لا حقوق وطنية بدون حقوق يومية

راتب شعبو |

يتلخّص البؤس المزمن للعرب في أن واقعهم كان يسير بهم دائمًا في اتجاه معاكس لأحلامهم، فيجدون مع مرور الزمن أن أحلامهم تبتعد وتتضاءل وتنطفئ. ويكون البؤس والشقاء أشدّ، كلما كان الحلم عزيزًا أكثر، وفي الأحلام لم يكن لدى العربي حلم أعز من “تحرير فلسطين”، فيه يتضافر ترميم الجرح، وردّ الاعتبار القومي والديني. كل الأحلام وكل الإنجازات تقاس بهذا الحلم، وتبهت أمامه، حتى إذا أراد العربي أن يقلل من أهمية إنجاز عربي آخر، قال له “وهل تظن أنك حررت فلسطين”!

على مدى عقود طويلة، عجزت الفكرة القومية العربية عن بناء مرتكزات ثابتة لها وآليات تصلها بالواقع وتجعلها قابلة للتحقق، فقد ظلت طوال الوقت فكرة مفترقة عن الواقع، وعاجزة عن بناء جسور تواصل معه. ذلك لأن القوى التي كانت تصنع الواقع العربي هي سلطات، لا مشاريع سياسيةً لها خارج مشروع الحكم الأبدي، وهو مشروع يبدأ بتكريس استعباد المجتمع، وينتهي بتسخير كل شيء لخدمة تأبيد السلطة، بما في ذلك الحقوق الوطنية أو القومية. وكثيرًا ما يسير هذا المشروع التدميري تحت ضجيج قومي ووطني عال.

صحيح أن المشكلة تتجلى في أن جميع الأنظمة العربية (الملكية والأميرية والجمهورية، ما يصنف منها على اليمين أو على اليسار) تشترك في جعل السلطة (حيازتها والاحتفاظ بها وتوسيعها وابتلاع المجتمع بها) الأولوية القصوى. وأن الناتج الأبرز لهذه المشكلة هو تهميش المجتمع وحرمانه من المساهمة في اختيار مديري شؤونه، وتفريغه من قدرات الدفاع عن مصالحه في الداخل والخارج، حتى يتحول إلى مجرد موضوع متلق للسلطة، وتصبح، لذلك، “شرعية” السلطات العربية الحاكمة مستمدة من الخارج صاحب النفوذ العسكري والاقتصادي (أميركا بوجه خاص)، الأمر الذي جعل الاستهتار بالحقوق القومية العربية وهدرها، لإرضاء مصدر الشرعية هذا، وسيلة في يد هذه الأنظمة للاستمرار.

لكن المشكلة الأكبر، في الواقع، هي أن المجتمعات والنخب العربية اقتنعت أيضًا بفرضية أن السلطة هي الأولوية القصوى، وأصبحت حركتها تنوس بين الولاء (التسليم) أو الرفض (الثورة)، ما جعل المسافة بين الموقفين فارغة غالبًا، في حين أن السياسة والنضال والفاعلية والجدوى تكمن أساسًا في هذه المسافة، كما تكمن فيها الصعوبات الحقيقية التي تحتاج إلى مهارات وقدرات وتضحيات. تقديرنا أن الاستثمار في هذه المسافة، أي في بناء قدرة المجتمع على الحد من “حرية” السلطة، هو استثمار أكثر جدوى وأكثر رسوخًا.

من طبع السلطات في كل مكان، أن تدفع إلى تغييب المجتمع عن الفعل في شؤونه اليومية، وعن تحسس تجاوزات السلطة ووصايتها. تبدأ المشكلة مع تراجع المجتمع أمام السلطة في هذه الشؤون المطلبية أو دون السياسية، التراجع الذي يؤسس لظاهرة الانتقال القطبي من الولاء إلى الرفض، الانتقال الذي غالبًا ما يفشل مخلفًا كارثة، لأن الرفض يأتي انفعاليًا دون تأسيس سابق، دون تراكم ركائز مادية وتنظيمية تحمل مشاعر الرفض وتؤطرها. هذا الانتقال القطبي يشبه الانفجارات غير المتحكم فيها، كما حصل في سورية على سبيل المثال (كثر تشبيه ما جرى في سورية بالانفجار، يوجد كتابان على الأقل يؤرخان للثورة السورية بعنوان “الانفجار السوري”).

كانت القضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، موضوعةً، أمام أعين الجميع، على طريق شديد الانحدار يقود بثبات إلى ضياعها الكامل. ومن إشارات التاريخ الساخرة أن أول من أعلن تخليه عن القضية الفلسطينية هو البلد العربي الذي قاد بالفعل حركة النهوض القومي الأولى والأخيرة عند العرب، نقصد مصر الناصرية. فسرعان ما خرجت من مصر الناصرية مصر الساداتية، وصالحت إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية. هذا الانتقال الواسع ما كان ليتم لولا أن السلطة المصرية متحررة من قيود المجتمع الذي ما كان له، والحال كذلك، أن يردّ إلا بطريقة انفعالية عديمة القيمة، تمثلت في اغتيال السادات، ليتابع الخلف تطبيق اتفاق كامب ديفيد.

مع الوقت وسيادة الحال، اعتاد العرب على تصالح مصر مع الاحتلال وعادوا إليها، وكان من لهو التاريخ أيضًا، أن الفلسطينيين كانوا أول العائدين هربًا من أنظمة “تقدمية” و”وطنية” تسعى إلى ابتلاعهم. ثم عادت القاهرة، وهي تحتوي السفارة الإسرائيلية هذه المرة، عاصمة العرب مجددًا، بوصفها المقر الدائم للجامعة العربية التي رفضت إدانة اتفاق التطبيع الأخير، بين الإمارات العربية وإسرائيل، بالرغم من تعارضه مع ميثاقها.

الشعب المصري بدوره تعايش مع الموقع الذي اختاره أنور السادات لمصر، ولم تكن مراجعة هذا الموقع جزءًا من مطالب ثورة يناير العارمة في 2011، ولا من جدول أعمال أول رئاسة مصرية منتخبة عقب تلك الثورة. أوصلت الانتخابات إلى الرئاسة أحد قادة الإخوان المسلمين الذين عرضوا على المصريين وعلى العالم نموذجًا ضيّق الأفق وهزيلًا في القيادة، على المستويين الوطني (الحقوق الوطنية) والديمقراطي (الحريات العامة وحقوق الإنسان)، الأمر الذي جعلنا نشهد ما لم نكن نتصوره، وهو التقاء رغبة الجيش مع رغبة قطاع واسع من الشعب المصري في الخلاص من رئيس منتخب أظهر من الإخلاص لحزبه أكثر مما أظهر من الإخلاص للشعب وثورته. في كل هذا المسار، لم يكن للموضوع الفلسطيني أو الوطني العام حضور ملحوظ أو مؤثر.

اليوم، بعد الاحتفال الهزلي المرّ باتفاق التطبيع بين الإمارات والبحرين وإسرائيل في حديقة البيت الأبيض، يعرض علينا التاريخ إشارة لاهية أخرى، حين يضع العرب أيديهم على قلوبهم من أن تمضي السعودية “الرجعية”، وهي ماضية بلا شك، في الطريق الذي سبقتها إليه مصر “التقدمية”. غير أن عبث التاريخ لا يتوقف؛ فالنظام “القومي” الذي ملأ أسماع العالم بضجيج الصمود والحقوق القومية والمقاومة.. الخ، أمعن على مدى عشر سنوات بسحق محكوميه قتلًا وتشريدًا وتهجيرًا وجوعًا، مستمرًا في الضجيج نفسه، دون أن تسكته عن هذه اللغة الغاراتُ الإسرائيلية التي باتت، بعد خمس عقود من “التوازن الاستراتيجي”، شبه يومية وتصل إلى كل نقطة في البلاد.

التراجع أمام السلطة السياسية في القضايا المباشرة (تدني مستوى المعيشة، مظاهر الفساد والتشبيح، سوء التخطيط والإدارة.. الخ) يقود -تلقائيًا- إلى العجز أمامها، حين تتخلى عن الحقوق الوطنية والقومية. النضالات المطلبية المباشرة التي تحمي حياة الناس وكرامتهم هي مقدّمة لا بدّ منها لتكريس سلطة سياسية، ترى ذاتها من منظور الحقوق الوطنية وحقوق الناس، حيث إن التفريط بالحقوق اليومية المباشرة يفضي إلى التفريط بالحقوق الوطنية.

اترك رد