التطبيع مع إسرائيل يُرهب إيران.. والخليج: من هناك تُأكل الكتف

ما يزال يتردّد بين الحين والآخر، تصريح من هذا الطرف وثاني من الجهة المقابلة، مع رفع كل منهما البطاقة الحمراء في وجه الآخر، وتهديدهما للخصم بالفناء والزوال على يديه، لكن دون أن تتطوّر المواجهة إلى حرب مفتوحة، واقتصارها غالباً على أدوات إيرانية لمواجهة إسرائيل، وهي مواجهة دفعت ثمنها أطراف ثالثة كـ”لبنان”.

التطبيع الخليجي مع تل أبيب

لكن، ومع الخلط الجديد الذي طرأ على أوراق اللعبة في الشرق الأوسط، ما من شانه أن يغيّر قواعد اللعبة ويجعل من خصوم الأمس، أصدقاء وحلفاء اليوم، انبرت طهران للظهور بغية التهديد كعادتها، انطلاقاً مما تسمّيه (الممانعة والمقاومة) المزعومة لإسرائيل، وهي مقاومة كانت تستلزم أن تضع يدها في يد جيرانها بالمنطقة، لا استعداءهم ومحاولة الاستحواذ على أوطانهم وقراراتهم، فظهرت خلال الأسابيع القليلة الماضية، إشارات لم تستبعد توجيه ضربة عسكرية قد يبادر إليها أحد الطرفين للآخر، في لحظة زمنية فارقة ما، كاشفةً عن مخاوف إيرانية متزايدة من ذلك الاحتمال.

الأمر الذي بالمستطاع الاستدلال عليه من حديث مستشار قائد الثورة الإيرانية للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، في الرابع عشر من سبتمبر، عندما قال إنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستقف بوجه التطبيع مع إسرائيل، وإنّ أمن بلاده خط أحمر، زاعماً أنّ “إيران ليس لديها مخاوف أمنية جرّاء التطبيع العربي الإسرائيلي، ولن تتجرّأ أيّ دولة على العبث بأمننا، فقواتنا العسكرية على أهبة الاستعداد للردّ على أيّ محاولة لزعزعة الأمن”.

مزاعم حاولت من خلالها طهران البروز بموقف القوي غير الآبه بالخطر الداهم عليه، لكن، وبجانب ذلك الشدّ، لم تستطع طهران إخفاء مخاوفها كثيراً، وهو ما ظهر من محاولة استمالة وجذب الدول الخليجية بتصريحات رومنسية، صدرت عن قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني، العميد علي رضا تنغسيري، الذي قال، في التاسع عشر من سبتمبر، إنّ منطقة الخليج يتوجب أن تكون خالية من التواجد الأجنبي، ويمكن لطهران إجراء مناورات مشتركة مع الدول الخليجية، مردفاً بأنّه “لا ينبغي لدول الخليج جعل موطئ قدم لإسرائيل في المنطقة، فذلك سيعود عليهم بالأذى”، متابعاً: “مجيء إسرائيل إلى منطقة الخليج لن يكون لصالح الدول الخليجية وسيشكل تهديداً لإيران”.

وتابع، أنّ بلاده على جاهزية للصداقة مع دول الخليج، وأنّ الغرباء سيغادرون في نهاية المطاف، بالقول: “نمدّ يد الصداقة والأخوة إلى دول الخليج، ونقول لهم إنّنا أبناء المنطقة، والغرباء سيغادرون في نهاية المطاف، وسيتخلّون عنكم بعد نهب ثرواتكم”، وهي صداقة لم يرى لها الخليجيون أي أثر على مدار عقود من حكم نظام الملالي في طهران، عقب استيلائهم على السلطة في العام 1979، بذريعة “الثورة”، إذ لم تتوقف محاولات التدخل في شؤون الدول المجاورة والسعي لتوسيع مناطق نفوذ “ولاية الفقيه”.

الهجوم الإيراني على السعودية

والغريب أنّ لغة الود الإيرانية تلك، لم تسمع إلا عقب تطبيع مجموعة دول خليجية مع إسرائيل، بل سبقها قبل عام هجمات عسكرية، كالتي وقعت على السعودية، يوم 14 سبتمبر 2019، عبر استهداف منشأتين نفطيتين لشركة “أرامكو” العملاقة، شرق البلاد، وهما مصفاة بقيق لتكرير النفط وحقل هجرة خريص، والذي تبنته جماعة “أنصار الله” الحوثيّة اليمنية المسيطرة على المناطق الحدودية مع السعودية، شمال اليمن، حيث قالت إنّ العملية نفذت بـ10 طائرات مسيرة، فيما اتهمت المملكة والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، إيران بالوقوف وراء العملية، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى برهان.

وكما لم يغب ذلك الهجوم عن ذاكرة السعوديين ومختلف أبناء الخليج، بقيت تلك الهجمات في ذاكرة قائد نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي، العميد ران كوتشاف، الذي قال في العشرين من سبتمبر، إنّ إيران قادرة على مهاجمة إسرائيل من خلال عملية مماثلة لتلك التي استهدفت السعودية، مضيفاً حول احتمال تعرّض إسرائيل لهجوم إيراني من اليمن: “هذه الإمكانية موجودة، ما حدث في السعودية يمكن أن يحصل في أماكن أخرى”.

وأضاف كوتشاف، أنّ إيران قادرة على نشر قواتها في مواقع مختلفة، بما في ذلك منطقة هضبة الجولان، وتابع قائد نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي: “هل من الممكن أن يحدث ذلك معنا؟ من الواضح أنّ هذا أمر محتمل”، مشدّداً أنّ المشكلة الأساسية التي تواجهها قوّات الدفاع الجوي الإسرائيلي تتمثل في مواجهتها تهديدات من مواقع مختلفة بشكل متزامن، بينها قطاع غزة وسوريا ولبنان وأماكن أبعد.

الولايات المتّحدة على الخط

ولأنّ الوضع كذلك، ولأنّ طهران قد تتهوّر بتنفيذ عمل عسكري أخرق جديد قد يهدّد أمن الدول الخليجية أو إسرائيل، توجه وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، إلى العاصمة الأمريكية، واشنطن، في الثاني والعشرين من سبتمبر، لمناقشة “التفوّق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط، والسياسة الدولية تجاه إيران وتواجدها في المنطقة”، حيث أفادت صحيفة “هآرتس” بأنّ الاجتماعات تناولت “إستراتيجية وقف التوسّع الإيراني في الشرق الأوسط، فضلاً عن التنسيق الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة”، وذلك بعد يوم من تأكيد إسبر أنّ الولايات المتحدة “مستعدة للردّ على أي اعتداء إيراني في المستقبل”.

وهو ما شدد عليه أيضاً، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في التاسع والعشرين من سبتمبر، عندما لم يستبعد أن توجّه تل أبيب ضربة استباقية إلى طهران لمنع تموضعها قرب الحدود الشمالية للبلاد، متعهداً ببذل كل جهد مستطاع للدفاع عن إسرائيل، ومشدّداً على أنّها قادرة على مُحاربة إيران.

ولا يسع المتابع إلا التأكيد على أنّ التطبيع بين مجموعة بلدان عربية وإسرائيل، بات يشكّل شوكة في حلق قوى إقليمية، كإيران وتركيا، إذ لكل منهما مشروع توسعي بالتنسيق مع الطرف الآخر، وربما الانزعاج الواضح لدى طهران وأنقرة، مردّه حرصهما على عدم تغيير قواعد اللعبة التي كانتا تعتقدان بأنّهما قد تفوزان في نهايتها، بمزيد من المساحات المدمرة والمستولى عليها، كما في سوريا وليبيا، وإلى حدٍّ ما لبنان والعراق.  

ليفانت

اترك رد