عروس في سيارة الإسعاف

نور الشامي |

أصعب ما يواجهه المرء في حياته هو فقدان الأحبة، فكيف بعروس في يوم زفافها وبعد طول انتظار وقبل الحفل ببضع سويعات تفقد عريسها؟! أمر لا يكاد يصدق، وموقف مرٌّ حزين لا تدركه العقول.

سيارة الإسعاف وشريط الذكريات

في دقائق معدودة مرت أمام ناظري كل الصعاب التي تجاوزتها مع خطيبي حين رأيت سيارة الإسعاف أمام منزلي، وأبي ترتسم على خديه دموع يحاول وقفها بقوة من خلال تعابير وجهه، لم أتخيل إلا أن مصيبة قد وقعت.

حين رأيت سيارة الإسعاف، تذكرت أشياء كثيرة في لحظات، تذكرت يوم أتت والدة خطيبي من دمشق قبل إغلاق الطرقات علينا، أتت لتودعنا لأن العائلة بأكملها من الأجداد حتى الأحفاد، قرروا السفر خارج البلد هاربين بأبنائهم (الشبان) الذين اقترب موعد التحاقهم بالخدمة العسكرية، فكان يوما كئيبا، كيف لشاب أن يودع أمه ولا يعلم متى سيراها؟ وكيف لعريس ألا يوجد حوله أحد من أهله؟ أخبرني حينها أنني من تبقى له في هذا البلد الكئيب.

في دقائق معدودة تذكرت المواقف المرعبة التي واجهتنا سويا، تذكرت حين تشتبك أيدينا بقوة خلال سيرنا عندما تمر القذيفة بصوتها المرعب وتسقط في الموقع المحدد لها، تذكرت كل الطرقات التي أوصلني منها إلى مكان عملي ونحن نلهث من الركض رعبا من القصف، ومع نهاية الدوام يعيدني لمنزلي مطمئنة لمجرد وجوده معي وبدون فزع من صوت الطائرات التي لا تغادر السماء أبدا، تذكرت كل المرات التي أصابته الشظايا، وكل العمليات الجراحية التي تعرض لها وتجاوزها، ولم يمت إلا يوم زفافنا!! إنها صدمة العمر.

شعرت بدوار واستندت على والدتي، التي كانت مصدومة مثلي، اقترب والدي وكلي هلع، ولم أتخيل إلا أن مصيبة قد وقعت، وكنت لا أتمنى سماع شيء. أحاول أن أضبط أعصابي وأخفض صوتي
سألته: “بابا شوفي ليش عم تبكي وين موفق شو صاير؟”.

أجاب والدي: “عم أبكي فرحان فيكي يا بابا، وزعلان لأن رح يعتم البيت بدونك يا نوارة بيتي، خطيبك بالحفلة، بس عطلت السيارة ورح ناخدك بسيارة الإسعاف ما قدرنا ندبر غيرها”.

عروس تزف بسيارة إسعاف

كمٌّ هائل من المشاعر المبعثرة اعتراني، سررت لسلامة خطيبي، لكن كلمات والدي تتكرر بعقلي، وأشعر بالحزن الشديد، كيف لعروس أن تذهب بسيارة إسعاف نقلت مئات المصابين والشهداء؟ أين الزهور والبوالين؟ لا شيء إلا رائحة الموت في هذه العربة، سيارة الإسعاف التي أراها رافقتني طوال فترة عملي، رغم أنها كانت أمل المصابين من النجاة من أشباح الموت التي تطاردهم، إلا أن صوت إنذارها كان يبعث الخوف داخلي حين كانت تقترب من المشفى خوفا مما سوف أراه، لكنه لم يخيل إليَّ يوما أني سأزف بها ليلة العرس.. وهذا ما حصل.

نعم، حدث في الغوطة الشرقية أن تزف عروس بسيارة إسعاف، ذلك بسبب غلاء أسعار المحروقات من جهة وما يكلفه من أموال كثيرة في استئجار سيارة، فكانت سيارة الإسعاف كمساعدة للأهالي ملاذا لهم في الحزن والفرح.

صعدت إلى السيارة حيث أفرغوا ما فيها من وسائل إسعاف أولية، وضعوا بضعة كراسي لأجلس أنا ومن معي عليهم، عماتي وخالاتي بجانبي يغنين ويطلقن الزغاريد، ووالدي يقود السيارة وينظر إليَّ خلال المرآة ودموعه تحفر أخاديد عميقة بين تلك التجاعيد التي ظهرت في ملامحه من أجلنا.

أنا في دوامة من الضياع، أشعر برغبة في التقيؤ، عقلي لا يستطيع التمييز هل أنا عروس أُزف الآن؟ أم أنني أُصبت يوم زفافي وبدأت أستعيد وعيي في سيارة الإسعاف؟ لكنه يوم هادئ لا قصف فيه بسبب سوء الأحوال الجوية.

انتهى الحفل على خير وسلامة

فجأة يفتح والدي الباب ويطلب مني النزول، تنفست الصعداء لم يكن سوى حلم يقظة قبيح وانتهى. وصلت مكان الحفل حيث تجمع أقاربي ليستقبلوني، لم يكن مكانا فخما كما اعتدنا، كان عبارة عن قبو في مكان مغمور، حيث من الصعب أن تطاله قذائف نظام أسد.

انتهى الحفل على خير وسلامة وأتى العريس مع جمهور من أصدقائه، ترافقه أصوات العراضة الشامية، ليأخذني إلى عشنا الذهبي كما هي العادات في بلدتنا، وبدأت أصوات الرصاص تسابق أصوات المطر في غزارتها، أغلقت أذناي، أتشاءم من أي صوت كان في يوم من الأيام سبباً للموت، كانت هذه إحدى العادات السيئة في حفلاتنا.

صعدت إلى السيارة برفقة زوجي ـ نعم من الآن فصاعدا يتوجب عليَّ ان أناديه زوجي ـ ومعي أمي وأختي بينما تولى أخي أمر القيادة، لكنها ليست عربة الإسعاف فقد تم إصلاح السيارة المخصصة.

رغم قصر الطريق بين البلدتين إلا أنني أشعر أنه طويل جداً، لا أدري لماذا كل الوساوس والأفكار السيئة لا تغادر عقلي، فأنا أخشى من قذيفة تسقط بالقرب منا، فينطبق عليَّ المثل الذي ظهر في الثورة ملائما لظروفنا “أجت الحزينة لتفرح نزلت قذيفة بنفس المطرح” أحاول أن أشغل نفسي بحديث المتواجدين بالعربة فأسمع أخي يقول: “صهري عم تقطش السيارة كأنو خلص البنزين”.

يجيب زوجي: “لا تقولا أنا عبيتا منيح، جرب بما أنو الطريق نزول ما بتطفي”.

وأنا في نفسي أدعو أن يمر هذا النهار على خير، نعم إنه نهار فقد أصبحت أعراسنا تقام في وضح النهار بسبب الخوف من القصف، فالإسعاف والبحث تحت المنازل المتهدمة أسهل نوعا ما من البحث أثناء الليل، وبسبب انقطاع الكهرباء عن الغوطة منذ زمن، تحولنا لاستخدام الأضواء القديمة التي تعبئ بمادة الكاز وتستخدم الفتيل للإنارة، وتطورنا قليلا بعدها لنستخدم (البطاريات الكبيرة ولِدات الإضاءة الخاصة بها)..

أين المفتاح

أخيرا وصلنا إلى المنزل، حملت فستاني الذي أتعبني وزنه الثقيل، فأنا لست معتادة على هذه الأشياء وصعدنا الدرج.

وقفت أمام باب المنزل منتظرة زوجي أن يفتح الباب، نظر إليَّ قائلاً: “وين المفتاح”.

تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني. أنا وضعت المفتاح في جيب المعطف، والعروس عادة لا ترتدي معطفها بل العباءة البيضاء، وبالتالي نسيت المفتاح في منزل والدي.

نظرت إليه وإلى أمي التي صدمت لأنها لم تكن تعلم ما حدث ليلة أمس حين أتى وأعطاني المفتاح، أخبرته والخجل يغمرني أنني نسيته.

الأيام السورية

اترك رد