أطفال سورية… طفولة ضائعة ومستقبل مجهول

“وحدهم الأطفال في سورية يتحملون الجزء الأكبر من المأساة، رغم أنهم لا علاقة لهم على الإطلاق بهذا النزاع، لكنهم يتحملون وطأة الصراع، جيل كامل من الأطفال لم يعرف شيئًا الآن سوى الحرب، فكيف يمكن أن يكون هذا شيئًا جيدًا لأي شخص؟”. بهذه الكلمات اختصرت المتحدثة باسم منظمة (يونيسف) ماريكسي ميركادو مأساة الأطفال في سورية([1]).

 وعن هذه المأساة، تقول المديرة التنفيذية لـ (يونيسف) هنريتّا فور: “لقد فشلت الأطراف المتحاربة ومن يدعمونها في إنهاء سفك الدماء في سورية”. وتضيف: “إن رسالتنا واضحة: أوقفوا ضرب المدارس والمستشفيات. أوقفوا قتل وتشويه الأطفال. امنحونا إمكانية الوصول عبر خطوط القتال وعبر الحدود، فهذا ما نحتاج إليه للوصول إلى المحتاجين. لقد فاقت معاناة الأطفال كلّ حدّ وطال أمدها كثيرًا”([2]).

هذه المأساة التي طالت كثيرًا وفاقت كل حد، كما تقول السيدة فور، تتعدد أشكالها وصعدها وتتضمن: القتل، التشويه، التشرد، التدهور المعيشي، التدهور الصحي، التجنيد، العنف الجنسي، الاستغلال وعمالة الأطفال، وسواها امن الانتهاكات العنيفة لحقوق الأطفال.

انتهاكات ترتكبها جميع الأطراف:

في أواسط كانون الثاني/ يناير من العام الحالي، أصدرت “اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الجمهورية العربية السورية” التابعة للأمم المتحدة تقريرًا بعنوان “لقد محوا أحلام أطفالي“، يستند إلى حوالي خمسة آلاف مقابلة، أجريت بين 2011 و2019 مع أطفال سوريين وشهود عيان وأقارب وناجين ومهنيين طبيين ومنشقين وأعضاء من المجموعات المسلحة وعاملين في مجال الرعاية الصحية ومحامين وأعضاء المجتمعات المتأثرة، حول الانتهاكات الصارخة لحقوق الأطفال التي ارتكبتها أطراف النزاع، وقد وثقت اللجنة وجود انتهاكات تبلغ حد جرائم الحرب، كالقتل والتعذيب والمعاملة السيئة والاعتداء على الكرامة الشخصية، قامت بها القوات الحكومية والقوات الموالية لها في مناطق مكتظة بالسكان، بدون هدف عسكري واضح، أو نفذتها الجماعات المسلحة المعارضة، كما فعل تنظيم (داعش) الإرهابي الذي أعدم مقاتلوه أطفالًا في الساحات العامة، وأجبروا فتيات لا تزيد أعمارهن عن 14 عامًا على الزواج من عناصر التنظيم، في الفترة بين 2016 و2019. وجاء في التقرير أيضًا أن الجماعات المسلحة استخدمت المدارس لأغراض عسكرية، وأن الأطفال تعرضوا للاحتجاز، واستُخدموا كأوراق مساومة في عمليات تبادل الأسرى أو الحصول على الفدية.

وفي بيان نائب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في 12 آذار/ مارس 2018، في الدورة 37 لمجلس حقوق الإنسان، ورد أنّ “نطاق الجرائم المرتكبة ضدّ الأطفال وخطورتها وحجمها المروع. وتنتهك السلطات السوريّة تمامًا، كما الجماعات المسلّحة، حقوق الإنسان والقانون الإنسانيّ الدوليّ بشكلٍ يؤثر على الأطفال أو يستهدفهم أيضًا. ويتمّ توقيف الأطفال واحتجازهم، لارتباط أسرهم المزعوم بالقوات المسلّحة المعارضة. أمّا الفتيات، فيتعرضن على وجه الخصوص للعنف الجنسي على أيدي الجماعات المسلّحة، ويشمل ذلك الاغتصاب والزواج القسري والاسترقاق الجنسي”([3]).

وقد قال باولو بينيرو (رئيس لجنة التحقيق) في مؤتمر عُقد في جنيف، في 16 كانون الثاني/ يناير 2020: “هالني تجاهل جميع الأطراف المتورطة في النزاع لقوانين الحرب واتفاقية حقوق الطفل بشكل صارخ”، وأكد أن هذه الانتهاكات تؤثر على أجيال كثيرة في المستقبل ([4]).

ملايين من الأطفال لا يعرفون سوى الحرب:

في بيان صحفي في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2018، قالت (يونيسف) إن نصف أطفال سورية لا يعرفون غير العنف، مع اقتراب العام الثامن للأزمة،وفي هذا الشأن، قالت هنريتا فور: “كل طفل في الثامنة من العمر في سورية نما وسط المخاطر والدمار والموت. هؤلاء الأطفال يجب أن تسنح لهم فرصة العودة إلى المدرسة، والحصول على اللقاحات والشعور بالأمان والحماية. ويجب أن نكون قادرين على مساعدتهم”([5]).

 وقد أفادت (يونيسف) في مذكرتها، في 15 آذار/ مارس 2020،بأن 4.8 ملايين طفل تقريبًا وُلدوا أثناء الحرب في سورية، كما ولد مليون طفل سوري في ملاجئ دول الجوار([6]). وعلاوة على ذلك، هناك نسبة لا يُستهان بها من الأطفال قد وُلِدُوا في إبّان الحرب السورية، ولم يتم تسجيلهم في السجلات الرسمية، وبعضهم تم تسجيله باعتباره “مجهول الأب”، لأن والده محسوب على قوى المعارضة، حيث لا تجرؤ أم المولود، وفقًا لتقارير عديدة، على التصريح بذلك، خشية الاعتقال([7]).

القتل والتشويه:

تفيد مذكرة (يونيسف) الآنفة الذكربأن5,427 طفلًا قد قُتلوا حتى تاريخ صدورها، أي بمعدل طفل واحد كل عشر ساعات، منذ بداية الرصد، وأصيب 3,639 طفلًا بجراح نتيجة النزاع([8]).

وفي تقرير لـ (يونيسف) نشرته صحيفة “الجارديان” البريطانية في 12 آذار/ مارس 2018، قال جيرت كابيلير المدير الإقليمي لـ (يونيسف) لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: “هناك آثار جروح في الأطفال، وهناك ندبات على أجسادهم لن تزول أبدًا، إن حماية الأطفال لم يلتزم بها أي من أطراف النزاع في سورية([9])“. وتختتم (يونيسف) تقريرها ذاك بالقول: “إن التأثير النفسي على الأجيال الشابة التي قضت نصف حياتها على الأقل، في صراع وحرمان من الغذاء الكافي والتعليم والرعاية الصحية، هو من أصعب أنواع المخاطر التي يجب وضعها في الاعتبار”([10]).

التشرد:

 في بيان لـ (يونيسف) في21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 حذر فران إكويزا ممثل (يونيسف) لحماية الطفولة في سورية من أن حجم الأزمة وشدتها وتعقيدها، بالنسبة إلى الأطفال في البلاد اليوم، صار مذهلًا مع وجود أكثر من 5 ملايين طفل في حاجة إلى المساعدة الإنسانية داخل سورية، من بينهم 2,6 مليون من الأطفال النازحين داخليًا ([11])، أما في دول الجوار فقد بلغ عدد الأطفال المسجلين أكثر من 2,5 مليون، وهناك حوالي 10 آلاف لاجئ سوري من الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن ذويهم، ما يجعل هؤلاء الأطفال في وضع هشّ وعرضة للاستغلال بطرق مختلفة، من بينها عمالة الأطفال، لعدم وجود وثائق قانونية، وفقًا لتقرير (يونيسف) في آب/ أغسطس 2019([12]). وقد وذكرت (يونيسف) أيضًا، وفقًا لموقع (سبوتنيك) الروسي الإخباري، في 20 شباط/ فبراير 2020، أن “أعمال العنف في شمال غرب سورية أدت إلى تشريد أكثر من 500 ألف طفل، منذ 1 كانون الأول/ ديسمبر 2019، ما أجبر عشرات آلاف الأطفال وعائلاتهم على العيش في خيام معرضة للرياح، وسط طقس بارد وأمطار”([13]).

التدهور المعيشي:

في 26 حزيران/ يونيو 2020، حذرت وكالات إغاثة تابعة للأمم المتحدة من أن سورية تواجه أزمة غذاء غير مسبوقة، حيث يفتقر أكثر من 9٫3 مليون شخص فيها إلى الغذاء الكافي، في وقت قد يتسارع فيه تفشي فيروس كورونا بالبلاد. فيما أفاد برنامج الأغذية العالمي في جنيف بأن عدد الأشخاص الذين يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع 1٫4 مليون، في غضون الأشهر الستة المنصرمة.

وفي لقاء صحفي، قالت أكجمال ماجتيموفا (ممثلة منظمة الصحة العالمية في سورية): بعد تسع سنوات من الصراع المسلح، يعيش أكثر من 90 بالمئة من سكان سورية تحت خط الفقر البالغ دولارين في اليوم، بينما تتزايد الاحتياجات الإنسانية([14]). وهذه الظروف الكارثية تدفع الأطفال إلى اتخاذ تدابير قصوى للبقاء على قيد الحياة -مثل التوجه إلى عمالة الأطفال وزواج الأطفال والتجنيد للقتال- وذلك لمساعدة أفراد عائلاتهم في سد الرمق([15]).

ومنذ أواسط العام الماضي، تضاعف انهيار الليرة أربع مرات على الأقل، وتضاعفت معه الأسعار، فيما بقيت دخول الغالبية العظمى من المواطنين على حالها، وما يزال التدهور في الأحوال المعيشية لهؤلاء المواطنين مستمرًا، وقد بات أكثرهم مرغمًا على العيش بدخل لا يكاد يبلغ عُشر المطلوب، وهذه الظروف تعانيها بحدة كل الشرائح العمرية، وتزداد حدتها أكثر على الأطفال، لكونهم ما يزالون في مرحلة التأسيس البدني والنفسي والاجتماعي، ويحتاجون إلى ضرورات خاصة، لم تعد الأسرة السورية قادرة على تغطية مصاريفها، وهكذا لم يعد الطفل السوري -حتى في المناطق التي لم تشهد عنفًا حربيًا- محرومًا فقط من رفاهيات الطفولة، بل بات أيضًا مهددًا في حاجاته الغذائية والطبية والتربوية وسواها من الحاجات الرئيسة، بل صار كثير من الأطفال يعيشون في أسر مفككة، نتيجة ظروف الحياة الصعبة التي تنعكس بشدة على العلاقة بين الوالدين، وتؤدي في العديد من الأحيان إلى الطلاق، وهذا كثيرًا ما يؤدي بدوره إلى اضطراب في شخصيات الأطفال ونموهم النفسي والاجتماعي بشكل مشوه.

التدهور الصحي:                                                                                                                              

وفقا لمذكرة (يونيسف) المنشورة على موقع المنظمة، في 15 آذار/ مارس 2020، تعرَّض حوالي 1,000 مرفق تعليميّ وطبيّ للهجمات، بين عامي 2014 و2019، فيما يحتاج أكثر من ثلثي الأطفال الذين يعانون إعاقات جسديّة أو عقلية إلى خدمات متخصصة غير متوفرة في منطقتهم([16]).

ووفقًا لدراسة قامت بها منظمة “أنقذوا الأطفال”، فإن 5.8 ملايين طفل في سورية بحاجة إلى مساعدة نفسية، بسبب الحرب المستمرة منذ عام 2011، وقد حذرت الدراسة من أن سورية تشهد أزمة عامة في الصحة النفسية، حيث تم تسجيل معدلات مفزعة من الصدمات النفسية الحادة والمزمنة بين الأطفال، إذ ظهرت أعراض الصدمات والاضطرابات النفسية، مثل التبول اللاإرادي، وفقدان القدرة على الكلام، والعنف والإدمان على المخدرات، على70 % من الأطفال الذين شملتهم الدراسة([17]).

التجنيد:

وفقا لما ذكرته (يونيسف) في آذار/ مارس 2020، فقد تم حتى ذلك الوقت تجنيد حوالي 5,000 طفل في القتال، لا يتجاوز عمر بعضهم سبع سنوات([18]). وهذا التجنيد تقوم به أطراف مختلفة، فقد قالت (هيومن رايتس ووتش) في 3 آب/ أغسطس 2018 إن “وحدات حماية الشعب” في شمال شرق سورية تجنّد الأطفال، وبينهم فتيات، وتستخدم بعضهم في الأعمال القتالية، رغم تعهداتها بوقف هذه الممارسة، وقد وجد التقرير السنوي للأمم المتحدة عن الأطفال في النزاعات المسلحة 224 حالة تجنيد أطفال من قبل “وحدات حماية الشعب” ووحدتها النسائية عام 2017، بزيادة تقارب 5 أضعاف عن العام السابق، وكان 72 من الأطفال (الثلث تقريبًا) من الفتيات، وفي 3 حالات على الأقل، اختطفت القوات الأطفال لتجنيدهم([19])؛ وقد أفاد تقرير للبنتاغون في 3 أيلول/ سبتمبر 2020 بأن “قوات سوريا الديمقراطية” تواصل تجنيد الأطفال قسرًا([20]).

تنظيم (داعش) لم يتوان هو الآ خر عن تجنيد الأطفال اليتامى والمهجورين والمختطفين، وقد أطلق عليهم تسمية “أشبال الخلافة” جامعًا بين التشدد الديني والتدريب العسكري في إعدادهم، إضافة إلى أن حالة السأم والضجر التي أصابت بعض الأطفال، من جراء العمل ساعات طويلة في بعض الأعمال الشاقة، في بعض مناطق سيطرة بعض الفصائل، جعلتهم ينجذبون نحو الأجور المغرية التي يحصلون عليها من جراء الانخراط في ساحات القتال في صفوف هؤلاء المسلحين([21]). والبعض منهم دفعته ظروف المعيشة القاسية إلى الانضمام إلى القتال لمساعدة أسرهم النازحة على سد رمقها[22]).

والإيرانيون أيضًا – وفقا لما نشرته بوابة “العين الإخبارية” الإماراتية في 2018/7/10- أنشؤوا أيضا “أشبالًا للخلافة”، بطريقتهم الخاصة في 6 معسكرات لتجنيد الأطفال في سورية([23]).

الروس بدورهم -كما يقول فايز سارة- جنّدوا أطفالًا من الأيتام السوريين، وألحقوا بعضهم بكليات عسكرية روسية بهدف تأهيلهم ليكونوا ضباطًا يعودون للخدمة في الجيش السوري، ويكونوا بين قادته في المستقبل، بحسب ما أكدت مصادر روسية رسمية، وكذلك أيضا زجت ميليشيات “حزب الله” اللبناني بأيتام سوريين في دورات معسكراتها التدريبية في قاعدتها بمدينة القصير، ليكونوا لاحقًا بين أعضاء ومقاتلي الحزب، كما أن بعض الفصائل المعارضة في الشمال قامت بتجنيد الأطفال في مراحل مختلفة وإشراكهم في القتال، لكن الأخطر في ما قامت به كان إرسال بعضهم إلى ليبيا، للقتال إلى جانب أحد أطراف الصراع الليبي هناك([24]).

العنف الجنسي:

العنف الجنسي هو أحد أشكال الإجرام المقيتة الشائعة أثناء الحروب، ويقترف هذا الفعل الشائن جنودٌ في الجيوش الرسمية أو مقاتلون في ميليشيات مسلحة، وفي الحرب السورية، هناك أحاديث كثيرة عن حالات عنف جنسي وقعت خلال النزاع، وكان ضحاياها من البالغين أو الأطفال، ومن الجنسين أحيانًا، ولكن بسبب حساسية هذا الأمر الخطير على كرامة الضحايا، فالمعطيات عن هذا الموضوع قليلة.

مع ذلك، ففي نشرة للأمانة العامة للأمم المتحدة عام 2014 حول «الأطفال والصراع المسلح في سورية»، يؤكد المحققون أن “الأمم المتحدة جمعت أدلة على ممارسة عنف جنسي بحق الأطفال المحتجزين لدى القوات الحكومية في المعتقلات الرسمية والسرية”([25]). وتشير الأدلة التي جمعتها في 2013 “اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الجمهورية العربية السورية” إلى أن العنف الجنسي أصبح روتينيًا في عمليات قوى الأمن، كما تمارسه أيضًا قوات المعارضة المسلحة([26]). ويُعدّ الزواج القسري أيضًا عنفًا جنسيًا، ويبلغ حد جرائم الحرب، وفي الفترة بين 2016 و2019 – كما ورد في تقرير “لقد محوا أحلام أطفالي” (المذكور أعلاه)، أرغم عناصر (داعش) فتيات لا تزيد أعمارهن عن 14 عاما على الزواج منهم([27]).

الاعتقال والاحتجاز:

لا يقتصر احتجاز الأطفال وتوقيفهم على طرف دون آخر، حيث يتم احتجاز الأطفال من قبل القوات النظامية، بذريعة ارتباط أسرهم بالقوات المسلّحة المعارضة، أو بهدف الحصول على اعترافات بالقوة، أو الضغط على أحد الوالدين لتسليم نفسه، فيما يتم احتجازهم من قبل الجماعات المسلحة، للمساومة عليهم في عمليات تبادل الأسرى أو الحصول على الفدية ([28]). وكثيرًا ما يعرّض هذا الاحتجاز الفتيات بشكل خاص للعنف الجنسي، ويمكن أن ينال أطفالًا من شرائح عمرية مختلفة، فقد أشارت تقارير تلقتها وكالة الأمم المتحدة إلى وجود أطفال معتقلين في مراكز احتجاز في الشمال الشرقي من سورية، وأفادت هذه التقارير بأن ما لا يقل عن 250 طفلًا -بعضهم لا يزيد عمره عن سن التاسعة- معتقلون في مراكز احتجاز منتشرة في جميع أنحاء الشمال الشرقي، ولكن ليس هناك إحداثيات حول مواقعها، بحسب ما ذُكر([29]).

الزواج النفعي والتفكك الأسري:

ازدادت خلال الحرب في سورية حالات الطلاق بشكل لافت للنظر، وترتبط أسباب هذه الزيادة، على اختلافها، بالأزمة الراهنة، ففي بعض الأحيان يكون سبب المشكلة اختفاء الرجال فترات طويلة عن بيوتهم، حيث تم مثلًا تسجيل نحو 6946 حالة طلاق، تحت بند “دعوى تفريق لعلة الغياب”، كما ذكر موقع “الحل” السوري في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وهذا السبب لم يكن شائعًا قبل 2011، وبحسب إحصائيات القصر العدلي في دمشق حول معدلات الزواج والطلاق، فإن نسبة الطلاق ارتفعت عام 2017 إلى 31%([30])، وقد عزت الاستشارية التربوية والأسرية نورا نحاس، في حديثها للموقع المذكور، أسباب هذه الظاهرة، إلى ظروف الحرب والنزوح والتهجير، ومن ذلك مثلًا تحول الزواج في بعض الأحيان إلى “مصدر للرزق” و”النفع المادي”، حيث تقوم بعض الأسر بتزويج فتياتهنّ لرجال أثرياء، من دون مراعاة للفوارق العمرية والاجتماعية، وقالت نحاس: “شاهدت حالات فعلية تعرضت من خلالها الفتيات للتزويج من 4 أو 5 رجال، بغرض الحصول على مهر جديد، وبهذا يتعرضن للطلاق مرارًا، من دون مراعاة لمشاعرهنّ ونفسيتهنّ”([31]). وغني عن الشرح أن الفتيات اللواتي يتحولن إلى “سلع تجارية في السوق الزواجية” كثيرًا ما يكنّ في عمر الطفولة.

وقد أشارت الباحثة الاجتماعية من جامعة دمشق هبة الهندي، في حديث إلى موقع “سبوتنيك” نُشر في 9 أيلول/ سبتمبر 2016، إلى “أن نسبة زواج القاصرات ارتفعت بمعدل 200 معاملة يوميًا، في جميع المحافظات السورية، وذلك نتيجة تفكير خاطئ خلفته الأزمة بأن زواج الفتاة يخفف أعباءها المادية عن أسرتها، وينقلها إلى كنف رجل آخر قد يكبرها بكثير، الأمر الذي يشير إلى ركائز هشة تبنى عليها الأسرة السورية اليوم”، كما أشارت أيضًا إلى أن نسبة الزواج العرفي، في محافظتي دمشق وريفها، بلغت 90 %، بحسب القاضي الشرعي محمد شريف منير. وأوضحت الهندي أن “العوامل التي لعبت دورًا سلبيًا في تفكيك الأسرة السورية هي الوضع الاقتصادي والاضطرابات الأمنية، إضافة إلى التهجير ولجوء بعض الأسر إلى العيش ضمن مراكز إقامة مؤقتة جماعية وغير ذلك”، وقالت إن خطورة ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع السوري اليوم تكمن في المرتبة الأولى بضياع الأطفال وتشردهم، والحصول على جيل يتسم بهوية اجتماعية وذاتية مضطربة لا يتمتع بالأهلية اللازمة لبناء مستقبل أفضل لمجتمعه، وبناء وطن قادر على مواجهة التحديات”([32]).

تعذر التعليم أو تدني مستواه:

تقول (يونيسف) في مذكرتها في 15 آذار/ مارس 2020، إن حوالي 1,000 مرفق تعليميّ وطبيّ قد تعرضوا للهجمات، وأن اثنتين من كل خمس مدارس لا يمكن استخدامها، إما لأنها تعرّضت للدمار أو الضرر، وإما لإيوائها عائلات نازحة وإما لأنها استُخدمت لأغراض عسكرية، وأن أكثر من 2,8 مليون طفل داخل سورية وفي دول الجوار لا يذهبون إلى المدارس([33]).

وكانت (يونيسف) قد أعلنت، في الأعوام القليلة الماضية، أن أكثر من 145 مدرسة في سورية قد تعرضت للقصف، وأن حوالي 7400 مدرسة مغلقة، فيما تعاني المدارس التي ما تزال تعمل -عمومًا- مشكلات تتعلق بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وطبقًا لتقرير صادر عن “لجنة الإنقاذ الدولية”، فإن هناك 5,8 مليون طفل تراوح أعمارهم بين 5 و17 عامًا يحتاجون إلى المساعدة التعليمية، واستنادًا إلى “دليل التنمية البشرية” الذي يصدر عن الأمم المتحدة، فقد تراجع دليل التعليم في سورية بنسبة 32.2% مقارنة بالعام 2010، وذلك بسبب انخفاض معدل الالتحاق بالمدارس، وانخفاض سنوات التدريس، وتسرب ملايين الأطفال نتيجة الحرب، وتراجعت مرتبة سورية لتصبح في ذيل الترتيب الخاص بدليل التعليم، من حيث الجودة على مستوى العالم([34]).

خلاصة:

ما تقدّم هو في معظمه أرقامٌ توصلت إليها الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية الأخرى، لكن العديد من المختصين الدوليين الذين حصلوا على تلك البيانات نبّهوا مرارًا إلى أن “الأرقام الفعلية يمكن أن تكون أعلى من ذلك بكثير”، وعلى ذلك؛ فإننا نرى، من خلال ما عرضناه آنفًا، مدى فداحة المأساة التي يعانيها اليوم أطفال سورية، فالأزمة المدمرة التي تكاد تتم عقدًا من الزمن هدرت حقوق هؤلاء الأطفال، وأضاعت طفولتهم، وهذا الذي يحدث الآن في الحاضر المريع لا يقتصر حصرًا على هذا الحاضر، بل سيتعداه إلى مدى مستقبلي، وسيبلغ فيه حدًا لا يعرف أبعاده أحد، فالأزمة الضارية نفسها ما تزال مستمرة، وما تزال عواقبها الوخيمة تتفاقم، والصراع العنيف المستمر، في شمال وشرق البلاد، ما يزال يؤدي إلى مزيد من القتل والتشويه والإذلال والتشريد، والاقتصاد ما يزال يتدهور بوتيرة متسارعة، ولا يبدو أن هناك حلًا سياسيًا يلوح في الأفق، حتى الآن، وهو شرط أساسي واقعيًا لإعادة الإعمار، ولو تم هذا الحل الآن، في هذه اللحظة، فإن إعادة الإعمار نفسها ستستغرق زمنًا طويلًا، وهذا يعني أن الحقوق الضائعة والمستقبل المجهول ما يزالان يحاصران أطفال سورية، بل كلّ أجيالها.

“لقد حان الوقت، لأن تصمت البنادق، ولأن تتوقف أعمال العنف الآن وإلى الأبد… وللنظر إلى وضع الأطفال أولًا، والوفاء بحقوقهم. هذا التزام تعهدت به كل دولة تقريبًا قبل 30 عامًا، ويجب على كل بلد أن يحترمه اليوم… مضت سنوات على بدء الصراع، ولا تزال الاحتياجات كبيرة. ولكن على الرغم من ذلك فالملايين من الأطفال الذين وُلدوا خلال هذه الحرب والذين نشؤوا وسط العنف جاهزون: إنهم يريدون التعلّم.. يريدون اللعب.. يريدون الشفاء من جراحهم”. هذا ما تقوله المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) هنريتّا فور، وهذا ما يبقى أملًا وهدفًا لأطفال وأجيال سورية، بالرغم من سوداوية الحاضر وظلمة الأفق.

حرمون

اترك رد