منصات التواصل الاجتماعي تدمّر الأدلة على جرائم الحرب!

طوال السنوات الماضية، خاض الناشطون السوريون معركة تختلف عن حربهم الأساسية ضد نظام الأسد، وتتعلق بحذف مواقع التواصل الاجتماعي لأرشيف ضخم يوثق الجرائم التي ارتبكها النظام ضد المدنيين في البلاد وغيرها من الجرائم التي قامت بها التنظيمات الإرهابية منذ العام 2011.
وباتت مجلة “إيكونوميست” البريطانية من أحدث وسائل الإعلام العالمية التي تهتم بالموضوع. وقالت في تقرير ضمن عددها لشهر تشرين الأول/أكتوبر، ونشر عبر موقعها الإلكتروني قبل أيام، أنه رغم إمكانية اعتماد لقطات موثقة في مواقع التواصل كأدلة في المحاكم، ومنها محكمة لاهاي، فإن قسم كبيراً من تلك الأدلة يتعرض للحذف، ما يهدد سير العدالة.

وتحدثت المجلة عن مقطع فيديو نشر مؤخراً في “فايسبوك” ويظهر جريمة قتل حصلت العام 2016. وبعد مرور عام، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أول مذكرة على الإطلاق اعتمدت على مقاطع فيديو نشرها مرتكبو جرائم الحرب أنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ودعت المذكرة إلى اعتقال محمود الورفلي، أمير الحرب الليبي واتهمته بالتورط في قتل 33 شخصا في 7 حوادث ظهرت في مقاطع فيديو بثت في “فايسبوك”. ورغم أن الورفلي لم يمثل بعد أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، فإن مذكرة القبض عليه شكلت نقطة تحول. وللمرة الأولى، لن تستخدم مقاطع الفيديو والصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي لجذب انتباه العالم إلى جرائم الحرب فحسب، وإنما يمكن أن توفر الأمل في تقديم الجناة إلى العدالة.

وكتبت إيما إرفينغ، خبيرة حقوق الإنسان في جامعة لايدن، تدوينة في ذلك الوقت قائلة أن “هذه المقاطع توفر العديد من الأدلة المحتملة. مع ذلك، يثير استخدام أدلة مواقع التواصل الاجتماعي مشاكل حقيقية على الرغم من أهميتها”.

ونظراً لصعوبة وخطورة جمع الأدلة في مناطق الحرب، من المحتمل أن توفر مثل هذه اللقطات للمدعين العامين خيوطاً جديدة، أو تساعد على تأكيد تقارير شهود العيان وغيرها من الأدلة. كما أنه من المرجح أن يكشف المقاتلون الذين يتفاخرون ببطولاتهم في “فايسبوك” عن مواقعهم عن غير قصد من خلال البيانات الوصفية في الصور أو حتى عن نواياهم. وقد يقدم هذا التفاخر أدلة للمدعين العامين، وهو ما يعدّ عنصراً ضرورياً لضمان نجاح أي محاكمة.

وعقبت المجلة أنه في بعض الأحيان، عندما طلب المدعون تقديم الأدلة، تبيّن أن قسماً كبيراً منها قد حُذف. وهنا، راجعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” روابط الأدلة التي حصلت عليها من منصات التواصل الاجتماعي في تقاريرها بين العامين 2007 و2020، والتي نُشر معظمها في السنوات الخمس الأخيرة، ووجدت أن 11% من المصادر التي اعتمدتها كأدلة على انتهاكات حقوق الإنسان، قد اختفت.

وأكدت المجلة أن “الأرشيف السوري”، وهي منظمة غير ربحية ترصد وتحلل أدلة انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، تقدّر أنه من بين حوالي 1.75 مليون مقطع فيديو عن سوريا حُمّلت على موقع “يوتيوب” حتى حزيران/يونيو 2020، لم يعد 21% منها متاحاً. كما اختفى حوالي 12% من التغريدات التي وثّقتها في “تويتر”، والتي بلغت قرابة مليون تغريدة.

ومن المرجح أن ذلك لا يعود إلى حذف بعض هذا المحتوى من قبل المستخدمين أنفسهم فحسب، وإنما من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة مثل “فايسبوك” و”تويتر”، لأسباب مثل حماية المستخدمين من المحتوى المتطرف أو الصادم.

وفي حزيران/يونيو الماضي، اشتكى آلاف الناشطين السوريين من إغلاق حساباتهم التي تحتوي وثائق تفضح جرائم نظام الأسد في سوريا، مقابل مقابل توثيق حسابات شخصيات في النظام السوري والموالين له بالعلامة الزرقاء. وقدر عدد الحسابات المحذوفة حينها بنحو 10 آلاف من دون أن يصدر أي تعليق من “فايسبوك” بهذا الخصوص.

وفي العام 2019، اشتكى عدد من السوريين من حذف منشوراتهم التي كتبوها في رثاء المعارض البارز عبد الباسط الساروت. وفيما قال بعض الناشطين حينها أن إدارة “فايسبوك” تعمدت حذف العديد من تلك المنشورات بحجة “مخالفة قوانين النشر” و”الإساءة لمعايير المجتمع” في المنصة الاجتماعية، قال آخرون أن الأمر يعود لحملة تبليغات تقوم بها حسابات موالية للنظام، ضد المعارضين.

ولا يتعلق الأمر بـ”فايسبوك” فقط، ففي العام 2017، أغلقت إدارة “يوتيوب” بشكل مفاجئ عشرات القنوات الإعلامية للشبكات الثورة، من بينها قناة “شبكة شام الإخبارية”، في خطوة وصفت بأنها محاولة لطمس أرشيف الثورة السورية البصري. كما حجب “يوتيوب” آلاف “المشاهد المؤلمة” التي تُظهر انتهاك حقوق الإنسان في الحرب الدائرة بسوريا، بعد تزويده بآلية للحجب القائمة على الذكاء الصناعي، ما أثار جدلاً عالمياً حول معنى وطبيعة المحتوى العنيف، في مثل هذه الحالات التي يكون فيها الفيديو موثقاً للفعل العنيف الذي ينتهك حقوق الإنسان.

والحال أن شركات عديدة تبنت تحت ضغط من الناشطين والحكومات، سياسات صارمة لحذف المحتوى العنيف. ويتنامى استخدام شركات مواقع التواصل الاجتماعي للخوارزميات التي تقوم بحذف المحتوى قبل وصوله إلى الجمهور، فمن بين المحتوى الذي أزاله “فايسبوك” لانتهاكه معايير المجتمع، بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس 2020، وقع حظر 93% من المحتوى عبر أنظمة آلية، وليس بواسطة مشرفين على إزالة المحتوى المخالف. وتم حذف نصف تلك المواد قبل أن يراها أي مستخدم.

وخلصت المجلة إلى أن جماعات حقوق الإنسان شددت على أنه ينبغي على المنصات الإلكترونية أن تلتزم بالحفاظ على المحتوى المحذوف، أو تمريره إلى أرشيف مستقل. فعلى سبيل المثال، لو لم يجمع الأرشيف السوري نسخاً من مقاطع الفيديو والتغريدات التي تظهر الانتهاكات، لضاع الكثير من هذه الأدلة، ومعها أي أمل في تحقيق العدالة للعديد من أولئك الذين خاطروا بحياتهم من أجل تسجيل هذه المقاطع.

المدن

اترك رد