فشِلَ ماكرون وانتصرَ حزب الله: السكين على أعناق اللبنانيين

نادر فوز

أكثر من 4000 كلمة نطق بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليقول كلمة واحدة: فشلنا! حتى أنه لم يعترف بهذه الحقيقة علناً، فنطق لسانه بالحقيقة أمام وابل الأسئلة، فاعترف: إذا كان يريحكم أن أقول أننا ‏فشلنا سأقول ذلك‏. وارب ماكرون وحاول الهروب من هذه الحقيقة بتوصيفه الواقع وتكرار تفاصيل سياسية يتابعها اللبنانيون منذ وقوع جريمة 4 آب. هاجم المنظومة اللبنانية بكل مكوّناتها الرئاسية والسياسية والحزبية والمسلّحة. وكل هذا الهجوم، الذي شنّه ماكرون على المسؤولين اللبنانين، لا يعني شيئاً طالماً أنه أكد مراراً في خطابه على منحهم وقتاً إضافياً لإنجاح مبادرته للحل على يد المنظومة الذي ذمّها. وصف أركان المنظومة بالفاسدين والطائفيين. وصوّب على حزب الله، من باب ازدواجية جناحيه العسكري والسياسي، وهويّته المزوّرة الضائعة بين مقاومة وإرهاب وميليشيا وحزب سياسي في لبنان وسوريا وغيرها من البلدان العربية. كل ما قاله ماكرون، الأحد، شبع اللبنانيون من قوله قبل عام وعامين، وعقد وعقدين، وأكثر. لم يكتشف سراً ولا خرج باستنتاج عبقري. لتغطية فشله في المبادرة، ونجاحه الباهر في المواربة واللا إنقاذ، رفع سقف كلامه علّ ذلك يحافظ على بعض من ماء وجهه أقلّه مع موظفي مكتبه.

غير معنيين
جدّد ماكرون، الأحد، ثقته وأمله بالمنظومة، ووعدها مجدداً بالدعم. على الأرجح، لم يحطه فريق عمله الواسع بأنّ الرئيس اللبناني ميشال عون وعد شعبه بأبواب جهنّم. وإذ بأبواب الجحيم الموعود تنفتح. ماكرون، والمنظومة التي يحميها وهو يهاجمها، لم يوقنا بعد أنّ اللبنانيين لم يعودوا معنيين لا بهوية من عرقل تشكيل الحكومة العتيدة ولا ما أعاق تأليفها. فهذه الأسئلة التي أجاب عنها الرئيس الفرنسي، استبقها اللبنانيون منذ عام بسلسلة من مطالب وجودية وأساسية. المال العام المنهوب في الطاقة ومختلف الوزارات والصناديق، المال الخاص المسروق من الحسابات المصرفية، المحاصصة والطائفية، السلاح المتفلّت المنظّم وغير المنظّم، الدولة المدنية وتطبيق الدستور. اللبنانيون غير معنيين بالحكومة العتيدة التي تشكّلها المنظومة، ولن يكونوا معنيين بأي مشروع إصلاحي زائف صادر عن هذه المنظومة ورعاتها.

شركاء ماكرون
الفريق اللبناني القوي، المتمثّل برئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة (المستقيلة)، برعاية شاملة وغطاء كامل من حزب الله السياسي والعسكري والأمني، يقود البلد إلى قعر لا حدّ له. بيد الرئيس الأول ورقة لوتو اسمها رئيس الجمهورية، لا يجرؤ أحد على المساس بها. بيد الرئيس الثاني، أوراق سياسية ومعنوية عديدة، تبدأ بورقة “الدولة المدنية” ولا تنتهي بـ”إلغاء الطائفية السياسية”، وبينهما أوراق “ترسيم الحدود” و”الغاز” والـ”شيعة شيعة”. أما الرئيس الثالث، فيمسك بورقة يانصيب فاز بها قبل أشهر ولم يصرفها إلا ليترجم مآسي إضافية حلّت على اللبنانيين. وفي المقابل ‏محور آخر لعب دور العشيق السياسي لعقود. فشاطر المحور الأول النهب والفساد وتقسيم المغانم لعقود. وبهذين المحورين، يحاول الرئيس الفرنسي إقناع اللبنانيين بأنّ الحلّ آت. وبعد خطابه الأخير، بات على ماكرون إقناع نفسه أولاً بأنّ شركائه اللبنانيين قادرون على إنقاذ البلد.

انتصار حزب الله
قد لا يتأخر البعض في القول إنّ حزب الله، بعد انتصاراته السياسية والأمنية في لبنان وسوريا وغيرهما، انتصر على ماكرون. لا بل أذلّه، ولو على حساب مصلحة دولة منهارة وشعب مفلس. وفي معارك مماثلة، لا يدخل الناس ومصالحهم في الحسابات أساساً. وفي معادلات مماثلة، الناس حلال ذبحهم، خصوصاً إن كانوا رهائن في الأصل. وذبح اللبنانيين سيستمرّ، في الاقتصاد والأمن والسياسة، إلى أجلٍ غير واضح. فتحديد هذا الوقت، مرهون بحدود قعر المنظومة التي يرعاها الحزب، أي أنّ الزمن مفتوح. انتصر حزب الله على ماكرون، خلاصة سهل الخروج بها. وما سهّل المهمة على الحزب أنّ الرئيس الفرنسي حتى الساعات الأخيرة لا يزال غير مؤمن بجدوى العقوبات. ولا يزال حتى يوم الأحد يتساءل عن جناحي حزب الله السياسي والعسكري، في ردّ على الموقف الأميركي وبعض من الدول الأوروبية تجاه الحزب. يبدو أنه، كما المعركة الداخلية غير متكافئة، المعركة الأوسع غير متكافئة أيضاً.

انتصر حزب الله مجدداً، ومع هذا الانتصار اقتطاع إضافي من عمر الدولة اللبنانية وكل ومن وما فيها. فنقف، كلبنانيين، متفرّجين على مهزلتي الداخلي والخارج، بانتظار ذبح إضافي. السكين على أعناقنا، وما هدوء اليوم، إلا سكون ما قبل النحر.

المدن

اترك رد