سلام إسرائيل

ميشيل كيلو |

من يراقب الفرق الهائل في أعداد العرب والصهاينة وقدراتهما يعتقد أن الحل الوحيد لبقاء الأخيرين يكمن في السلام مع جيرانهم، وأنه ليس من مصلحتهم التلاعب بالسلام، لأنه فرصتهم الوحيدة للنجاة من أحكام طبيعةٍ جعلتهم في حجم صرصار، وجعلت العرب المحيطين بهم في حجم فيل.

ومن يتأمل سياسات إسرائيل منذ قدم أول مهاجر يهودي إلى فلسطين يجد أن الصهاينة قد ربطوا نجاتهم بقدرتهم على شن الحرب، وأنفقوا وقتهم في التخطيط لها، وفي امتلاك القدرات الضرورية لكسبها، وخاضوا حروبهم بتكرار دوريٍّ خلال قرابة عشرة، بذريعة أمنهم المهدّد من جوارهم العربي، الرافض  للسلام معهم، على الرغم من أن جوارهم هذا اتخذ منذ مؤتمر بلودان عام 1936 مواقف انسحابية من الصراع ضدهم، وبنى مواقفه الفعلية، غير الكلامية، على “الأمل” بأن لا تتجاوز الخطط الصهيونية فلسطين التي منعوها من امتلاك ما هو ضروري للدفاع عن نفسها قبل عام 1948، وحجروا عليه بعد طرده من وطنه، ووضعوه في معازل أريد بها إلغاء وجوده ودوره الوطني.

 من يتأمل الواقع بعد عام 1948 يجد أن أولوية الصرصار كمنت في استكمال استيلائه على فلسطين، من دون التخلي عن خططه ضد جواره العربي الذي فشلت نظمه في بناء دول عصرية ومجتمعات حديثة قادرة، لأسباب كثيرة، بينها سياسات الكيان الصهيوني التي رسمت سقفا شديد الإنخفاض للتقدّم العربي، وشنت حروبا متلاحقة على جوارها، ووضعت بعض أطرافه تحت رحمتها أو حمايتها، في حين استقوى معظمها، بعد هزيمة حزيران بصورة خاصة، على شعوبه، وقصر جهوده على إخراجها من الشأن العام، وإفسادها وإرهابها، وإخضاع علاقاته بها لممارسات صهيونية. بذلك، سيطر على المنطقة سلام إسرائيلي تكرّس عبر انكشاف العرب أمام عدوهم من جهة، وخضوعهم لنظم استبدادٍ قوّضت قدرتهم على مقاومته، من جهة أخرى، تكاملت بواسطته استراتيجية الحرب والسيطرة الصهيونية مع العجز العربي.

 بهذا النمط من السلام، تصهينت نظم عربية مجاورة لفلسطين، وجثا “النظام العربي” في مؤتمر قمة بيروت عام 2002 على ركبتيه، عارضا اعترافه باسرائيل وتطبيع علاقاتها معها، مقابل اعترافها بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم الوطنية الحرّة والسيدة، إلا أنهم  رفضوا ما اعتبر “يد السلام الممدودة إليهم”، لأنه يعطّل آلة حربهم، ويبدل علاقاتهم بالمنطقة، ويؤسّس لظروف من أنها تمكين شعوبها من إسقاط نظم الطغاة، وبناء ميزان قوى طرفه الآخر الفيل العربي، العائد إلى الحياة.

وكي لا يسقط سلامها، لم تتردّد الصهيونية في رفض اي سلام آخر، يقوم على الأمن المشترك والعلاقات الطبيعية المتبادلة، وواصلت نهجها المستند على شن حروب استباقية تبقي المستبدّين في السلطة، وتمكّنهم من خوض معارك ظافرة ضد شعوب بلدانهم، تحقيقا لأهدافها الصهيونية، وللأهداف المتصلة بوظيفتها الدولية حيال المنطقة التي يجب أن تبقى تابعة لواشنطن.

هذا السلام الاسرائيلي، بأرضيته المستندة على نظم الإستبداد العربي وتنظيماته، لا يجوز أن يهدّده السلام الآخر الذي يقيد عدوانية الكيان الصهيوني، وتوسعه في فلسطين، ولا بد أن تنضوي فيه وتعزّزه علاقات العرب باسرائيل، كما حدث بعد “كامب ديفيد”، وأن يحتجز سلام وحقوق فلسطين وشعبها، والوضع العربي القائم. بهذا السلام، لن تعرف منطقتنا وشعوبها الأمن والتقدّم، لأن من يطبعون علاقاتهم مع تل أبيب ينضمون فعليا إلى مواقفها في مسآلتي الحرب والحفاظ على النظم التي لا عدو لها غير شعوبها.

هل يجوز اعتبار ما جرى سلاما إبراهيميا، يحفظ أمن أتباع اليهودية والمسيحية والإسلام وحياتهم، إن كان نتنياهو قد قال في احتفال البيت الأبيض إنه يرى في علاقات الإمارات والبحرين مع إسرائيل إحدى ثمار قوتها؟.

العربي الجديد

اترك رد