الكويت: نحو مصالحات واصلاحات؟

عبدالوهاب بدرخان |

نادرة هي التجارب السياسية التي تشبه سيرة أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بجوانبها الداخلية والخليجية والعربية والدولية، طيلة أكثر من ستة عقود. الشخصية القوية والخبرة المتراكمة من معايشة المتغيّرات والأزمات، كذلك المواءمة بين الحزم والاعتدال، كلّها مواصفات صقلت قيادية صباح الأحمد ونقلته من عمادة الديبلوماسية العربية الى ريادة إنسانية على المستوى العالمي. معه ضبطت أجنحة الأسرة الحاكمة منافساتها تحت سقف القيادة، ومكّنت الكويت من تجاوز مطبّات الطائفية والتدخّلات الإيرانية وسواها، كما أصبحت بوصلة الوساطات والتسويات السلمية ووجهة الأمم المتحدة لإطلاق المبادرات الإنسانية.
في المنطلقات والنيات والأهداف لا يختلف الأمير الجديد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح عن سلفه وشقيقه، وإذا لم تكن تجربته وخبراته مشابهة فإنه كان، منذ 2006، حاضراً وشاهداً على مقاربة الأزمات ومشاركاً في صنع القرار، كما أثبت خلال شهور مرض صباح الأحمد وسفره للعلاج حتى وفاته أنه مدركٌ ما ينبغي إصلاحه في الداخل، إذ استمع الى العديد من الوجوه الموالية والمعارضة وتجمّعت لديه رؤية لعلّه لخّصها في خطاب القسم بقوله إن “وطننا يواجه تحديات خطيرة لا سبيل الى تجاوزها إلا بوحدة الصف”. يتقاطع ذلك مع توقعات بأنه يهجس بـ “مصالحة” داخلية، فهي تنسجم مع طبعه وتصلح انطلاقةً لعهده وربما تساعده على انجاز الإصلاحات الصعبة سواء في الاقتصاد، أو في مكافحة الفساد الذي تسبّب منذ 2011 بأزمات ثلاث (التحويلات الخارجية، صندوق الجيش، الصندوق الماليزي) تورّط فيها مسؤولون من الأسرة ونواب ورجال أعمال.
تعوّل الكويت، بالنسبة الى الخارج، على علاقاتها الجيّدة: أولاً مع الولايات المتحدة التي لديها قاعدة عسكرية دائمة كانت رمزية بعد انهاء الغزو العراقي الصدّامي وطُوّرت قبيل الغزو الأميركي للعراق ثم أُبقي عليها، لكنها تُستخدم بشكل محدود في العمليات القتالية، وتعتبرها الكويت ضماناً أمنياً لها. وثانياً مع دول مجلس التعاون الخليجي الذي كان لها دورٌ أساسي في انشائه، كذلك مع الدول العربية كافة. وقد اتقنت الكويت ممارسة التوسّط والحياد والنأي بالنفس عن النزاعات الإقليمية، بما في ذلك الحرص على علاقة طبيعية وهادئة مع إيران ما جعل مجلس التعاون يعهد اليها بملف الحوار مع إيران، فحاولت لكن طهران لم تبدِ الاستجابة اللازمة. كان الشيخ صباح صانع هذا الخطّ بما نسجه من علاقات ومفاهيم، والأكيد أن الشيخ نواف سيحاول تأمين استمرارية هذا النهج الذي جنّب الكويت الكثير المتاعب، خصوصاً الداخلية منها، وللخارج (الإيراني، وأحياناً الخليجي) امتدادات في الداخل كُشفت وفضّلت القيادة معالجتها بديبلوماسية ومرونة.
لكن حتى حنكة صباح الأحمد وقوّته وخبرته عانت في الأعوام الأخيرة من التحوّلات والصعوبات التي طرأت على الإقليم، من سوريا واليمن والعراق وصولاً الى الخليج نفسه. ويُحسب له أنه أعاد قضية فلسطين محوراً للديبلوماسية الكويتية، كما كانت قبل الغزو العراقي، ذاك أن هذه القضية لا تزال قاسماً (أو جامعاً) مشتركاً بين العرب، وهي بالتأكيد نقطة تقاطع بين الإسلاميين الناشطين في الكويت من سنّة وشيعة على اختلاف أطيافهم. لذلك فإن مجرّد طرح الرئيس الاميركي مسألة تطبيع العلاقة مع إسرائيل أثارد الحساسيات وتطلّب صمتاً رسمياً وردوداً من مصادر شبه رسمية تستبعد هذه الخطوة، لأن المجتمع ليس جاهزاً لها، ولأن القيادة كانت تفاهمت مع الإدارات الأميركية المتعاقبة على عدم احراجها بهذا الملف. غير أن إعادة انتخاب دونالد ترامب، إذا حصلت، ستضع ورقة التطبيع على طاولة العلاقات وترفقها بضغوط بعدما أحدث التطبيع الاماراتي والبحريني (والعُماني المحتمل) اختراقاً في المنظومة الخليجية.
الأكيد أن صباح الأحمد مات وفي قلبه حسرة لأن وساطته لم تتوصّل الى انهاء مقاطعة الدول الأربعة (السعودية والامارات والبحرين ومصر) لقطر. لا شك أنه تفهّم دوافع الأطراف بحكم توسّطه بينهم منذ 2014 ثم تعرّف الى الخيوط التي صنعت هذه الأزمة وعاين التباسات الدور الأميركي، لكنه استمر في وساطته التي لا يُعرف مصيرها بعد وفاته، فليس واضحاً إذا كان شقيقه وخلفه الشيخ نواف سيتابعها، فلديه كل المعطيات وقد تكون لديه الإرادة انطلاقاً من الدوافع نفسها التي حرّكت الأمير الراحل، وهي رأب الصدع الخليجي والحرص على مجلس التعاون وتضامن أعضائه. غير أن التغيير المتسارع في عقليات الحكم لا ينفك يشق طريقه في سياسات الخليج وتطلعات قادته، فعلى رغم أن الجميع يعترف بحكمة صباح الأحمد وأبوّته وأصالة أهدافه، وعلى أن ديبلوماسيته تناسب الكويت ومصالحها، إلا أن الصراع مع إيران ثم مع تركيا أسّس لحقبة ربما تتطلّب خطّاً ديبلوماسياً جديداً ومختلفاً.
من هنا أن الجميع يترقّب قرارَي الأمير نواف بتعيين ولي عهده، وكذلك رئيس وزرائه، للتعرّف الى دلالاتهما المستقبلية، سواء على صعيد “المصالحة” أو الإصلاح. كان الأمير الراحل استند الى قاعدة السنّ في اختيار شقيقه نواف لولاية العهد، واُخِذ عليه أنه كرّس الصدارة لفرع “الأحمد” وأقصى فرع “السالم” في الأسرة وزاد فرص فرعين آخرين هما “المحمد” (رئيس الوزراء السابق ناصر المحمد) و”الحمد” (رئيسا الوزراء السابق جابر المبارك والحالي صباح الخالد). قد يتّبع الأمير الجديد القاعدة نفسها بالنسبة الى ولاية العهد، ويتردّد أنه يقارب بجدّية فكرة إعادة فرع “السالم”، لأن “المصالحة تبدأ عنده في بيت الحكم”، وفقاً لأحد المصادر. وأكثر من مرّات سابقة يحتدم التنافس على منصب رئيس الوزراء، إذ أن اختياره سيؤشّر بالنسبة الى كثير من المراقبين الوجهة المقبلة للكويت وتعاملها مع المتغيّرات الداخلية، وبالأخصّ الخليجية.
لكن “المصالحة” تعني للأمير نواف، كما عنت لأمراء سابقين، أن تكون العلاقة “تعاونية” و”مرنة” و”منتجة” بين الحكومة والبرلمان، بدل انتقاله من تأزم الى آخر بحسب تبدّل “اللوبيات” المرتبطة في معظم الأحيان بشيوخ من الأسرة. ستنعكس طبيعة هذه العلاقة على الإصلاحات المنشودة، وقد ركّزت الأطراف السياسية خلال لقاءاتها مع الشيخ نواف طوال الشهور الأخيرة على قضايا عدّة، منها: تعديل قانون الانتخاب، تعزيز استقلالية القضاء، حملة على الفساد، وتسهيل عودة “المنفيين” من سياسيين شاركوا في اقتحام مجلس الأمة عام 2011 أو صدرت في حقّهم أحكام قضائية بسبب تعرّضهم للذات الأميرية أو لدول شقيقة (السعودية والإمارات)… ومن بين هذه الإصلاحات يبرز تعديل قانون الانتخاب (صوت واحد لمرشّح واحد) الذي وُضع عام 2012 لتجنّب هيمنة تحالفٍ ما على البرلمان، وبالتالي تحكّمه بالحكومة وتحدّيه للحكم. المسألة في أي تعديل للقانون لا تتوقف فقط على الهامش السياسي الذي يرغب الحكم في توفيره للبرلمان بل على نوعية النواب وأدائهم. وأي تعديل، إذا حصل، يجب أن يُستبق بضمان الانسجام والوئام بين شيوخ الأسرة والتزامهم عدم استخدام النواب للتنافس في ما بينهم.

اترك رد