أرمينيا ـ أذربيجان.. الحرب بالوكالة واللاعبون: تركيا / روسيا

كانت هدنة الحرب ما بين أرمينيا وأذربيجان قد وقعت عام 1994، غير أن الحرب تجددت مطلع نيسان الفائت لتكون من اعنف الحروب ما بين الجارين في إقليم ناغورنو كرباخ المتنازع عليه، لقد أدت الاشتباكات والتطورات ذات الصلة إلى رفع المخاطر على حدود الدولتين، وجعل هذه الحدود نقطة اشتعال خطرة تشمل تركيا وروسيا بما جعل السؤال:

ـ هل هذه الحرب روسية / تركية؟

كانت تركيا قد أسقطت طائرة عسكرية روسية قرب حدودها الجنوبية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، الأمر الذي أدخل العلاقات الثنائية في دوامة إلى الأسفل ودفع بالعديد من المحللين إلى التركيز على سوريا باعتبارها البؤرة الأكثر ترجيحاً لاشتعال النزاع بين الخصمين التاريخيين. بيد، بينما تستمر الغارات الجوية الروسية ضد المتمردين المدعومين من تركيا في سوريا، “كان جنوب القوقاز، وعلى وجه التحديد أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تقليدياً رقعة الشطرنج الرئيسية للمنافسة طويلة المدى بينهما” وما بين قوسين هو استخلاص الباحث كان كاسابوغلو من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

حسب الباحث فإنه من الناحية الفنية، “كانت أذربيجان وأرمينيا في حالة حرب منذ مدة طويلة قبل اندلاع العمليات العدائية الأخيرة، وقد سعت كل من موسكو وأنقرة بنشاط إلى تأمين مصالحهما في الصراع”.

ـ كيف كان لهما تأمين مصالحهما؟

تركيا لا تربطها أي علاقات دبلوماسية مع الأرمن، ولكن روسيا شكلت تحالفاً أوثق معهم، ونشرت قوات عسكرية داخل أراضيهم وشملت مجالهم الجوي ضمن مجالها الخاص منذ تشرين الثاني/ نوفمبر. ونظراً إلى تدخل موسكو في شبه جزيرة القرم شمالاً وفي سوريا جنوباً، ترى أنقرة أن التحركات الأخيرة شرقاً تشكل تهديداً خطيراً مما دفع بها إلى الرد من خلال توسيع الشراكة العسكرية مع أذربيجان، التي تُعد فيها اللغة التركية اللغة الأم الجذرية لسكانها.

تطويق تركيا من القوقاز

يتركز التوسع العسكري الروسي الحالي في أرمينيا على القواعد الروسية في غيومري وأريبونى، إلا أن وجود روسيا هناك يعود إلى تواجد الجيش الأحمر السوفياتي في “جبهة جنوب القوقاز” في أوائل الأربعينيات. أما في التسعينيات، وعندما انسحب الجزء الأكبر من القوات الروسية من المنطقة، أبقت موسكو على وجودها في أرمينيا من خلال القاعدة العسكرية الروسية 102 في غيومري. وبعد عام 2010، أضاف نشر الأسلحة الاستراتيجية الهجومية والدفاعية في أرمينيا أصولاً جديدة لروسيا في جنوب القوقاز. ومن منظور جيوسياسي، تم زيادة هذه الوحدات من خلال الوجود الروسي في جورجيا (ممر رئيسي للطاقة) وبسبب علاقات موسكو الاستراتيجية المتنامية مع إيران التي هي جهة فاعلة إقليمية أخرى.

ومن الناحية العسكرية، ينبعث التهديد الرئيسي الذي تطرحه القوات الروسية في أرمينيا من فقاعة الإنكار ومنع الوصول التي شكلتها هذه القوات، إلى جانب القدرات الهجومية التي تم نشرها مؤخراً. وفي هذا السياق، تشير المعلومات الاستخباراتية الواردة من مصادر علنية إلى أن روسيا كانت قد نشرت سرباً من طائرات مقاتلة “ميج 29” هناك يقوم بعمليات جوية، إلى جانب بضعة آلاف من الجنود، والمدرعات الثقيلة، وأنظمة الدفاع الجوية والصاروخية بعيدة المدى من طراز “إس-300 في” إلى جانب الدفاعات الجوية متوسطة المستوى من طراز “إس إي-6”. وباستطاعة مظلة الإنكار ومنع الوصول أن تخلق مشكلة كبيرة لسلاح الجو التركي. بالإضافة إلى ذلك، وقّعت أرمينيا اتفاقاً للدفاع الجوي المشترك مع الروس في كانون الأول/ ديسمبر 2015، لذلك من المتوقع أن تعمل صواريخها من طراز “إس-300” تحت قيادة وسيطرة مشتركة مع الأصول الروسية قريباً إن لم تكن قد قامت بذلك بالفعل.

ومن حيث القدرات الهجومية، يشكل تحديث روسيا لطائرات “ميج 29” لتغطية أدوار الهجوم الجوي الأرضي عاملاً جوهرياً، وهو الأمر بالنسبة إلى نشر طائرات ذات أجنحة دوارة وقوات روسية محمولة جواً ومؤلفة من النخبة. أضف إلى ذلك أن موسكو كانت تعزز ترسانة صواريخها في قاعدة غيومري الأرمنية منذ عام 2010، وركزت على قاذفات الصواريخ المتعددة من طراز “تورنادو-جي” والصواريخ الباليستية قصيرة المدى من طراز “إس إس-26 اسكندر إم”. ويطرح هذا النظام الأخير إشكالية خاصة لأن قاذفات “إس إس-26” في غيومري يمكن أن تستهدف نظرياً جميع التشكيلات العسكرية التركية تقريباً في شرق الأناضول. كما أن وجودها يشكل على الأرجح انتهاكاً لـ “معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى” المتعثرة منذ فترة طويلة بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي تقيّد الصواريخ الباليستية وصواريخ “كروز” التي تطلق من الأرض والتي يتراوح مداها ما بين 500 و 5500 كيلومتر. ومن جهتها، لا تتمتع أنقرة بمنظومة دفاع صاروخي وطنية، لذلك سيتوجب عليها أن تعتمد على قدرات “حلف شمال الأطلسي” إذا ما حدث تصعيد على الحدود مع القوقاز.

ـ ماذا لدى تركيا؟

على الرغم من أن تركيا تركز قواتها الرئيسية على طول الحدود السورية، لا تزال أنقرة تتمتع بميزة تتجلى بـ “الجيش الثالث” الهائل الذي يحرس عتباتها شرقاً. وعبر الاعتماد على التضاريس القاسية شرق الأناضول، شكّل هذا الجيش الميداني خط الدفاع الأول ضد الامتداد السوفياتي الذي كان محتملاً خلال فترة “الحرب الباردة”، ونتيجة لذلك، تتمتع هذه الوحدات بدرجات عالية من الجاهزية القتالية.

ويدعم “الجيش الثالث” أيضاً التشكيلات التي نشرتها أذربيجان في مُقتلف (معتزل) ناخيتشيفان، على الحدود مع تركيا وإيران وأرمينيا. وقد تم تنظيم هذه التشكيلات تحت لواء “الجيش المشترك الخاص” منذ عام 2013، ليحل محل “لواء المشاة الخامس” السابق. وفي هذا الإطار، تشير بعض التقديرات إلى أن الدرجة العالية من الجاهزية القتالية التي تتمتع بها قوات أذربيجان في ناخيتشيفان مقارنة بتشكيلاتها في أماكن أخرى ليست سوى نتيجة لمساعدة تركيا.

ـ هل تدخل تركيا / روسيا الحرب مباشرة؟

على الرغم من وجودهما العسكري واسع النطاق على مختلف الحدود، من غير المرجح أن تدخل تركيا وروسيا في صراع مباشر. ومع ذلك، يمكن لبؤرة توتر مثل الوضع القائم بين أرمينيا وأذربيجان أن تؤدي إلى دفع أنقرة إلى الانخراط بفعالية، مما يفسح مجالاً واسعاً للكرملين لاستغلال موقف تركيا الحساس.

وفي الآونة الأخيرة، أظهر النزاع الذي طال أمده على إقليم ناغورنو كرباخ على تحوله إلى حرب ساخنة. فقد تصاعد تبادل إطلاق النار بين المواقع الحدودية بشكل مطرد منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، عندما أسقطت القوات الأذربيجانية طائرة مروحية أرمنية من طراز “مي-24” على الحدود بين البلدين. وفي الوقت نفسه، كانت روسيا تتلاعب في كلتا الجهتين، باستخدامها مبيعات الأسلحة لأذربيجان بمليارات الدولارات كوسيلة لجعل أرمينيا حتى أكثر اعتماداً على رعايتها العسكرية. بل إن موسكو قد تستغل القيادة الأرمنية على إقليم ناغورنو كرباخ بحكم الأمر الواقع لإشعال فتيل التصعيد العسكري مع أذربيجان، وبالتالي تركيا. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 على سبيل المثال، عرض الرئيس باكو ساكيان السماح لروسيا باستخدام مطار خانكندي / ستيباناكيرت في أراضي أذربيجان المحتلة من أجل “عمليات مكافحة الإرهاب”. ومثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى استثارة باكو وأنقرة، والأمر مماثل بالنسبة إلى استبدال القوات الأرمينية في المناطق المحتلة بـ “قوات حفظ سلام” روسية، وهو سيناريو يشير إليه الكرملين منذ بعض الوقت.

إن أرمينيا دولة شريكة في “حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”) وقد ساهمت في العديد من بعثات الحلف، بما في ذلك إلى كوسوفو وأفغانستان. بيد أن النزاع على إقليم ناغورنو كرباخ أعاق محور البلاد الموالي للغرب من خلال جعله مستهلكاً متعطشاً إلى الأمن الروسي، وهو اتجاه من شأنه أن يتصاعد طالما يتفاقم الصراع. كما أن انضمام أرمينيا مؤخراً إلى “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي” جعلها خاضعة لسوق واحدة تديرها روسيا، في حين أن عضويتها في “منظمة معاهدة الأمن الجماعي”، وهو تحالف يضم ستة بلدان من الاتحاد السوفياتي السابق، زاد من اعتمادها العسكري على موسكو.

ومن جانبها، كانت أنقرة توثق شراكاتها الاستراتيجية التقليدية في القوقاز منذ عام 2008، عندما رفعت روسيا من مكانتها الإقليمية من خلال الحرب مع جورجيا. وفي عام 2014، بدأ وزراء دفاع تركيا وأذربيجان وجورجيا بعقد اجتماعات ثلاثية. وفي العام الماضي، أجرت القوات الجوية التركية والأذربيجانية أول تدريب مشترك لها باسم “ترأز كرتلي”. ولم تتردد في تعزيز التعاون القوي في مجال الدفاع القائم بالفعل منذ وقوع حادث إسقاط الطائرة الروسية على الحدود السورية، ومتابعة هذه التدريبات المشتركة مؤخراً باسم “ترأز شاهيني”.

العلاقات التركية الآذرية

نظراً إلى روابطهما العرقية، فإن العلاقة بين تركيا وأذربيجان تتخطى معايير الواقعية السياسية. فحتى وزارة الخارجية التركية، التي تُعتبر تقليدياً قارئة محافظة في السياسة الخارجية، تصف رسمياً العلاقات الثنائية على أنها “أمة واحدة، ودولتين”. وقبل أيام فقط من حادثة إسقاط الطائرة المروحية، تفقد قائد قوات النخبة التركية التي تُدعى “القبعات الحمراء” شخصياً المواقع الأذربيجانية على طول الحدود الأرمنية، ووقف أمام عدسات الصحافة وبيده بندقية قنص. وقد أَرسلت تلك الصورة، التي أُخذت في منطقة حدودية متوترة أصبحت فيها نيران القناصة الأداة العسكرية الأساسية، إشارة قوية لدعم باكو.

ومبدئياً، يحدد إطاران قانونيان شكل التعاون الدفاعي الثنائي بين البلدين. الأول، وهو الذي أُنشئ في أوائل التسعينيات، يمكّن التدريب العسكري لأفراد أذربيجانيين في المؤسسات العسكرية التركية. أما الإطار الثاني، فهو اتفاق “الشراكة الاستراتيجية” الذي وقّع في عام 2010، والذي ينص صراحة على أن البلدين سيساعدان بعضهما البعض إذا طالب أحدهما بحقه في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن طبيعة هذه “المساعدة” خاضعة لمشاورات ثنائية، إلا أن الاتفاق يؤكد بوضوح على إمكانية استخدام الوسائل العسكرية في الظروف الطارئة.

والنتيجة:

على خلفية التوترات الروسية التركية الأخيرة، أمام موسكو سبلاً وافرة تستطيع من خلالها الاستمرار في استفزاز أنقرة، بما في ذلك التقلبات الناجمة عن النزاع في إقليم ناغورنو كرباخ، وعلاقات تركيا القوية مع أذربيجان، ونشر القوات الروسية في أرمينيا. ومنذ بعض الوقت، أعرب محللون عن قلقهم من وجود دفاعات جوية روسية متقدمة في سوريا من دون الإشارة إلى قدرات الردع والهجوم المماثلة الكامنة في الإنكار ومنع الوصول على عتبة تركيا شرقاً. ومن شأن التشكيلات العسكرية التركية أن تكون أكثر من كافية لحماية أراضيها، ولكن التصعيد الذي لا يمكن السيطرة عليه بين أرمينيا وأذربيجان قد يشعل صراعاً إقليمياً تشارك فيه تركيا وروسيا بشكل مباشر.

مينا للدراسات

اترك رد