السياسة الإسرائيلية تجاه الأزمة السورية

مقدمة.

سياسة إسرائيل تجاه سورية ما بعد عام 2011.

سياسة إسرائيل في المراحل المبكرة من الأزمة.

التطورات التي حدثت في أعقاب الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية.

النفوذ المتزايد لـ (داعش) في الساحة السورية.

التوجهات الإسرائيلية المتغيرة مع االتدخل الروسي.

نهج إسرائيل وأعمالها المتعلقة بمسار حل النزاع.

الأبعاد التي وصلت إليها السياسة الإسرائيلية: الأعمال الهجومية المكانية.

النتيجة.

مقدمة

جلبت الأزمة السورية (المستمرة منذ آذار/ مارس عام 2011) معها، عملية معقدة تحتوي على تحديات لإسرائيل، كما لعدد من دول المنطقة. فالعملية التي جلبت بعض المستجدات على صعيد النظام الإقليمي قد أثّرت في دول المنطقة بدرجات متفاوتة، من حيث علاقتها مع سورية، والسياسات التي طرحتها في ما يتعلق بالأزمة في المراحل الماضية. ومن الدول التي تأثرت بهذه العملية إسرائيل التي رأت في تعاونات النظام السوري من أجل بقائه تهديدًا لها؛ إذ فرض هذا الوضع الجديد تحديات كبيرة لإسرائيل، من ناحية مواصلة “عملية السلام” التي تسير بها بحذر مع سورية. وعلى الرغم من ضعف السياسة التي انتهجتها الإدارة الإسرائيلية تجاه الأزمة السورية،من ناحية الاشتباك، وضيق نطاقها، وارتكازها على الموضوع، مقارنة باللاعبين الآخرين على الأرض، فإن تقييمها لهذه السياسات يعرض أهمية كبيرة، بسبب آثارها المديدة عليها.

منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، دخلت إسرائيل وسورية في أربع مواجهات عسكرية في أعوام 1948، و1967، و1973، و1982. وكل التطورات التي حدثت بين هذه الأعوام كشفت عن نتائج مهمة، على صعيد عمليات التفاعل بين البلدين، وفهم كل منهما الآخر. ومع اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 20 تموز/ يوليو 1949، تم تعريف جديد للحدود السورية المرسومة من بريطانيا وفرنسا في عام 1923. فبينما بقيت بعض الأجزاء من هذه الحدود كما هي مرسومة عام 1923، اختلفت أجزاء منها عن الحدود القديمة، فجاءت حرب الأيام الستة عام 1967، بين كل من إسرائيل من جهة، ومصر وسورية والأردن من جهة أخرى، لتزيد من عمق الخلاف على الحدود بين البلدين، إذ سيطرت إسرائيل في هذه الحرب على قطاع غزة في فلسطين، وشبه جزيرة سيناء في مصر، والضفة الغربية ومناطق القدس الشرقية في الأردن، ومرتفعات الجولان السورية. وشكّل عزم سورية وإصرارها على استعادة هذه المنطقة، بعد احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان في سورية مع حرب الأيام الستة، العنصرَ الأكثر أهمية في شكل تصور وفهم البلدين لبعضهما البعض بعد هذه المرحلة. ومع مرور الوقت، لم تتمكن إسرائيل التي دخلت مرحلة تطبيع علاقاتها مع مصر والأردن، من خلال محادثات كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام الإسرا0ئيلية – الأردنية عام 1994، لمدة طويلة، من تأسيس هذه الأرضية مع سورية، وبناء علاقات دبلوماسية معها. ولم تعترف أي منظمة دولية، بسبب القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ([2])، بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان التي يتم تقييمها كمنطقة إستراتيجية، من حيث السياسات الأمنية والاقتصادية والاستيطانية لإسرائيل. وعلى الرغم من أن القرار كان يهدف إلى التوصل إلى توافق حول قضية الحدود، فالتفسير المختلف له من قبل الأطراف أدخل عملية التوافق في مأزق حرج جدًا، وكان تفسير البند المتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة أهم الاختلافات فيه، فبينما اتخذت الإدارة في سورية القرار كمستند لوجوب انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها من دون استثناء، كان التفسير الإسرائيلي له يتجه إلى أن قضية الحدود مسألة قابلة للتفاوض والمباحثات ([3])، في إشارة إلى الحدود الآمنة والمعترف بها والمدونة في القرار، لتشكل قضية مرتفعات الجولان فيما بعد عائقًا مهمًا حال دون تقدم العلاقات الإسرائيلية – السورية.

على الرغم من محاولة الإدارة السورية استعادة مرتفعات الجولان، خلال حرب يوم كيبور [يوم الغفران] عام 1973، فقد باءت تلك المحاولة بالفشل. ومع اتفاقية الانسحاب الموقعة عام 1974 في أعقاب الحرب، تم إنشاء حاجز فعلي في منطقة حدودية تراوح من 10 كيلومترات إلى عدة مئات من الأمتار، من قبل لجنة UNDOF، وتم نشر ما يقرب من 1000 عنصر من قوات حفظ السلام خفيفة السلاح في المنطقة، حيث كُلّفت الوحدة العسكرية الموجودة داخل الحدود التي تغطي جانبي خط الانسحاب، بالعمل على منع التوترات بين الطرفين التي نادرًا ما وقعت ([4]).

وعقدت إسرائيل وسورية في السنوات التي أعقبت عام 1995، مفاوضات سلام ثنائية كجزء من عملية السلام في الشرق الأوسط. لكن قضية مرتفعات الجولان شكّلت إحدى قضايا الخلاف الرئيسية بين البلدين في المراحل اللاحقة. وقد لُوحظ أثناء سير عملية المباحثات هذه أن كلًا من الطرفين كان ينتظر الجانب الآخر ليتخذ خطوات من أجل تطبيع العلاقات.

في هذا السياق، بينما أصر القادة الإسرائيليون على تطبيع كامل للعلاقات مع سورية، قبل أن تتحقق تفاصيل الانسحاب، طالب القادة السوريون إسرائيل بالانسحاب من مرتفعات الجولان كأولوية لبدء مفاوضات السلام والتطبيع. وكانت محادثات السلام التي انطلقت في مدريد بين أعوام 1995 – 2000، تهدف إلى البدء بعملية تسوية بين فلسطين ولبنان والأردن وسورية وإسرائيل. وعلى الرغم من توقيع اتفاقية بين إسرائيل والأردن نتيجة هذه المفاوضات في عام 1994، لم يتم التوصل إلى اتفاق مماثل بينها وبين سورية في هذا الخصوص ([5]). وكانت التطورات التي حدثت على الجبهة الفلسطينية – الإسرائيلية قد أثّرت سلبًا في العلاقات السورية – الإسرائيلية، بعد زيارة المسجد الأقصى الاستفزازية التي قام بها عام 2000 رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون. وقد أسفرت الانتخابات الأميركية التي جرت في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، التي تمخضت عن انتخاب جورج دبليو بوش رئيسًا للولايات المتحدة، عن بعض النتائج على صعيد العلاقات الإسرائيلية السورية، إذ إن إدارة بوش كانت تفكّر بطريقة مختلفة عن إدارة كلينتون، في ضرورة تحسين علاقات سورية، سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن بدأت البيئة الأمنية لسورية ومحيطها المباشر بالتدهور، مع إدراج الولايات المتحدة الأميركية كلًا من سورية وحليفتها إيران في قائمة “محور الشر”، في أعقاب أحداث 11 من أيلول/ سبتمبر ([6]). كان لدى إدارة بوش وجهة نظر عدّت سورية تهديدًا لإسرائيل أكثر منها شريكة في عملية السلام العربية – الإسرائيلية، وأدى ذلك إلى انزلاق سياسة الولايات المتحدة إلى نهج أكثر تشددًا وقسوة تجاه سورية. تجاه كل هذه التطورات اتبع بشار الأسد سياسة شاملة ضد إسرائيل، ففي حين كان الأسد يصرّح من جهة برغبته في استئناف المفاوضات مع إسرائيل، كان في الجهة المقابلة يكثف جهوده لتعزيز قدراته العسكرية، تحسبًا لاحتمال تدهور أكثر للعلاقات معها، إضافة إلى تأسيسه لتحالفات مع إيران وحزب الله، من أجل تشكيل قوة ردع عسكرية تجاه أي هجوم عسكري محتمل من جانب إسرائيل ([7]).

بدأت السياسة الإسرائيلية نحو سورية بعد الحرب الإسرائيلية – اللبنانية، عام 2006، تتطور لتأخذ بُعدًا أكثر نشاطًا وفاعلية، حيث إن المساعدات التي قدمتها سورية إلى حزب الله، في نطاق التعاون الثلاثي بين إيران وسورية وحزب الله في حرب لبنان عام 2006، تم تقييمها من قبل صناع القرار في إسرائيل على أنها تظهر حجم التهديد السوري لأمن إسرائيل القومي. وفي أيلول/ سبتمبر عام 2007، ساقت المخابرات الإسرائيلية مزاعم مفادها قيام كوريا الشمالية ببناء مفاعلات نووية في سورية، فشنت إسرائيل على إثر ذلك عملية عسكرية في المنطقة، اختبرت فيها رد فعل سورية التي لم تقدم على اتخاذ أي خطوة ملموسة تجاه ذلك. غير أن مسألة المفاعل النووي هذه عززت من التصور الإسرائيلي حول مساعي سورية إلى زيادة قدراتها العسكرية.

مع حلول عام 2008، بدأت وجهات النظر التي تصدرت أروقة مؤسسات الأمن القومي الإسرائيلية تتجه إلى أن أفضل الخيارات للتعامل مع سورية والتهديدات المرتبطة بها، هو استئناف المفاوضات معها. وكانت حكومة أولمرت الممسكة بزمام السلطة في إسرائيل آنذاك قد انتهجت سياسات في هذا الاتجاه أيضًا. وقد عدّت هذا الوضع ضروريًا لجهة إضعاف المحور الذي يُعتقد أن إيران تقوده في سورية ([8])، إذ قُرّر بعد المحادثات التي جمعت أولمرت بالرئيس الأميركي بوش الذي كان لديه وجهة نظر مختلفة بشأن هذه القضية، البدءُ باستئناف مباحثات السلام مع سورية بوساطة تركية ([9])، لكن محادثات السلام الإسرائيلية – السورية التي عُقدت منها جولات عدة برعاية تركية، دخلت مرحلة حرجة عقب عملية الرصاص المصبوب العسكرية التي أطلقتها إسرائيل على غزة في أواخر عام 2008، ثم انتهت العملية بالفشل في مرحلة لاحقة، ودخلت الولايات المتحدة الأميركية سباق الانتخابات الرئاسية ([10])، وانتهت مدة ولاية أولمرت الوزارية، ووصل بنيامين نتنياهو ([11]) إلى السلطة بدعم من الناخبين لجناح الائتلاف اليميني في الانتخابات المعتادة، بسبب المشكلات التي واجهتها تسيبي ليفني في تشكيل الحكومة الجديدة عقب تسلّمها الحكومة في إسرائيل بعد أولمرت. وقد عارض نتنياهو بشكل صريح وحازم موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الجولان بعد هذا التاريخ، لدواعي أمنية [12]). وسعت الإدارة الأميركية خلال هذه المدة لتحسين علاقات الولايات المتحدة بسورية بدلًا من العمل على ضمان السلام بين إسرائيل وسورية. واستمرت المفاوضات التي استؤنفت في عهد إدارة أوباما عام 2010 حتى تاريخ بدء الاحتجاجات والمظاهرات في سورية عام 2011.

سياسة إسرائيل تجاه سورية ما بعد عام 2011

سعى صناع القرار في إسرائيل، في المراحل الأولى من الأزمة السورية، إلى حماية المصالح الوطنية لبلادهم بأقل قدر ممكن من التدخل، وقد عدّ هؤلاء الحركات الشعبية المعارضة التي انتشرت في الشرق الأوسط عام 2011 تطورًا إيجابيًا، وربطوا عدم الاستقرار في المنطقة بضعف الثقافة الديمقراطية في العالم العربي. لكن من جانب آخر، سلطت بعض الأوساط الضوء على القلق من أن هذه التطورات قد تخلق تحديات ومشكلات أمنية جديدة، بالنسبة لإسرائيل، لذلك عملت الإدارة الإسرائيلية على تطوير استجابات بالشكل الذي تستطيع فيه التعامل مع هذا الوضع المعقّد. وعلى الرغم من أن السياسة المذكورة تتكون من عناصر تتمايز عن بعضها البعض، فقد اتضح أنها تنطلق من القناعة بأن الجهات الفاعلة التي من المحتمل أن تكون وازنة ومؤثرة في سورية، ستشكل تهديدًا لإسرائيل على المدى الطويل، وأن الإدارة الإسرائيلية أجرت بعض التحديثات في سياساتها المتعلقة بالأزمة، بسبب اتساع المشكلات الأمنية في المنطقة باتجاه إسرائيل في مراحل لاحقة. وقد دافعت الدراسة التي قيّمت هذه التحديثات عن فكرتين أساسيتين: الأولى هي تركيز الإدارة الإسرائيلية في المقام الأول على الحفاظ على أمنها، بدلًا من المساهمة في الأمن الإقليمي في سياق الأزمة السورية؛ والفكرة الثانية هي عدم إيمان إسرائيل بأن طرق التفاوض والتشاور والمصالحة بشأن الأزمة ستسهم في أمنها.

سياسة إسرائيل في المراحل المبكرة من الأزمة

تمت صياغة السياسة الإسرائيلية، في المراحل الأولى من الأزمة السورية، في إطار نوع من سياسة الانتظار والترقب، التي لم تطرح من خلالها أي مشاركة فاعلة في مواجهة التطورات، فلم يصدر عن صناع القرار الإسرائيليين أي تصريح يتماشى مع مطالب السوريين، بخصوص تغيير النظام في بدايات الأزمة، وذلك بسبب التأثر بعملية السلام الباهتة مع سورية، كما ذكرنا في القسم السابق. لكن بالمقابل، شكّلت علاقة التحالف بين النظام السوري وإيران تهديدًا بالنسبة لإسرائيل، لأن إيران موصوفة من قبلها بـ “العدو” ([13])، ولأن استمرار بقاء النظام السوري يعني استمرار موقع سورية القريب من المحور الإيراني. وبناء على ذلك، فإن تغيير الإدارة في سورية يُعدّ أمرًا إيجابيًا لإسرائيل، بسبب احتوائه على احتمالات القضاء وتفكيك هذا التحالف. ومع ذلك، تبرز احتمالات تقييم الجهات التي من المرجح أن تكون فاعلة في سورية، ضمن قائمة التهديد لإسرائيل خلال المرحلة، في هذه الحالة أيضًا. وبالنظر إلى الموضوع من إطار أوسع، ففي الوقت الذي كانت فيهالإدارة الإسرائيلية ترى التطورات التي حدثت في المنطقة من منظور إيجابي، بزعم أنها “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط، كانت، من ناحية أخرى، تراقب الوضع بقلق، بسبب التهديدات الأمنية الجديدة المحتملة. ولذلك، نلاحظ أن إسرائيل استخدمت خيارها بين هذين النهجين، مع الجانب المتعلق بالتهديدات الأمنية.

أهم المشكلات الأمنية الجديدة المحتملة التي قد تواجهها إسرائيل، هي بروز إيران وحزب الله وازدياد نفوذهما في سورية. ففي المراحل الأولى التي انطلقت فيها الأزمة، برزت مزاعم وادعاءات بأن إيران تقدم الدعم لنظام الأسد في سياق تحديد السياسات التي يجب اتباعها ضد جماعات المعارضة. وعلى الرغم من إنكار الإدارة في إيران لهذه المزاعم، فإنها أكدت على تقديم الدعم للنظام السوري من أجل حفاظه على قدرته، في حال وقوع أي هجوم على سورية. ومع ضعف سيادة النظام وسلطته على الأراضي السورية في مراحل لاحقة، رأت إسرائيل أن القوى الأكثر فعالية وتأثيرًا في البلاد هي إيران والقوى المرتبطة بها. ولكن الإدارة الإسرائيلية التي كانت في الماضي تقاتل حزب الله في لبنان فقط لم تكن ترغب في مواجهة حقيقية مع حزب الله الذي اكتسب قوة كبيرة في سورية، لكن تدخل حزب الله في الحرب الأهلية السورية فرض على إسرائيل توسيع إطار الصراع الذي تسير به في الأراضي السورية.

بعد الحرب الإسرائيلية – اللبنانية التي جرت عام 2006، كان ثمة اعتقاد بقيام كلّ من القوات المسلحة الإسرائيلية وحزب الله بتطوير قدراتهما العسكرية. ولكن بدا واضحًا، مع بداية الأزمة السورية، رؤية تطورات ملموسة فيما يتعلق بواقعية هذا الافتراض، إذ إن دخول حزب الله بشكل مباشر في الصراع ساهم في إضعاف وإنهاك قوة المعارضة في بعض المناطق من سورية. وقد كشف هذا الوضع عن دلائل على قوة حزب الله وقدرته العسكرية، لذلك سعت الإدارة الإسرائيلية لمنع المجموعة المذكورة والمجموعات المرتبطة بها من الاستقرار والتمركز في الساحة أكثر من ذلك. وتجاه هذه التطورات، أعلنت الإدارة الإسرائيلية أنها ستقف ضد مساعي إيران والقاعدة والقوات المرتبطة بتنظيم (داعش) للاقتراب من خط وقف إطلاق النار لعام 1974 في هضبة الجولان ذات الأهمية الإستراتيجية لإسرائيل، وضد تشكيلها تهديدًا لها من هناك.

دفعت التقديرات [التقييمات] المتعلقة بتوسيع حزب الله (الذي يقاتل من أجل بقاء النظام ووجوده في سورية) قدراته التقنية، الإدارةَ الإسرائيلية إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات والتدابير في موضوع الوصول إلى الأسلحة القادرة على استهداف المناطق الوسطى من البلاد. وأظهر الهجوم الذي نفذه سلاح الجو الإسرائيلي بتاريخ 30 كانون الثاني/ يناير عام 2013، انعكاس هذا النهج على الميدان بشكل ملموس ([14]). وتماشيًا مع كل هذه التطورات، طالبت إسرائيل بإنشاء منطقة عازلة بين سورية وإسرائيل، يُحظر فيها الطيران، ومن شأنها المساهمة في حماية أمنها. كانت الإدارة الإسرائيلية قد أعلنت أن بعض القوات التي من المحتمل أن تعمل ضد إسرائيل، انتشرت وتمركزت في مرتفعات الجولان بين عامي 2013 و2014، إذ تعتقد إسرائيل أن هذه القوات المرتبطة بإيران وحزب الله سوف تستخدم هذه المنطقة كجبهة جديدة ضدها، وعلى الرغم من أن القوات المسلحة الإسرائيلية كانت تستهدف تلك القوات من حين لآخر، في سياق هذه التطورات، فإن الإدارة الإسرائيلية لم تؤكد رسميًا سوى الهجمات الانتقامية التي حدثت على الحدود.

التطورات التي حدثت في أعقاب الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية

كشفت الأخبار والجدل الذي دار حول استخدام أسلحة كيميائية واسعة النطاق في سورية، في 21 من آب/ أغسطس عام 2013، عن بعض النتائج المتعلقة بسياسة إسرائيل تجاه الأزمة السورية. لكن تم تجنيب سورية تدخلًا عسكريًا خارجيًا، نتيجة الجهود الدبلوماسية الروسية، عبر الالتزام الذي قطعته حول مسألة تسليم ترسانة سورية من الأسلحة الكيميائية. غير أن استمرار الصراع مهّد لبروز إشارات استفهام حول مدى قدرة سورية على الوفاء بالتعهدات التي قطعتها. وفي هذه المرحلة، وعلى إثر تصريح للحكومة الإسرائيلية مفاده أن نظام الأسد قد يخفي مناطق الأسلحة الكيميائية عن المراقبين الدوليين؛ قامت الإدارة الأميركية بتلقين إسرائيل بوجوب احترام قرارات الأمم المتحدة، بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية، وذلك منعًا لاحتمال قيام إسرائيل بعمل أحادي الجانب في سورية.

إن السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية جعلت مسألة أي من السياسات التي ستتبعها الولايات المتحدة خلال المرحلة في سورية تتصدر الواجهة بالنسبة لإسرائيل، لأن الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، بسبب ([15]) الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية والقيم المشتركة التي بينهما، تصوغان سياساتهما الإقليمية من خلال هذا التصور، وتعدّ كل منهما الأخرى حليفًا مهمًا لها في المنطقة. غير أن إحجام الرئيس الأميركي باراك أوباما، عن القيام بتدخل عسكري في سورية في ذلك الوقت، عُدّ من قبل الإدارة الإسرائيلية ضعفًا أميركيًا لجهة احتمالات قيامها بعمل عسكري جديد في الشرق الأوسط بعد الآن ([16])، إضافة إلى هذا، فإن انسحاب القوات النمساوية واليابانية والكرواتية والكندية العاملة ضمن قوات المراقبة الدولية لفض الاشتباك (UNDOF)، من أجل تأمين حفظ استقرار المنطقة الحدودية بين إسرائيل وسورية، عزّز من نهج الاعتماد على الذات لدى إسرائيل، كوسيلة وحيدة لضمان أمنها القومي.

النفوذ المتزايد لـ (داعش) في الساحة السورية

بدأ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الظهور عام 2014، كتنظيم يفرض سيطرته على مناطق شاسعة من سورية ([17]). هذا التطور الذي حدث بالتزامن مع التقييم الذي أشار إلى ضعف احتمال تدخل عسكري أميركي جديد في منطقة الشرق الأوسط، حتى في ظل احتمالية استخدام النظام السوري لأسلحة كيميائية، قد أثّر تأثيرًا خطرًا في تطورات الأزمة السورية. ففي هذه المدة، لم يُلاحظ قيام الإدارة الإسرائيلية ولا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والمجموعات التابعة له التي ازداد نفوذها تدريجيًا في الساحة السورية، بأي هجوم متعمد ضد بعضهما البعض. وهذا يشير إلى أن دوائر الدفاع الإسرائيلية تعدّ (داعش) والجماعات المرتبطة بها تهديدات حالية وظرفية وقصيرة المدى، ولا تعدها تهديدات بعيدة الأمد، كتهديد حزب الله وإيران. لكن بعد هذا التاريخ، في أيلول/ سبتمبر عام 2014، حينما صبّت الإدارة الأميركية تركيزها على محاربة (داعش)، بدأت الدول الأعضاء في التحالف الدولي المؤلف من 70 دولة، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، توجيه ضربات جوية ضد (داعش) في سورية، لتنتقل سيطرة معظم الأراضي التي انسحب منها تنظيم الدولة في مراحل لاحقة، إلى “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب العمال الكردستاني (YPG/ PKK)، نتيجة الدعم الذي تلقتها من الولايات المتحدة والتحالف الدولي. كان هذا الوضع يعني إضعاف نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية، لكنه أدى من جهة أخرى إلى اتساع نطاق سيطرة (YPG/ PKK) في شمال سورية. لكن الولايات المتحدة الأميركية، بعد الانتقادات التي تلقتها بسبب علاقة الشراكة مع (YPG/ PKK)، واصلت تقدمها من خلال التحالف المسمى بـ “قوات سوريا الديمقراطية” (SDG)، وهو الهيكل الذي تم تشكيله في 11 من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2015، وتُعدّ وحدات حماية الشعب العمود الفقري له. وبذلك، فإن الولايات المتحدة فضلت في محاربة (داعش) التحالفَ مع (YPG/ PKK)، لتعزز من قدرة القوات التي تحمل ميولًا لامركزية في سورية. إسرائيل لم تعدّ هذا الوضع تهديدًا لها، بل أبدت استعدادها لتقديم مساعدات إنسانية لـ “أكراد سورية”، عند اللزوم، وأيدت فكرة إنشاء “منطقة مستقلة صديقة لإسرائيل في سورية” ([18]).

التوجهات الإسرائيلية المتغيرة مع االتدخل الروسي

وجدت روسيا في الأزمة السورية بيئة خصبة لاختبار قوتها الجيوسياسية، فتدخلت بشكل مباشر في سورية في أيلول/ سبتمبر عام 2015. على الرغم من البروز الواضح لروسيا في الأزمة السورية بعد هذا التاريخ، قدّمت للحكومة السورية دعمًا عسكريًا ودبلوماسيًا، منذ المراحل الأولى، عندما بدأ الوضع المتأزم في سورية يتحول إلى حرب أهلية. وإلى جانب الخدمات الاستشارية التي قدمتها روسيا للجيش السوري من الناحية العسكرية، فقد منعت دبلوماسيًا العقوبات وقرارات الإدانة الصادرة ضد إدارة الأسد باستخدامها حق النقض (فيتو) في الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن ازدياد تأثير المعارضة السورية ونفوذها في محيط إدلب في النصف الأول من عام 2015، وإمكانية توفير هذا النفوذ ارتباطًا جغرافيًا لهم مع المعارضين في ريفي حماة وحمص، أدى إلى إيصال الوضع على الأرض إلى نقطة حرجة بالنسبة إلى النظام السوري الذي سارع وإيران، على إثر ذلك، إلى طلب المساعدة والدعم من روسيا ([19]التي عدّت هذا الوضع فرصة لاختبار وتوطيد قوتها في المنطقة. وقد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أيلول/ سبتمبر عام 2015، بناءً على دعوة من الرئيس السوري بشار الأسد، أنه سيعزز من وجود روسيا العسكري في سورية، “من أجل دعم الإدارة الشرعية” فيها.

هذا الوضع الذي أدى دورًا مهمًا في بقاء الإدارة السورية واقفة على قدميها تابعته الإدارة الإسرائيلية بكل عناية واهتمام. بعد مدة وجيزة من التدخل الروسي، تغيرت موازين القوى على الأرض لمصلحة الإدارة السورية. لكن إسرائيل عدّت هذا الوضع الجديد تقوية للعلاقات بين إدارة الأسد وحلفائها، على الرغم من تقييده لقدرة صناعة القرار المستقلة لدى الحكومة السورية ([20]). فرضت هذه العملية على إسرائيل بعض التحديات، إذ كانت إسرائيل قلقة في المقام الأول من أن تقع المعدات العسكرية التي قدمتها روسيا للجيش السوري وداعميه، في أيدي القوات التي تشكل تهديدًا لإسرائيل، ومن أن تزيد من القدرة العسكرية لهذه القوى، وراقبت في المقام الثاني عن كثب عملية نشر روسيا لمنظومات الدفاع الجوي من نوع S- 300 وS- 400 الروسية في سورية، في أعقاب إسقاط الطائرة المقاتلة الروسية من تركيا في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2015. هذا الوضع منح روسيا السيطرة على المجال الجوي السوري بدرجة كبيرة ([21])، وأدى إلى الحد من قدرة إسرائيل على القيام بعمليات جوية في سورية.

سارت الأمور بعد التدخل الروسي لمصلحة الإدارة السورية، حيث سيطر الجيش السوري في عام 2016 على مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية للبلاد، فبدأت المفاوضات تعقد حول سورية، بين إسرائيل وروسيا التي بدأ نفوذها في الساحة السورية يزداد شيئًا فشيئًا في هذه المرحلة، وقد غدت إحدى أهم الأطراف الحاسمة والمحددة في الساحة السورية، وهذا دفع إسرائيل إلى التنسيق معها حول هذه المسألة، فإسرائيل ترى أن التنسيق مع روسيا بشأن سورية مهم لجهة حماية مصالحها في مرتفعات الجولان، وفي جهودها ضد الجهات التي تعدّها تهديدًا لأمنها. وفي هذا السياق، طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في أيلول/ سبتمبر عام 2015، بإنشاء آلية اتصال لتجنب الاشتباكات غير المرغوب فيها بين القوات المسلحة الإسرائيلية والجيش الروسي ([22]). وبعد بضعة أشهر، أكد القادة الذين التقوا على هامش مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، الذي عُقد في باريس في نوفمبر 2015، على أهمية الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن منع التصادمات العملياتية. وأعرب نتنياهو الذي أشار إلى التطورات التي حدثت عقب إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا قبيل الاجتماع بأسبوع واحد ([23]) عن أن هذا التطور يُظهِر مرة أخرى أهمية آلية الاتصال التي طالبت بإنشائها إسرائيل بين الجيش الإسرائيلي والجيش الروسي ([24]).

وبعد عام 2015، على إثر تحول الوجود الروسي في سورية إلى مزية بالنسبة للنظام، وازدياد عمق مشاركة حزب الله في الأزمة السورية، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون بأن الإدارة الإسرائيلية قدّمت المساعدة لبعض فصائل المعارضة، بهدف حماية الدروز المقيمين في سورية ([25]). فكان هذا التصريح تغييرًا واضحًا في موقف إسرائيل، التي تجنبت حتى عام 2015 الإدلاء بأي بيان حول علاقتها بالقوات المناهضة للأسد، غير أن استمرار حالة الاشتباكات في سورية خلال هذه المدة حمل معه إمكانية المواجهة مع القوات الروسية في بعض الأحيان من أجل حماية المصالح الأمنية لإسرائيل. لكن، نظرًا لأن روسيا وضعت نفسها على رأس القوى المهيمنة في الصراع في سورية، أبدت الإدارة الإسرائيلية اهتمامًا بالتعاون معها. في هذا السياق، سعت إسرائيل، بسبب موقفها من هضبة الجولان، لإقناع روسيا من أجل منع حزب الله من فتح جبهة إضافية في جنوب سورية، وبالتالي من أجل منع زيادة نفوذ إيران في البلاد.

في عام 2015، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، برفقة رئيس الأركان إيزنكوت، بزيارة إلى موسكو من أجل الفوز باتفاق لإزالة سوء الفهم والتقييمات الخاطئة، ولزيادة التنسيق حول التصادم العملياتي بين البلدين، ولمنع وصول الأسلحة المتطورة إلى حزب الله في سورية ولبنان. وقد صرح الرئيس الروسي بوتين في هذه الزيارة بأن روسيا تتفهم بعمقٍ مصالح إسرائيل في سورية، وأعطى ضمانات بعدم تعريض العمليات الروسية أمن إسرائيل للخطر. وقد قدّم القصف الإسرائيلي لصاروخ S-200 السوري الذي استهدف الطائرة الحربية الإسرائيلية دلائلَ حول إمكانية تطبيق الاتفاق بين إسرائيل وروسيا على الأرض. ثم واصل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو زياراته إلى موسكو لاحقًا، وأوضح أن الغرض من هذه الزيارات هو “منع سوء الفهم والمشاحنات غير الضرورية، وتعزيز التنسيق الأمني بين إسرائيل وروسيا” ([26]). ونتيجة لهذه اللقاءات، حظيت إسرائيل بإمكانية تنفيذ عمليات في المجال الجوي السوري ضد الميليشيات المدعومة من إيران، دونما التعرّض لردع أنظمة الدفاع الجوي الروسية، وحصلت فوق ذلك على تأجيل ([27]) لمسألة منح منظومة الدفاع الجوي S-300 التي تعهّدت روسيا بتزويد إيران بها ([28]).

نهج إسرائيل وأعمالها المتعلقة بمسار حل النزاع

يمكن تعريف عام 2016، بأنه عام انتقال الفوضى والاضطرابات الدائرة في سورية، نحو مرحلة لتأسيس النظام والاستقرار، فالشوط الذي تم قطعه في سياق إيجاد حل للصراع في هذه المرحلة، بين كل من روسيا وتركيا وإيران، ولد مجموعة من النتائج والآثار على المصالح الإستراتيجية لإسرائيل، فقد عدّت إسرائيل أي تغيير للنظام قد يتحقق في سورية مسألة “تافهة وعديمة القيمة”، إذا ما قورنت بالأدوار التي يمكن أن تؤديها إيران والقوى المرتبطة بها في مستقبل سورية. وقد أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بتصريحات مفادها أنهم ليسوا ضد اتفاق يتم توقيعه في السياق السوري، لكن مسألة انسحاب إسرائيل من مرتفعات الجولان لن تكون البتة محلًا للبحث والنقاش. وكان اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي الذي عُقد لأول مرة في مرتفعات الجولان في عام 2016، بعد سنوات من قرار إسرائيل ضم المرتفعات، انعكاسًا لهذا العزم والتصميم. وقد أعرب رئيس الوزراء نتنياهو في هذا السياق عن “أن مرتفعات الجولان التي كانت قطعة من إسرائيل منذ العصور القديمة، هي الجزء المكمل للدولة، وجزء لا يتجزأ عنها” ([29] ).

لاقت مقاربات ترامب (الذي تولى منصبه في الولايات المتحدة في أعقاب الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2017) المتشابهة مع نهج إسرائيل ومقارباتها تجاه سورية وإيران، ترحيبًا كبيرًا من الحكومة الإسرائيلية. لكن الإدارة الأميركية التي فضّلت في البداية انتظار الموقف الذي ستتخذه روسيا بشأن إيران، لم تسلك طريق التحدي المباشر لهذه الجهات، فكانت البنود الرئيسية في جدول أعمال الزيارات التي قام بها نتنياهو إلى الولايات المتحدة وروسيا، في 23 آب/ أغسطس، وفي 15 من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2017، تتركز على النفوذ المتنامي لإيران، وازدياد ظهورها في سورية، والدور الذي ستؤديه في صياغة الترتيبات السياسية في سورية مستقبلًا.

كان الدافع الرئيسي لتحركات إسرائيل الدبلوماسية مجددًا في هذه المرحلة هو الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن سورية، بعد اللقاء ([30]) الذي جرى بين الولايات المتحدة وروسيا، في قمة مجموعة العشرين التي عقدت، في تموز/ يوليو، في ألمانيا، حيث تم في الاتفاق المبدئي على إعلان كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية والأردن كدول ضامنة في ما يتعلق بإنشاء منطقة آمنة على الحدود السورية الأردنية، إذ صرفت إسرائيل جهودًا متواصلة من خلال القنوات الدبلوماسية، لإنشاء منطقة عازلة تمتد من 60 إلى 80 كيلومترًا من حدود مرتفعات الجولان إلى الداخل السوري ([31]). في مرحلة لاحقة توصل المسؤولون الروس والأميركيون والأردنيون، الذين اجتمعوا في عمّان في 12 من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2017، بعيد الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن سورية في قمة مجموعة العشرين، إلى تأمين مناطق لخفض التصعيد في جنوب سورية في غضون ستة أشهر، وتم التأكيد في النص المشترك الذي جرى التوقيع عليه تماشيًا مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، على سيادة سورية واستقلالها، والالتزام بسلامة ووحدة أراضيها. وعلى الرغم من أن نص الاتفاقية الذي سمح للقوات الإيرانية وقوات حزب الله بالتمركز على بعد 7 إلى 20 كيلو مترًا عن الحدود الإسرائيلية أقرّ بقسم من المطالب الإسرائيلية، فهو يشير إلى عدم تلبيته لهذه المطالب بالكامل ([32]). ومهما كان القتال الذي قادته الولايات المتحدة ضد (داعش) في المنطقة فقد عزز من وجود الولايات المتحدة على الأرض، فانسحابها من المناطق التي انسحب منها تنظيم (داعش)، واستيلاء إيران والجماعات المتحالفة معها على هذه المناطق مع مرور الوقت ([33])، تسبب في استمرار مخاوف إسرائيل. ومن الملاحظ أن الإدارة الإسرائيلية قد صبّت تركيزها بعد الاتفاق، على مسألة نفوذ إيران والقوى ذات الصلة بها في سورية، بدلًا من إبداء الرأي في عدد من القضايا التي تمت مناقشتها في الاجتماعات التي عُقدت بين الولايات المتحدة وروسيا، وكذلك بين القادة الأوروبيين فيما يخص المستقبل في سورية.

وبالنظر إلى نهج الإدارة الإسرائيلية فيما يخص مسار وعملية حل النزاع فقد عدّ صناع القرار هذه العملية إطارًا زمنيًا مهمًا لتحقيق الأمن والمصالح الإسرائيلية. لكن النتائج التي تمخضت، سواءً عن محادثات جنيف برعاية الأمم المتحدة، أو عن محادثات أستانا وسوتشي ومجلس الحوار الوطني برعاية كل من روسيا وتركيا وإيران، تركت الإدارة الإسرائيلية إلى حد بعيد خارج عملية حل النزاع، بسبب سياسة التدخل المحدودة التي انتهجتها. ومن هنا، يمكن الاستنتاج أنه ليس لدى إسرائيل، من أجل حماية مصالحها، الرغبة في المشاركة في المسارات المذكورة في بيئة اكتسبت فيها كل من الإدارة السورية وإيران وحزب الله قوة وقدرة.

يتزايد اعتقاد الإدارة الإسرائيلية بعدم أخذ روسيا والولايات المتحدة الاحتياجات الأمنية لإسرائيل في الاتفاقات الخاصة بمستقبل سورية بعين الحسبان. على الرغم من الجهود الدبلوماسية الكبيرة يبدو أن الإدارة الإسرائيلية فشلت إلى حد بعيد في إقناع روسيا والولايات المتحدة بشأن اتخاذ إجراءات للحد من وجود إيران في سورية. وعلى الرغم من إصدار الولايات المتحدة بيانًا في تشرين الأول/ أكتوبر 2017 بأن “إيران هي السبب الرئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي” ([34])؛ لم تطرح خطة ملموسة للحد من النفوذ الإيراني في سورية. وعلى العكس من ذلك، فإن بعض الأراضي المحررة من (داعش) تم الاستيلاء عليها من قبل إيران والجماعات المتحالفة معها، وتمّت متابعة التطورات الحاصلة في سورية من قبل الولايات المتحدة من الناحية الدبلوماسية في الدرجة الثانية. هذا الوضع عزّز الاعتقاد الإسرائيلي بعدم وجود سياسة أميركية ثابتة وملموسة تحمي المصالح الإسرائيلية المتعلقة بالأزمة السورية ([35]). لذلك، بينما واجهت الإدارة الإسرائيلية بعض القيود بسبب العلاقة بين إدارة الأسد حليفة روسيا، وإيران والقوات المدعومة من إيران، لم تتمكن، في الجانب الآخر، من تشجيع الولايات المتحدة على الانخراط بشكل أكبر في الأزمة السورية. وقد كرّر نتنياهو مخاوف إسرائيل مرة أخرى، خلال لقائه بالرئيس بوتين في كانون الثاني/ يناير عام 2018 ([36]).وكشفت التصريحات التي أدلى بها نتنياهو للصحافة بعد الاجتماع عن حفاظ إسرائيل على الموقف الذي اتخذته في المدة الماضية.

الأبعاد التي وصلت إليها السياسة الإسرائيلية: الأعمال الهجومية المكانية

إن عدم تمكن إسرائيل من الحصول على النتيجة التي تريدها من الولايات المتحدة وروسيا، في القضايا التي تطالب بها تجاه التهديدات التي تتصورها، دفعها إلى وجوب بذل جهود مباشرة أكثر فاعلية لتحجيم النفوذ الإيراني والقوى المرتبطة به في سورية. وربّما منحت الجهات الفاعلة إسرائيل ضمانات تتعلق بأمنها، في حال عزمها على تنفيذ عمليات واسعة النطاق في سورية. وإذا أردنا تقييم ردة فعل الإدارة الأميركية التي لها علاقاتها الخاصة مع إسرائيل، يمكن القول إن الولايات المتحدة لا تريد أن تمنح إسرائيل ضمانات كبيرة حول سورية، بسبب رغبتها في تطوير التعاون مع روسيا في سورية، ونقل هذا التعاون إلى مجالات أخرى. ولكن من المحتمل أن تقدّم الإدارة الأميركية دعمًا سياسيًا لإسرائيل في إجراء قد تتخذه، حتى في العمل العسكري، غير أن دخولها في اشتباك لأبعد من ذلك إلى جانبها لا يبدو محتملًا، إذ إن الإدارة الأميركية قررت في 19 من كانون الأول/ ديسمبر 2018، الانسحاب من الساحة السورية، بذريعة زوال تهديد تنظيم الدولة الإسلامية، وقُوبل القرار بخيبة أمل من قبل إسرائيل، على أساس أنه لا يخدم أهداف الدولة على المدى الطويل ([37]). تلقي هذه الخلفية الضوء على جهود إسرائيل ومساعيها في مسألة تحقيق نتائج من خلال الدبلوماسية بالدرجة الأولى، ومن الواضح أن السياسات التي تنتهجها إسرائيل في هذا السياق تأخذ بالحسبان الدور المركزي الذي تؤديه روسيا في صياغة ورسم سورية، سواء في الوضع الراهن أو في المستقبل، والعلاقات مع روسيا التي تتقدم بسلاسة، من دون مشكلات عمومًا.

من الملاحظ أن الإدارة الإسرائيلية تواصل إجراء التحديثات التي تتعلق بأهدافها، إذ أظهرت في هذا الصدد قوتها الرادعة من خلال الأعمال التي نفذتها في سورية ضد الجهات التي تعدّها تهديدًا لها. وهكذا، فإن إسرائيل، منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، تهاجم قوات حزب الله والنقاط العسكرية التابعة للجيش السوري، بحجة أنها تشكل تهديدًا لأراضيها، انطلاقًا من مرتفعات الجولان. وعلى الرغم من أن إدارة تل أبيب تنفي مسؤوليتها عن كثير من هذه الهجمات، نجد أن الحكومة السورية وروسيا تصران على أن إسرائيل هي من يقف وراء عدد من الضربات الجوية المنفذة في سورية ([38]).

كان نظام الأسد قد ادعى قيام القوات المسلحة الإسرائيلية بعمليات عسكرية عدة في عام 2020، استهدفت محيط مطار دمشق في 13 شباط/ فبراير، ومنطقة شرق حمص في 31 آذار/ مارس، ومنطقة تدمر في 20 نيسان/ أبريل، ومحيط مدينة دمشق في 27 نيسان/ أبريل، ومستودعات الأسلحة الإيرانية بالقرب من دمشق في 19 تموز/ يوليو. لكن بعد يوم واحد من هذا الادعاء، أفاد وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت، في 28 نيسان/ أبريل، في بيان مكتوب، بأن إسرائيل قد انتقلت من إستراتيجية إعاقة التغلغل والاستيطان الإيراني في سورية، إلى إستراتيجية طردها قسريًا منها ([39]). فإسرائيل التي تجنبت الإفصاح حتى الآن عن الهجمات المنسوبة إليها، أعلنت لأول مرة قيامها بهجمات ضد أهداف إيرانية في سورية، عبر تصريحات من مسؤولين رفيعي المستوى، كوزير الدفاع بينيت، ورئيس الأركان الإسرائيلي إيزنكوت لاحقًا ([40]). وعلى الرغم من ادعاءات الإدارة الروسية بأن الهجمات الإسرائيلية قد ساهمت في تفاقم الوضع في سورية عام 2020، فإنها حاولت، بردّات فعل معتدلة، موازنة مخاوف إسرائيل التي تعدّها لاعبًا إقليميًا مهمًا، من الناحية السياسية والاقتصادية. ولذلك يمكن قراءة عدم إبداء روسيا ردات فعل قوية، تجاه تصرفات إسرائيل في الساحة السورية في السنوات الأخيرة، ضمن هذا السياق؛ فالمسؤولون الروس الذين لا يرون أن هناك شريكًا “سهل المراس” في سورية يحاولون إرساء أساس يقوم على التعاون مع إسرائيل، على الرغم من الخلافات الناشئة بينهما، حول المسألة السورية. إضافة إلى أن إسرائيل التي تلقت عددًا محدودًا جدًا من هجمات الرد بالمثل، سواء من جانب سورية أو من قبل حزب الله وروسيا، تسعى إلى تأسيس أرضية للحفاظ على حرية الحركة لديها في سورية.

النتيجة

أدى التقارب الجغرافي بين إسرائيل وسورية، وكذلك الصراعات بين البلدين في أعقاب قيام دولة إسرائيل، إلى اهتمام الإدارة الإسرائيلية المباشر بالتطورات المتعلقة بالأزمة السورية، إذ بقيت السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالأزمة تحت تأثير التحديات القائمة أو الناشئة، بنسب متفاوتة في سياق العوامل الداخلية والخارجية. وأهم قضيتين أساسيتين شكّلتا الرأي العام بشأن سورية، في المراحل الأولى من الأزمة، هما اتفاقُ السلام [اتفاقية فك الارتباط] الموقع بين إسرائيل وسورية في عام 1974، ومستقبل الوجود الإسرائيلي في مرتفعات الجولان. وعلى الرغم من أن التطورات التي حدثت في سورية لم تكشف عن تغييرات مهمة في اتفاقية السلام مع مرور الوقت، فإن بقاء نظام الأسد والتطورات الناشئة في مرتفعات الجولان تسببوا في تصدر هاتين القضيتين في جدول الأعمال الإسرائيلي في جوانبه المختلفة، كما أن بروز المناقشات المتعلقة بمستقبل نظام الأسد إلى الواجهة خلال هذه المدة كان له تأثير في أجندة إسرائيل في ما يتعلق بالأزمة. وظهرت في هذا السياق إلى الواجهة مسألة الموقف الذي سيتخذه نظام الأسد تجاه إسرائيل في حال بقائه في السلطة، وهو لاعب مهم يضمن استمرار اتفاق السلام [فك الارتباط] بين إسرائيل وسورية، ومسألة أي من اللاعبين الفاعلين الذين سيكون لهم وزن وتأثير في سورية في حال مغادرته. وكلما زاد وضوح مسألة استمرار تأثير الإدارة السورية في مسار الأزمة، فسّر الرأي العام الإسرائيلي ذلك على أنه زيادة ظهور إيران والقوى المدعومة منها في المنطقة، وبالتالي ازدياد التهديدات الأمنية ضد إسرائيل.

كانت إسرائيل، في سياق النتائج والتداعيات التي أظهرتها الأزمة، تمتلك إمكانية الرد على هذه النتائج بسياسة فاعلة أو سلبية، لكنها، بدلًا من أن تعمل في سياق هذه الأزمة على تطوير نهج سياسي شامل (لاتباعها سياسة واضحة تؤكد فيها على القضايا التي لن تتسامح معها فيما يتعلق بتطورات بالأزمة) مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بنهج التموضع السلبي السالف الذكر، إذ إن الإدارة الإسرائيلية أعربت عن أن اللاعبين الذين يتحركون بفاعلية، اعتقادًا منهم بأن التطورات التي تحدث في المنطقة ستسهم في الأمن والاستقرار الإقليمي، يحملون منظورًا متفائلًا جدًا وبعيدًا عن الواقع. وعلى الرغم من سعي الإدارة الإسرائيلية للتقارب من الدول التي تحمل المخاوف الأمنية ذاتها في المنطقة، فقد تمكنت، بصفتها جهة فاعلة محدودة، من تحقيق هذا الهدف. ومن أهم القضايا الأمنية التي واجهتها الإدارة الإسرائيلية في مراحل لاحقة هي أسلحة الدمار الشامل التي بحوزة الحكومة السورية، وتعاظم نفوذ إيران والقوى المرتبطة بها في سورية.

يمكن، بالنظر إلى سياسات صناع القرار الإسرائيليين في سياق الأزمة، التوصل إلى نتيجتين: الأولى هي أن أولوية إسرائيل في سياساتها تجاه التطورات والتحولات في المنطقة انصبّت على الحفاظ على أمنها وتعزيزه، بدلًا من المساهمة في الأمن الإقليمي؛ والثانية هي عدم إيمان صانعي القرار الإسرائيليين بأن طرق التفاوض والتشاور والمصالحة متعددة الأطراف في ما يتعلق بالأزمة ستسهم في أمن بلادهم، إذ إنهم لا يفضلون ربط السياسات التي يتبعونها بسياسات المؤسسات والجهات الدولية والجهات الفاعلة ذات الصلة بالأزمة. وتعرض الإدارة الإسرائيلية صورة مختلفة عن الجهات الفاعلة المشاركة في الجهود الدبلوماسية المتعلقة بمسار حل الأزمة.

نتيجة لفشل إسرائيل في تحقيق المكاسب المرجوة من الجهود الدبلوماسية، لجأت بعد عام 2017 إلى الأساليب العسكرية، كوسيلة لتقييد نفوذ إيران والقوى المرتبطة في سورية، ويمكن تعريف هذا النهج والأعمال بأنها السمة الأساسية لسياسة إسرائيل تجاه الأزمة السورية، إذ لم يُلاحظ للإدارة الإسرائيلية في أثناء العملية تحركٌ بتوصيف للمصالح يختلف عن ذلك.

حرمون

اترك رد