ما بين سوريا وماليزيا

محمود الوهب |

لعلَّ العودة إلى التجربة الماليزية في هذا الزمن الارتدادي الذي تمر به البلاد العربية، ومنها سوريا تمنح المرء مزيداً من الأمل والقوة استناداً إلى فكرة لا شيء يبقى على حاله، بل كل شيء قابل للتغيُّر والتبدُّل وأنَّ الإنسان هو الثروة الأقوى، وكذلك للمزيد من الاستنارة ولمعرفة الأسباب التي أدت بسوريا إلى ما آلت إليه بعد أن كانت قد شكلت لمهاتير محمد حلماً في أن يجعل بلاده نامية مثلها حين زيارته لها عام 1952 وإعجابه بنمِّوها الاقتصادي اللافت، وقوله، حينئذ، عبارته الشهيرة، بل أمنيته أن يجعل ماليزيا تشبه سوريا..

اليوم ومن خلال الواقع التي تعيشه سوريا ثمة شيء يدفع المتمعن إلى المقارنة بين مهاتير محمد الذي قاد التجربة الماليزية وبين حافظ الأسد الذي خضعت له سوريا ثلاثين سنة ولابنه من بعده عشرين سنة وهو باق حتى الساعة رغم تدمير سوريا بشراً وحجراً.. قد لا يوجد أي مجال للمقارنة، ولكن لا بد لنا من التعرف إلى جزئيات طرفي المعادلة التي ذهب أحد طرفيها إلى البناء أما الآخر فإلى الخراب..

لقد كانت سوريا تَعِد بالكثير حين شاهدها مهاتير محمد لكن ما حدث أن الانقلابات العسكرية قطعت طريق ذلك النمو وهجَّرت رأس المال وأهله وخبراتهم المتراكمة، الذي كان ينمو وينمِّي حقول الاقتصاد والمجتمع، وتركت سوريا للعسكر وصراعاتهم، لكن صورة سوريا الزاهية ظلت في ذهنية مهاتير محمد الذي كان هاجسه تنمية بلاده وتطويرها.. فأخذ مع سياسيي بلاده يعملون على ذلك، وكانت ماليزيا لا تزال تعيش التخلف ويعاني شعبها الفقر الذي وصلت نسبته مع بداية السبعينيات، إلى 52.4% لكنها وبفضل السياسات التنموية الخماسية التي انتهجتها السلطات الماليزية خفضت نسبة الفقر في العام 2000 إلى نحو 5.5% ” ووصلت نسبة البطالة إلى 3% فقط أما على مستوى الاستثمار الخارجي فقد تجاوزت استثمارات ماليزيا في أفريقيا 19.6 مليار دولار في نهاية 2011، مقابل 16 مليار دولار للصين و14 مليار دولار للهند..

عندما أردنا الصلاة توجهنا صوب مكة، وعندما أردنا بناء البلاد توجهنا صوب اليابان

لقد فهم مهاتير محمد واقع بلاده، وحاجاتها للنمو والتقدم، وميَّز بعقله المنفتح ما بين حاجات الدولة المادية والأخرى الروحية (القيم الإنسانية) للنفس البشرية التي يزخر بها الدين، وبذلك شكَّل وعياً متقدماً تفوَّق به على الكثير من الفقهاء المسلمين، وهو دارس مهم في هذا المجال، إذ قال:

“عندما أردنا الصلاة توجهنا صوب مكة، وعندما أردنا بناء البلاد توجهنا صوب اليابان”. وقد كان ذا بصيرة نافذة عندما رأى “أن القرآن لم يدع إلى دولة إسلامية، بل دعا إلى مجتمع إسلامي” فتعاليم الإسلام تتوجه إلى المجتمع، أي إلى الإنسان الذي هو الأصل والأساس، وحين ينشأ المجتمع على جوهر القيم الإسلامية علماً وممارسة فإنه سيرسخ دولة عصرية تستمد نسغ روحها من تلك القيم. ويدرك مهاتير محمد وظيفة القائد ومهماته وما تنطوي عليه نفسه من عزم قوي، وإرادة حازمة، وتصميم على الوصول إلى الهدف، ويرى أهمية كبرى بألا يمنعه مانع أو يحول ما بينه وبين تصحيح الخطأ حائل، مهما كانت عملية التصحيح مكلفة وخطيرة، وذلك تسوية للمسار ووصولاً إلى الهدف يقول في هذا المجال:

“عندما تكون قائداً فإنك تحمل هم الوصول حتى آخر أنفاسك، القائد لا يفرح إلا عندما يعيش لحظات الفوز، لحظات يدرك فيها غايته التي يحارب العالم من أجلها.. القائد مهما بذل من جهد يرى ذلك قليلاً في سبيل بلوغ المرام.. لذا مهما أفنيت من عمر في سبيل غاياتك العظيمة لا تتوقف عن العطاء، لا تتردد في تصحيح المسار، مهما كان التصحيح مكلفاً وخطيراً، ذلك أن الغايات النبيلة لا ترويها إلا التضحيات العظيمة.” (المركز الديمقراطي العربي/ دراسة لوداد غزلاني وحنان حكار)

لقد انطوت التجربة الماليزية في عمقها على الديمقراطية فعمل قادتها على إيجاد قواسم مشتركة بين مختلف الأجناس والأعراق من خلال التركيز على مواطنية الفرد وإنسانية الإنسان لا غير، وبذلك أصبح النهوض بالتنمية واجب الجميع ومسؤولية تعزز فكرة الانتماء والوجود والثقة بهما..

قامت الحكومة الماليزية بتأسيس قاعدة ممتدة لشبكة المعلومات في المؤسسات الجامعية وإمدادها بموارد المعرفة والبنية التحتية الأساسية، ودعمت الحكومة جهود الأبحاث العلمية في الجامعات بواسطة مؤسسة تطوير التقنية الماليزية، وهي تشجع الروابط بين الشركات والباحثين والمؤسسات المالية والتقنيين من أجل استخدام أنشطة البحث الجامعية لأغراض تجارية، وهناك العديد من مراكز التقنية التي تهدف إلى إيجاد قنوات تعاون بين الأعمال العلمية والمصانع، وتوفير الموارد الضرورية لإنجاز أعمال بحثية تطبيقية، ويلعب المجلس القومي للبحوث العلمية والتطوير دوراً في رعاية المؤسسات البحثية، وتقوية العلاقة بين مراكز البحوث والجامعات من أجل البحوث والتنمية، والنتيجة إيجاد نخبة من الخبراء الدارسين في التخصصات التي تحتاج إليها البلاد وهذا هدف استراتيجي هام للدولة. (الدراسة المشار إليها)

ويمكننا أن نلمح أوجه التضاد في النواحي التالية:

في الوقت الذي تسلم خلاله “مهاتير محمد” رئاسة مجلس الوزراء عام 1981 كان قد مضى على حافظ الأسد رئيساً لسوريا نحو عشر سنوات.. وخلال السنوات السبع التي سبقت استلام مهاتير محمد رئاسة الوزراء كان وزيراً للتعليم، فوضع خلالها الركائز الأساسية للبناء بينما كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع يهيئ نفسه لاقتناص السلطة، وينازع رفاقه عليها بعد هزيمة 1967.

إذاً كان هاجس مهاتير محمد بناء الدولة ووصل إلى رئاسة مجلس الوزراء على نحو طبيعي بينما كان هاجس الأسد الفوز بالسلطة والوصول إليها بأية وسيلة.. وهكذا انقلب على رفاقه مستغلاً فصله من الحزب وحاجة المجتمع الدولي إلى الدخول في مباحثات سلام مع إسرائيل وفق القرار 242..

بدأ مهاتير محمد رئاسة الوزارة بالإفراج عن 21 معتقلاً سياسياً بموجب قانون الأمن الداخلي بما في ذلك الصحفي عبد الصمد إسماعيل ونائب الوزير السابق في حكومة حسين عبد الله أحمد الذي كان يشتبه بأنه شيوعي.. بينما وضع حافظ الأسد من كان أقرب المقربين إليه في السجن حتى الموت، وتخلَّص من بعضهم الآخر اغتيالاً، ولم يعين في مراكز الدولة الرئيسة إلا “زلماً له” ومن صناعته بالذات، وأطلق يدهم في مال الدولة، وسلطهم على الشعب.

أنجز مهاتير محمد 16 كتاباً في السياسة والمجتمع والدراسات الإسلامية، وكان كتابه الأول “معضلة الملايو” الذي وضع فيه رؤيته للمجتمع الماليزي.. بينما لم يسمع عن حافظ الأسد أنه قرأ كتاباً أو تأثر بكتاب ما.. وفي حين كان العقل والحوار وسيلة مهاتير محمد إلى المختلفين معه في الرأي كان حافظ الأسد نطاحاً برأسه  بحسب (مصطفى طلاس/ كتاب مرآة حياتي) وغدا الحذاء العسكري، فيما بعد، وسيلة لتوحيد الكلمة حول نظامه ولابنه من بعده..

ميَّز مهاتير محمد عن علم ومعرفة بين الدين كقيم اجتماعية وإنسانية وبين الدولة كبناء اقتصادي وتقني وتنمية شاملة وبالتالي ارتقاء في حياة الفرد والمجتمع بينما ربّى حافظ الأسد جماعات دينية منافقة تبارك أعماله لدى قراءتها الخطب في المساجد أيام الجمع والأعياد تحت إشراف المخابرات العسكرية وألَّبَ أبناء المجتمع السوري بعضهم على بعض..

رصد مهاتير محمد للتعليم 20% من موازنة الدولة العامة، بينما رصدت سوريا 3.5% فقط من موازنة التعليم الاستثمارية، ولما اقتضى نظام القبول في الجامعات درجات محددة لدخول الجامعة استثنى معاهد التعليم.. ووفق الراتب المحدد للمعلم وللمكانة الاجتماعية التي انحدر إليها كان لا يذهب إلى التعليم إلا من ترفضه الكليات والمعاهد المختلفة..

في ظل حكم مهاتير محمد خلت ماليزيا من الفساد في حين عمَّ الفساد سوريا بدءاً من الأعلى نزولاً إلى الأسفل.. وبعد عدة سنوات من مغادرة مهاتير محمد رئاسة الوزراء مختاراً لكنه عاد بالانتخابات وعمره 92 عاماً ليكتشف خلال عشرة أيام فقط الفساد المتفشي في رأس السلطة وليتخلص منه باستعادة مليارات الدولارات المنهوبة.. في حين كانت سوريا على يد الوريث غارقة في الدم والفساد معاً..

بقي أن نقول إن ماليزيا هي الدولة الأولى من بين الدول الإسلامية التي يتحلى مجتمعها بالقيم الإسلامية والإنسانية وفق منظمات دولية متخصصة.. أما جوهر الفوارق التي ذكرت بين سوريا وماليزيا فهي بين نظامين متضادين أحدهما ديكتاتوري والآخر ديمقراطي..

تلفزيون سوريا

اترك رد