التحدي الكردي في سوريا

فايز سارة |

ينشغل الأكراد السوريون منذ أشهر بموضوع وحدة تعبيراتهم السياسية، التي تتمحور اليوم في ثلاث قوى رئيسية، أولها المجلس الوطني الكردي بما فيه من أحزاب وقوى وشخصيات، والثاني حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) ومن يدور في فلكه من أحزاب وقوى وشخصيات لا تقتصر على الأكراد، بل تشمل بعضاً من العرب والسريان – الآشوريين، والثالث فئات كردية أخرى من مستقلين وجماعات وأحزاب، ليست منضوية في واحد من الإطارين الأولين.
فكرة وحدة الجماعات الكردية، ليست جديدة. بل هي قائمة منذ أول انقسامات شهدها الحزب الديمقراطي الكردستاني الحزب الأم للأكراد السوريين الذي تأسس عام 1958، ثم ظهرت عنه تفرعات، فشلت كل جهود إعادة توحيدها مجدداً، غير أنه وبعد انطلاق ثورة السوريين عام 2011. والتي هزت كل البلاد وأهلها بمن فيهم الأكراد، فقد تحركت جهود الوحدة الكردية، وأثمرت جهود المحسوبين في جذورهم على الحزب الأم عن تأسيس المجلس الوطني الكردي 2011، فيما ذهب الاتجاه الآخر، الذي تأسس على مرجعية حزب العمال الكردستاني في تركيا (PKK) منتصف العشرية الأولى باسم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) نحو تكريس وجوده عبر خطوات، شملت إطلاق مشروع الإدارة الذاتية، وتشكيل قوة مسلحة، وتعزيز قاعدته بخلق أطر تدعم مساره، وإقامة تحالف يناصره عرب وآشوريون – سريان في إطار مجلس سوريا الديمقراطية 2015، ثم في كتلة الوحدة الوطنية، التي تم إطلاقها 2020.
ولم تكن طموحات وحدة الكرد سبباً وحيداً في مبادرة رئيس إقليم كردستان السابق مسعود برزاني نحو توحيد الطرفين، بل كانت المصالح والخروج من التهديدات بين الأسباب، وقد تمخضت جهوده في عام 2012 عن تشكيل إطار مشترك باسم «الهيئة الكردية العليا»، ضمت المجلس الوطني و(PYD) وشركاءه لمشاركة السلطة في مناطق السيطرة الكردية، غير أن التجربة جمدت، ثم ألغيت الهيئة وسط اتهامات متبادلة، أعقبها قمع وملاحقة سياسية وأمنية من قوات وأمن (PYD) لأحزاب المجلس وقياداته في شرق الفرات.
وبفعل عوامل متعددة بينها مساعٍ أميركية، تجددت الجهود الكردية نحو الوصول إلى تفاهمات مشتركة، تؤدي إلى وقف الصراعات البينية، والتشارك في تحمل المسؤولية الكردية من جهة، والمساهمة في تحمل المسؤولية السورية من جهة أخرى، وتمخضت جهود الأشهر الأخيرة عن التوصل لتفاهم حول إعادة إحياء «الهيئة الكردية العليا»، لتكون مرجعية سياسية للقوى الكردية في أي اتفاقات قادمة حول سوريا، وتتألف الهيئة هذه المرة من أربعين عضواً، تتقاسم بنسبة أربعين في المائة (16 عضواً) لكل من تشكيلي: كتلة الوحدة الوطنية، التي يقودها (PYD)، ومثلها حصة أحزاب المجلس الوطني، وتُخصص العشرون في المائة الباقية (8 أعضاء) للأحزاب الكردية، والشخصيات المستقلة غير المنضوية في أي من التجمعيين.
وتم الاتفاق على تنظيم انتخابات عامة في مناطق الإدارة الذاتية الكردية بعد عام من توقيع الاتفاق النهائي، الذي يجب أن «يشمل تغيير قانون الإدارة الذاتية الحالي، ومشاركة جميع الأحزاب الكردية والقوى السياسية العربية والمسيحية، وذلك وفقاً لمرجعية اتفاقية (دهوك 2014) التي تعتبرها الأطراف المتحاورة أساساً للمفاوضات الجارية بينها.
ثمار الأشهر الخمسة الماضية من المفاوضات الكردية وسط الدعم الأميركي ومساندة إقليم كردستان العراق، لم تتجاوز بصورة جوهرية ما كان الطرفان، توصلا إليه قبل أكثر من ثماني سنوات إلا بتفاصيل صغيرة، مما يعني أن الطرفين لم يحققا أي تقدم يتجاوز ما كانا قد توصلا إليه سابقاً، وتم التخلي عنه لاحقاً، وهو مؤشر سيئ، يعكس حذر ومخاوف المتفاوضين كل إزاء الآخر، بل يعكس إيمان كل منهما الضمني، بأن الطرف الآخر، لم يتخلَ عن أجندته الخاصة لصالح توافق ومستقبل مشترك، ومن المؤكد أن قلق الطرفين ظاهر، إذا نظرنا إلى حيثيات بعض التوافقات، ومنها أن تنظيم الانتخابات، سيتم بعد عام من توقيع الاتفاق النهائي بين الجانبين، وهو وقت طويل في ظل واقع سوري متحرك، ومرشح ليشهد مفاجآت عاصفة، وثمة نقطة أخرى تتصل بتغيير قانون الإدارة الذاتية الذي لا يكرس الفهم السياسي لخط (PYD) وإنما سيطرته السياسية والعسكرية على منطقة شرق الفرات، الأمر الذي يعني أن أحزاب المجلس الوطني، لن تحصل على الكثير، مما قد يؤدي إلى انسلاخ بعضها عن المجلس والالتحاق بالطرف الذي يقوده (PYD)، ولعل النقطة الأكثر إشكالاً فيما تم التوصل إليه من تفاهمات، تلك الإحالة إلى اتفاقية (دهوك 2014) باعتبارها مرجعية حول الحكم والشراكة في الإدارة والحماية والدفاع، وفيها بند يتصل بوحدانية القوة العسكرية المسيطرة على المنطقة باعتبارها وحدات الإدارة المحلية، مما يعني أنه إذا جرى إدخال القوات التابعة للمجلس الوطني الموجودة في إقليم كردستان العراق، فينبغي أن تكون جزءاً من وحدات الإدارة المحلية، لا كياناً مستقلاً ولا شريكاً.
إن قلق المتفاوضين ومخاوفهم، مفهومة على ضوء التجربة السابقة، لكن إذا بقيت المخاوف، لن يستطيع الأكراد أن يتقدموا على طريق تفاهماتهم البينية، والنقطة السلبية الأخرى، إن الطرف المحفز للطرفين، أعني الطرف الأميركي، لم يقدم دعماً حقيقياً للمفاوضات، التي تحتاج إلى ضمانات طرف مثله، كما تحتاج إلى قوة متابعة وتسيير، لم يقم الأميركي بأي منها، وهناك نقطة شديدة الأهمية غابت عن المتفاوضين الأكراد، وهو ضرورة دعوة سوريين آخرين من شخصيات وجماعات سياسية للمشاركة فيها، أو للحضور على الأقل باعتبارهم مراقبين، لأنه وبغض النظر عن أي شيء آخر، فإن المفاوضات تتعلق بسوريا أو بأجزاء منها، وتتصل بسوريين أكراد، وليس بأي أكراد، ونجاح مفاوضاتهم وتوصلهم إلى توافقات بغض النظر عن رأي الآخرين فيها، ستكون مثالاً يمكن أن يتبعه السوريون الآخرون، ويكسرون فيه صعوبات الاتفاق والتوافق السوري المفقود.

الشرق الأوسط

اترك رد