الانتخابات المبكرة في سورية: تقنية مبتكرة لتعويم المجرمين

لمى قنوت |

حوّلَ نظام الاستبداد في سورية الانتخاباتِ عن وظيفتها، وحرَفها عن غايتها، وجعَلَها أداةً لتفريغ حقل السياسة من الحيّز العام، ولتوسيع مجتمع الزبائنيّة القائم على توزيع المغانم والتنافس عليها، من قبل المَرْضيّ عنهم أمنيًّا، وبذلك أصبح هدفها شرعنة احتكار السلطة، وتهميش دور مجلس الشعب في التشريع ومراقبة عمل الحكومة، فأصبح أعضاؤُه، نساءً ورجالًا، يتنافسون على الحظوة والرضا واقتناص المكاسب، بحسب ما يوزّعُها نظام الاستبداد، بدلًا من التنافس على مراقبة السلطة لتنفيذ البرامج السياسيّة والاقتصادية.

 منذ انتخابات “مجلس الشعب”، في نيسان/ أبريل 2016، كافأ النظام بعض أمراء الحرب بتعيين قادة ميليشيات ومهربين جدد في المجلس، وتحولت هيكلية السلطة، من “دولة مركزية، إلى خليط فضفاض من أمراء الحرب”[1]، وأطلق البعض على المجلس اسم “مجلس الحرب”[2]. وفي انتخابات تموز/ يوليو 2020، ازداد تعويم قادة الميليشيات[3] في المجلس، مع ازدياد واطمئنان النظام بأن أجندته تسير كما يرغب، فاللجنة الدستورية لا سقف زمنيًا لها، ولا بأس عنده في اعتبارها منتدًى حواريًا، ما دام قادرًا على تسويف أعمالها وإغراقها في التفاصيل، وحتى لو أنجَزت عملها قبل موعد الانتخابات الرئاسية في العام القادم، فالدستور الجديد سيتم الاستفتاء عليه، وفق ما صرّح وليد المعلم في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده مع نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في 7 أيلول/ سبتمبر 2020، وستتحكم ماكينته الأمنية في نتيجة الاستفتاء.

خلاف احتمال إنجاز الدستور الجديد، قبل الانتخابات الرئاسية، هو الأعلى ترجيحًا، وقد يقبل الأسد مع الضغط الروسي بتعيين عدد من “المعارضة”، كوزراء ووزيرات في حكومة قادمة.

الأمم المتحدة والدعوة المبكرة لإجراء انتخابات

بعيدًا عن الإجراءات المنفردة التي يُنفذها النظام في سورية، تعدّ الانتخابات عنصرًا من عناصر الديمقراطية، وهي بالتأكيد لا تختزلها، وقد يريح انعقادها الأمم المتحدة، ويجعلها في حلّ من التزاماتها تجاه الدول بعد النزاعات المسلحة، لكن الدعوةَ المبكرةَ لإجراء انتخاباتٍ[4] في سورية، كما ينص قرار مجلس الأمن 2254، أي بعد صياغة دستور جديد، وتجاهل الأسباب العميقة للصراع، ستنسفُ أيّ إمكانيّةٍ لتفكيك بنية الاستبداد وبناء الديمقراطية، وستعوّم مجرمي الحرب، وتُطبعُ مع الجرائم والانتهاكات، وستُقوّض المشاركة السياسية، وستواصل المعارضة، أحزابًا وتجمعات وأفراد، مقاطعتها للانتخابات، فضلًا عن العنف الذي قد ينجم عنها، بوصفها سباقًا تنافسيًا للوصول إلى السلطة، أو للاحتفاظ بها.

إن في الدعوة المبكرة للانتخابات أخطارًا عديدة، ما لم تُعالج القضايا الجوهرية التالية:

  1. مسار الحلّ السياسي، الذي تجاوز، حتى الآن، مسألة هيئة الحكم الانتقالية والانتقال السياسي، وفق القرارات الأممية كافة، ومن ضمنها على سبيل المثال: القرار 2118 الصادر في 27 أيلول/ سبتمبر 2013، الذي نص في البند رقم (16) على تحديدعدد من الخطوات الرئيسية، تبدأ “بإنشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل الصلاحيات التنفيذية، ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، وتُشكل على أساس التوافق”[5]، وأيضًا القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 262/67، في 4 حزيران/ يونيو 2013، الذي حدد صلاحيات هيئة الحكم الانتقالية في البند رقم (28:( “… تخول لها كامل السلطات التنفيذية، وتحول إليها جميع مهـام الرئاسـة والحكومـة، بمـا فيهـا المهـام المتعلقـة بالمـسائل العـسكرية والأمنيـة والاسـتخباراتية، وإعـادة النظـر في الدسـتور علـى أسـاس حوار وطني يشارك فيه الجميع، وإجـراء انتخابـات حـرة نزيهـة متعـددة الأحـزاب في إطـار هـذا النظام الدستوري الجديد”[6]؛ وبناء على ذلك، نجد أن الاكتفاء بلجنة دستورية لا سقف زمنيًا لأعمالها، مع تجاهل هيئة الحكم الانتقالية، هو كمَنْ يضعُ العربة (العملية السياسية) أمامَ الحصان، ويتوقّع أن تسير إلى الأمام!
  2. بناء مسار العدالة الانتقالية التحولية: وأبرز ما تعنيه ألا يحكمَنا مجرمو الحرب، وألّا تتوسعَ دائرة المغانم التي كرّسها الاستبداد، وهي رسالة حاسمة لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، المعمّمة في سورية. وتعدّ العدالة الانتقالية “مسارًا متكاملًا من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان، بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا، وردّ الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها، ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات والقوانين بما يكفل إعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها، والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان”[7]، وهي أيضًا فرصة لتغيير المنظومة القانونية العنيفة التي تُطوّق عنق المرأة، وقد جعلَت آثار الصراع مضاعفةً عليها. ومن ضمن ما تركّز عليه العدالة الانتقالية، في نطاق إصلاح المؤسسات، إصلاح القطاع الأمني، وإعادة هيكلة بناء الأجهزة الأمنيّة؛ فهذه الأجهزة هي جوهرة تاج النظام وذراعُه الحديدية لحكم البلاد، من حيث تغوُّلُها المطلَق على المجتمع، وتمتُّع العاملين فيها بحصانة قانونية تجعلُهم بمنأى عن المساءلة والمحاسبة، إضافة إلى أن رأي تلك الأجهزة حاسمٌ في التعيينات، وتسلّطَها وفسادها وجرائمها بلا حدود. لذلك لا يمكن البدء بأيّ خطوةٍ باتجاه الديمقراطية إلّا بعد إعادة هيكلتها وتنظيم بنيَتها وصلاحياتها، بقوانين واضحة، وبإخضاع عملها للرقابة القضائية، وإلغاء كلّ القوانين التي تجعل العاملين فيها محميّين من المساءلة، إضافة إلى ذلك يجب تدريبُهم على الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وقضايا النوع الاجتماعي.
  3. إصلاح القضاء ومؤسساته وضمان استقلاله وحياده، وإلغاء المحاكم الاستثنائية، وإصلاح البنية القانونية، ومن ضمنها قانون الإعلام وقانون الأحزاب وقانون الجمعيات وقانون الأسرة… إلخ.
  4. نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة التأهيل؛ حيث إنّ عدمَ تحقيق ذلك يعني إمكانية تجدُّد العنف في الانتخابات الانتقالية، وخاصّة في حال رفضَتْ نتائج الانتخابات إحدى الجهات المتصارعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى سيكون تصويتًا تحت تأثير السلاح وسطوته وميليشياته، ما سيقوّض العملية بكاملها، وستُحْجمُ النساء عن المشاركة؛ فعلى سبيل المثال، أثّرتْ عسكرة الثورة في مدى مشاركة المرأة في المجال العامّ، فانخفضَت نسبة تمثيلها في المجالس المحلية، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ففي محافظة إدلب مثلًا انخفضتْ مشاركتُها من 25 % في عام 2012، إلى 0 % عام 2014[8].
  5. إعادة بناء ذاكرة وطنية تعددية غير انتقائية وغير مبنية على الإقصاء، والقيام بمراجعة تدريجية لمحتوى برامج مادة التاريخ، وإنشاء مركز يقوم بالتوثيق والبحث والنشر حول الأحداث التاريخية المتصلة بالجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبتطورات حقوق الإنسان للنساء والرجال، والانتقال الديمقراطي.
  6. إخراجُ الميليشيات والجيوش الأجنبية من سورية بقرارٍ من مجلس الأمن.
  7. إطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات والكشف عن مصير كل المختفين قسريًا.
  8. ضمان حق العودة الطوعية لجميع اللاجئين والنازحين إلى وطنهم، من دون أي ترهيب واضطهاد أو تمييز، وضمان حقهم، نساءً ورجالًا، باسترداد ممتلكاتهم، والحصول على تعويضات عن الممتلكات التي لا يستطيعون استعادتها. 
  9. إسقاط التهم الملفقة التي وجهتها الدولة ضد السياسيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، رجالًا ونساءً، ووقف الملاحقات الأمنية بحقهم، ورد اعتبارهم وتعويضهم عن الأذى الذي لحق بهم.
  10. تأمين البيئة الانتخابية السليمة، ويتطلب إجراء انتخابات حرة ونزيهة على كامل الجغرافية السورية، بإشراف الأمم المتحدة، تأمين بيئة انتخابية مناسبة، وتشمل، كحد أدنى، إصلاح البنية التحتية الأساسية المتمثلة بالكهرباء والنقل والمباني والطرقات[9]. إن اصلاح قانون الانتخابات واختيار النظام الانتخابي وترسيم الدوائر الانتخابية وتسجيل الناخبين، وإعداد بيانات عن عدد السكان، من القضايا الرئيسية في العملية الانتخابية، ويحتاج إتمام ذلك إلى وقت زمني كافٍ كي تحظى العملية الانتخابية بالشرعية، إضافة إلى أهمية فرض هيئة لإدارة الانتخابات مستقلة وحيادية، وإطار قانوني مستقل لتسوية النزاعات الناتجة عن الانتخابات، وإزالة كل العوائق القانونية التي تمنع المشاركة الفعالة، ومراجعة القوانين التي لا تفي بالمعايير الدستورية أو الدولية، مع ضمان مشاركة واسعة من المجتمع المدني، وبضمنها المدافعات عن حقوق المرأة في جميع مراحل العملية الانتخابية، وبضمنها مراقبة مستقلة وحيادية ونزيهة للانتخابات، وإزالة التحديات والعوائق أمام مشاركة النازحين واللاجئين -من الجنسين- في عملية الانتخابات، على سبيل المثال، معالجة فقدان وثائق الهوية، مساعدة اللاجئين وتمكنهم من التنقل والمشاركة كمرشح وناخب.

ومن الأهمية بمكان مكافحة الجرائم الاقتصادية والفساد، ومن ضمنه المال الانتخابي، وخاصة أن انتهاكات حقوق الإنسان والفساد والجرائم الاقتصادية، كالاستيلاء على المال العام والثروات الوطنية على سبيل المثال، تتقاطع مع بعضها البعض، لتشكل حزمًا من اضطهاد المواطنين والمواطنات وأداة من أدوات احتكار السلطة، التي أصبحت مزمنة في سورية منذ عقود، وما زالت مستمرة حتى الآن.  

ختامًا، إن الدعوة المبكرة لإجراء انتخابات انتقالية في سورية، كما ينصّ قرار مجلس الأمن 2254، قد تعتبرها الأمم المتحدة نظريًا بناء سلام وتعافيًا، لكنها إن لم تنطلق من فهم عميق ودقيق لأسباب ثورة 2011 واندلاع النزاع، فلن تحظى بشرعية من غالبية المجتمع السوري، وستعيد تدوير أمراء الحرب الذين ارتكبوا جرائم وانتهاكات، أو كانوا مسؤولين عنها، أو أعطوها غطاءً سياسيًا و/أو قانونيًا، وستوفر غطاءً شرعيًا لطمس جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والتطبيع مع مرتكبيها، وسحق ضحاياها.

[1] – توبياس شنايدر، “تفسخ النظام السوري أسوأ كثيرًا مما يُعتقد”، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، ترجمة: فاتن شمس، 31 آب/ أغسطس 2016، شوهد في 14/9/2020، في: http://harmoon.org/archives/2216

[2] – زياد عواد وأغنيس فاييه، “الانتخابات في زمن الحرب: مجلس الشعب السوري 2016 – 2020″، 30 نيسان/ أبريل 2020، تحرير: مايا صوان، Middle East Directions، شوهد في 14/9/2020، في: https://bit.ly/33IRnAJ

[3] – على سبيل المثال، فاضل محمد وردة، عن قائمة فرع حزب البعث في حماة، قائد ميليشيات الدفاع الوطني في مدينة السلمية؛ وباسل سليمان سودان، عن قائمة حزب البعث في اللاذقية، قائد لميليشيا (كتائب البعث) التي تضم سبعة آلاف عنصر؛ ويوسف حسن السلامة، عن قائمة حزب البعث فرع حمص، وهو قائد لميليشيا (كتائب البعث) في دمشق؛ وعصام النبهان السباهي، عن قائمة حزب البعث في حماة، وهو قائد لميليشيا (كتائب البعث) في حماة؛ وماهر محفوض قاورما، عن قائمة حزب البعث في حماة، وهو قائد ميليشيا (الدفاع الوطني) في مدينة حماة؛ وحسن محمد شهيّد، كعضو مستقل عن مدينة حلب، وهو مؤسس ميليشيا (فوج الغساسنة) في ريف حلب الجنوبي؛ وحسام أحمد رشدي قاطرجي، كعضو مستقل عن مدينة حلب، وهو زعيم ميليشيا (القاطرجي) في حلب ودير الزور؛ وعمر حسين الحسن، كعضو مستقل عن مدينة حلب، وهو مؤسس (لواء الباقر) وقائد سياسي فيها واللواء مدعوم من إيران؛ وحسن محمد شعبان بري، كعضو مستقل عن مدينة حلب، وهو أحد زعماء ميليشيا آل بري في حلب وريفها؛ وحسين حسن الجمعة الحاج قاسم، كعضو مستقل عن مدينة حلب، وهو قائد ميليشيا (لواء السفيرة) في ريف حلب والمدعوم من (لواء الباقر)؛ وكمال محمود، كعضو مستقل عن مدينة حلب، وهو قائد ميليشيا (فوج الحوارث) في ريف حماة.

يوتيوب، “قادة الميليشيات السورية”، 26 تموز/ يوليو 2020،All4syria، شوهد في 14/9/2020، في: https://bit.ly/3hHKDIs

[4] – نص قرار مجلس الأمن 2254/ بند 4 (18 كانون الأول 2015)، تدعم الأمم المتحدة “…انتخابات حرة ونزيهة، تجري عملًا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرًا تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية، من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015”.  

[5] – “القرار 2118 (2013)، الأمم المتحدة – مجلس الأمن، (2013)2118/RES/S، 27 أيلول/ سبتمبر 2013، شوهد في 17/9/2020، في: https://bit.ly/33K52rt

[6] – الأمم المتحدة – الجمعية العامة 262/67/SER/A، 4/6/2013، شوهد في 17/9/2020، في: https://bit.ly/3kzG3hk

[7] – “قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها(1)”، الجمهورية التونسية – رئاسة الحكومة، بوابة – التشريع. تونس، شوهد في 18/9/2020، في: https://goo.gl/nZAz2G

[8] – لمى قنوت، “المشاركة السياسية للمرأة السورية بين المتن والهامش”، اللوبي النسوي السوري، منصة سياسية نسوية، 2017، صفحة 44، شوهد في 17/9/2020، في: https://bit.ly/3mGxkvp

[9] – ومن ضمنها تأمين ممرات تسمح بتحرك مريح لمن يحتاج إلى استخدام كرسي متحرك.

حرمون للدراسات

اترك رد