رهان إيران على بايدن خاطئٌ أصلاً؟

عبدالوهاب بدرخان |

عندما يقول الرئيس الإيراني إنه لن يكون لدى أي إدارة أميركية مقبلة سوى خيار “الرضوخ” لمطالب بلاده، وإن البيت الأبيض منطلق “الجرائم” ولم يشهد في تاريخه مثل هذه الحال من “التوحش”، فإنه ينطق مرّة أخرى بالغضب الإيراني إزاء العقوبات الأميركية وكأن طهران متطيّرة الى حدّ عدم الرهان على أيٍّ من المرشّحين، دونالد ترامب أو جو بايدن، معتمدة فحسب على “صمودها” وصمود أتباعها في بلدان عربية عدة. بل ان حسن روحاني يعتقد أن تشديد لغته ضد أميركا لا يزال من شأنه شدّ عصب الإيرانيين، إذ يدعوهم الى توجيه لعناتهم الى البيت الأبيض، وليس فقط الى النظام…
تأتي هذه المواقف لتبدّد الانطباع الذي يشيعه ترامب بأن ثمة تسوية ممكنة في وقت سريع، لكنها تطرح أيضاً معطىً جديداً يتمثّل بـ “صفقة ربع القرن” التي تعقدها إيران مع الصين، وبسعيها الى تطوير التعاون مع روسيا، كبدائل تحوّطية من تسوية لا تبدو قريبة مع الولايات المتحدة.
ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الأميركي يدنو العدّ العكسي الإيراني من نهايته، فمنذ استئناف واشنطن فرض العقوبات وتشديدها اعتبر نظام طهران أن عامين أسوَدَين كحدٍّ أقصى لتدهور اقتصاده ووارداته النفطية هما ضريبةٌ معقولةٌ ومتوقّعةٌ للحفاظ على تماسكه واستقلاليته و”تصدير ثورته”. اعتمدت إيران في هذا الرهان على أن رئيساً ديموقراطياً سيُستبدل حتماً بترامب الجمهوري، مستندةً الى رأي عامٍ عالمي لا يحبذه، بل مصممةً على المساهمة في ترجيح هذا الاحتمال الذي تشاركها فيه غالبية المجتمع الدولي، لكن لأسباب شتّى ليس بينها الإعجاب بالوليّ الفقيه خصوصاً أو بالأداء الإيراني عموماً. والمؤكّد أن التمنيات المشتركة لا تعني أن سائر الدول مصابة بجنون العظمة أو غير مبالية بشعوبها، كما هي إيران، الى حدّ الاعتقاد بأنها سـ “تُسقط” ترامب، أو بأن منافسه بايدن سيهرع الى إيران مستعيداً كل توجّهات سلفه باراك أوباما.
ماذا لو كان الرهان على بايدن خاطئاً أصلاً، ولماذا الافتراض بأنه سيكون نقيضاً كاملاً لترامب أو نسخة مماثلة لأوباما، فهو كان نائباً للأخير وعايش كيف خذلت طهران رئيسه غداة التوقيع على الاتفاق النووي، وبعد كل ما أتاحه لها من فرص لإعادة تأهيل نفسها دولياً، والتغطية التي وفّرها لها ولميليشياتها في السيطرة على “العواصم الأربع”.
القاعدة شبه الثابتة أن أي سياسة يختارها رئيس أميركي ويُفشَّل شخصياً فيها فإن خلفه لا يحافظ عليها أياً يكن انتماؤه الحزبي. كان بيل كلينتون حمّل فشله في محادثات كامب ديفيد للجانب الفلسطيني ولذلك اتسم نهج جورج دبليو بوش بصرامة قاسية ضد الفلسطينيين.
قد يلغي بايدن، إذا انتُخب، الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، أو يخفف بعض العقوبات من قبيل “خفض التوتر”، لكنه سيجد نفسه مضطرّاً للتشدّد في أي تسوية تفتح الاتفاق النووي لتعديله، وليس مؤكّداً أنه سيواظب على تقليد أوباما في حقده الدفين على العرب.
إذا كانت المصالح الأميركية البحتة، الاستراتيجية والبزنسية، هي التي دفعت ترامب الى الانسحاب من الاتفاق، فإن خصمه وخلفه المحتمل لن يتنكّر لهذه المصالح. فإيران نقطة ارتكاز أساسية لاستراتيجية التوجّه الأميركي نحو جنوب شرق آسيا بمواجهة النفوذ الصيني المتعاظم، وطهران تعرف ذلك وتريد مقايضة “نفوذها” الاقليمي بأي تسوية مع أميركا، لكن شروط الطرفين متضاربة. ومنذ 2015 الى الآن تغيّرت الظروف، ولم يعد الاتفاق النووي مقبولاً بنصوصه الحالية، حتى من جانب الأوروبيين، كما أن إيران خفّضت التزاماتها سواء للتخلّص من قيوده أو لتعقيد أي مفاوضات مقبلة لا بدّ أن تشمل البرنامجين النووي والصاروخي وحتى الأسلحة التقليدية.
وهذه المرّة لن يمكن التوصّل الى اتفاق حقيقي إلا إذا زُلّلت العقبات أمام تطبيع العلاقات بين واشنطن وطهران بما فيها خصوصاً الانفتاح التجاري، وفي حال كانت إيران مستعدة لذلك وتخطّت عقدها التقليدية فإنها ستستدرج فتح بازار مساومات على سياساتها الإقليمية. هنا قد لا يكون الفارق كبيراً بين ترامب وبايدن، فالاثنان سيصرّان على تطبيع إيراني – إسرائيلي، وليس مضموناً أن أياً منهما ستكون مصالح العرب بين أولوياته. سبق أن رفضت طهران في كل الاتصالات السرّية أي بحث في هذا التطبيع، أو عرضت شروطها، لكن الاتفاقات بين الامارات والبحرين واسرائيل أسست نهجاً اقليمياً عربياً قابلاً للتوسّع عند حدودها ولا تستطيع تجاهله.
في سياق المتغيّرات منذ 2015 يشار أيضاً الى ناحيتين:
الأولى، أن العقوبات المشدّدة ألقت بأثقالها على الاقتصاد الإيراني وعلى الوضع الداخلي، ومع أن التوجّه نحو الصين يُعتبر مجدياً استراتيجياً وقد يعوّض إيران عن تأخّر تسوية مع اميركا، إلا أنه سيثير مشاكل إضافية لا تريدها بكين في علاقاتها المتوتّرة مع واشنطن، ثم أنه لا يضمن عملياً حلّاً دائماً وجذرياً لأزمات إيران.
الثانية، أن أحوال إيران في رقعة نفوذها الاقليمي لم تعد على ما يرام، وأصبح هناك الكثير من عدم اليقين في أن تتمكّن من نيل ثمرات “استثماراتها” الخارجية في الميليشيات. ففي سوريا لم يعد السؤال كيف تحافظ إيران على هيمنتها، لأن روسيا تتوسّع في احتلال المشهد وتضع “فيتو” على مأسسة الوجود الإيراني كما تعطي الضوء الأخضر للضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية. وفي العراق تكسب حكومة مصطفى الكاظمي مساحات إضافية يومياً، الى حدّ أن ميليشيات “الحشد الشعبي” تتسابق الآن على التبرّؤ من قصف السفارات والاغتيالات. وفي لبنان ازداد انكشاف “حزب الله” بأنه أبرز صانعي الأزمة الاقتصادية والمالية، وإنْ لم يكن كذلك فعلاً فإنه لا يمكن أن يكون عاملاً إنقاذياً، بل إن نبذه دولياً يكاد يتحوّل نبذاً للبنان. أما في اليمن فاستطاع أتباعه الحوثيون أن يدمّروا مقوّمات البلد لفرض سيطرتهم لكنهم لم يتمكّنوا من تشكيل تهديد حقيقي للسعودية والخليج، وهي الوظيفة التي خطّطتها طهران لهم. وحتى في غزّة تبدو “حماس” أمام استحقاق صعب، فإمّا أن تنزل عن الشجرة وتقدّم تنازلات لتسهيل المصالحة الوطنية وإما أن تتعنّت فتنكشف بأنها تعمل لإيران وليس لفلسطين.

اترك رد