيدة في هذا السياق قبل أن يتغير الطريق مرة أخرى، إذ بعد ثلاثين عاماً فقط تبين أن الثورة لم تتحقق والتنمية الموعودة باتت سراباً والحداثة الفكرية لم تطرق أبواب العالم العربي والإسلامي، فيما وجدت الحداثة المادية طريقها إلينا عبر بوابة الاستهلاك بعيداً عن الإنتاج والصناعة، فغدا نمط الإنتاج مشوهاً وزاد من تشوهه مؤخراً الاستبداد المحلي من جهة وجنوح العولمة نحو مزيد من المضاربة (بعيداً عن الإنتاج) وتحويل بلدان العالم الثالث إلى محض أسواق لبضائع الشركات العابرة للقارات فتدمر الزراعة والصناعة في بلدان العالم الثالث وهاجر ملايين الفقراء من الأرياف إلى المدن وتضاعف عدد السكان ثلاث مرات من دون أن يؤخذ الأمر بالحسبان، فتزايد عدد العاطلين عن العمل، وأضيف هؤلاء إلى أحزمة الفقر التي أحاطت بالمدن الكبرى، لتولد في خضم هذا كله، مسألة الأصولية التي بدأت بالتصاعد منذ نصف قرن تقريباً، من جراء فشل المشروعات القومية والاشتراكية والليبرالية، ومن جراء فشل الدولة وسلطات ما بعد الاستقلال في التعامل مع المسألة الدينية، إذ لم تعطِ الاهتمام اللازم في برنامج أنظمة ما بعد الاستقلال كما لم تولِ المسألة الاقتصادية الاجتماعية الأهمية التي تستحق، فبات الطريق معبداً للسلطات “الثورية” التي عملت على تحقيق التنمية السريعة عبر سياسة حرق المراحل مستلهمة في أغلبها النموذج الاشتراكي، في حين سعت الأنظمة التي لم تعتمد هذا النموذج لتوظيف الدين في خدمة بقائها، ما يعني أن الطرفين عملا على تأميم الدين لتوظيفه في خدمة البقاء، وزادت الحاجة إلى توظيف الدين بعد فشل السلطات العربية في بناء مشروعية سياسية حداثية، أي إن تستمد مشروعيتها من صندوق الانتخاب واحترام حقوق الإنسان، وهكذا غدا الدين أحد العوامل التي تستمد تلك النظم مشروعيتها منها، إضافة إلى العنف وعوامل أخرى تختلف بين بلد وآخر بالطبع.

هنا في هذه اللحظة غدا التنافس بين الأصولية الدينية والأصولية السياسية (الاستبداد) على الدين، من دون أن يقدم أي منهما للدين أي شيء، بل على الرغم من صراعهما التناحري إلا أنهما يتفقان على تعميم الدين الطقوسي الشعائري المخدّر للعقول بعيداً عن التعددية الدينية التي يخشى الطرفان أن تؤدي إلى التعددية السياسية من جهة وإلى قراءة مستنيرة للنص القرآني والحديث النبوي من جهة أخرى، ما يؤثر في إمكانية استخدام الدين ورقة في الصراع على السلطة.

إذ يعمل الاستبداد على تشجيع الدين ذي الأبعاد الصوفية لكن بعد نزع أسئلة الشك منه، وأيضاً على تشجيع الدين الشعبوي المراقب والمقنن عبر شيوخ الجوامع الموظفين لدى السلطة أساساً، في حين تعمل الأصولية الدينية على تعزيز نموذجها الراديكالي والمتعصب، من دون أن يهتم أي منهما بالدين بوصفه بعداً روحياً متعالياً على السياسة، فالدين لدى الطرفين محض أداة كي يقول كل منهما: أنا صاحب الدين الحق، وهذا في جوهره استمرار لحديث الطائفة أو الفرقة الناجية في الإسلام، ما يوضح لنا استمرار هذا الخط الواحد من علاقة الدين بالسلطة منذ تسلم معاوية الحكم حتى اليوم، وأنه يصعب الخروج من هذا السجن الكبير ما لم نجد حلاً لتلك لانغلاقات والانسدادات المتراكمة كلها.

ويضاف إلى الأصوليتين الدينية والسياسية الأصولية الغربية التي تعمل على عدِّ الإسلام العدو من جهة وعلى خيانة قيم التنوير والحداثة من جهة أخرى، حين يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي أو دول العالم الثالث، إذ ما كان يمكن لهذه الأنظمة أن تستمر لولا تغاضي الغرب عن استبدادها ودعمها وتغطيتها دولياً، فضلاً عن بيع السلاح ومعدات القتل والتنصت على الشعوب، وهنا تجري التضحية بحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية من الغرب مقابل المصالح، الأمر الذي يزيد من مسألة الانسداد التاريخي في العالم العربي، هذا الانسداد الذي لا يمكن الخروج منه من دون العمل على إعادة إحياء التيار العقلاني في الإسلام، ونعني به تيار المعتزلة وابن رشد وذلك عبر إعادة إحياء الاجتهاد وفصل الدين عن الدولة والتخلي عن الموروث اللاعقلاني كله، أي نزع الدين/ الإسلام بوصفه سلاحاً من يد الأنظمة من جهة والأصولية الغربية من جهة والأصولية الإسلامية من جهة، فهل يسلك المسلمون هذا الطريق أم يواصلون طريق التدمير الذاتي لأنفسهم ولدينهم على السواء؟

المراجع

محمد أركون، تحرير الوعي الإسلامي.

محمد اركون، الأنسنة والإسلام.

جورج طرابيشي، هرطقات 2: العلمانية كإشكالية إسلامية إسلامية.

جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.

سعيد ناشيد، الحداثة والقرآن.

عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد.

رفاعة الطهطاوي: تخليص الأبريز في تلخيص باريز.

شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون وتقدم الغرب؟

طه حسين، في الشعر الجاهلي.

هاشم صالح، معضلة الأصولية الإسلامية.

مركز مينا للدراسات المعاصرة

اترك رد