في ذكرى “الفيتو” الأول.. كيف دعم سلاح روسيا الأقوى الأسد؟

استخدمت روسيا، ومعها حليفتها الصين، حق النقض (الفيتو) 16 مرة، منذ الرابع من تشرين الأول عام 2011 حتى اليوم، لإبطال كل قرارٍ أممي من شأنه أن يكفل بعض الحماية للمدنيين في سوريا ويحول بينهم وبين آلة الحرب، ويحاسب مرتكبي الانتهاكات في بلادهم.

16 “فيتو” كانت كفيلة بإطالة أمد الحرب وارتفاع أعداد الضحايا واتساع رقعة الدمار، والأهم من كل ذلك أنها كانت أقوى من جميع الأسلحة الروسية التي تم تجريبها على السوريين منذ التدخّل العسكري الروسي المباشر في سوريا لدعم الأسد، في نهاية أيلول 2015.

16 فيتو، ستة منها ذات علاقة باستخدام السلاح “الكيميائي” في سوريا، ذلك السلاح الذي تزامن مع عبارة “الخطوط الحمر” الأميركية، التي لم يُكتب لها أن تُرسم، بينما ترتبط غالبية (الفيتوات) الأخرى بإدخال المساعدات إلى المدنيين المحاصرين داخل سوريا.

ماذا يعني “فيتو” دعم الأسد بالنسبة للروس؟

يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، جيداً بأن ما حصل عليه من مكاسب داخل الأراضي السورية ما كان ليتحقق لولا دفاعه المستميت عن الأسد والحيلولة دون إسقاطه أو محاسبته، من خلال استغلاله لـ “الفيتو”.

وبمجرد استخدام الفيتو الأول، في مثل هذا اليوم من العام 2011، وما لحقه من تمكين القبضة الروسية على مفاصل البلاد ونظام الأسد وصولاً إلى التدخّل المباشر وما تلاه؛ بات استخدام الفيتو بالنسبة للروس، ضرورة سياسية وعسكرية واقتصادية، لأن زوال الأسد، أو رجحان كفة المعارضة، سيعني إسقاط جميع الامتيازات واتفاقات البيع والاستثمار التي وقّعها معه؛ بدءاً من القواعد العسكرية الروسية مروراً بالمرافئ وليس انتهاءً بالمطارات ومناطق استخراج النفط والغاز والفوسفات.

الفيتو الأول.. فاجعة السوريين الأولى

“إنه يوم حزين للشعب السوري ولمجلس الأمن الذي لم يكن يجدر به أن يبقى صامتا إزاء المأساة السورية. كان ينبغي عليه أن يقف بوجه دكتاتور يرتكب مجزرة بحق شعبه ويسعى لكبت تطلعات السوريين المشروعة إلى الديمقراطية”.

بهذه العبارات علّق وزير الخارجية الفرنسي في ذلك الوقت، ألان جوبيه، على فشل مجلس الأمن في استصدار قرار بفرض عقوبات على نظام الأسد لاستخدامه العنف ضد الشعب السوري، نتيجة اصطدامه بالفيتو الروسي- الصيني.

مشروع القرار آنذاك، تقدمت به كل من فرنسا وبريطانيا والبرتغال وألمانيا، وطالب بوقف انتهاكات حقـوق الإنسان واستخدام القوة ضد المدنيين، ودعا جميع الدول “لتوخي اليقظة وضبط النفس إزاء الإمداد المباشر أو غير المباشر، أو بيع أو نقل الأسلحة والعتاد من جميع الأنواع لسوريا” بما في ذلك الخدمات التقنية والمالية وتقديم المشورة.

وفتح ذلك الفيتو وما ترتّب عليه من فشل تبنّي المشروع من قبل المجلس، فتح الباب واسعاً أمام الاحتمالات و(السيناريوهات) المختلفة القادمة، بكل قلقها، في الوقت الذي وصل فيه عدد ضحايا المدنيين على يد قوات النظام إلى 2700 شخص، خلال الفترة الممتدة من منتصف آذار 2011 وحتى ساعة استخدام الفيتو الأول.

قبيل انعقاد جلسة التصويت، حاول دبلوماسيون غربيون إقناع السفيرين الروسي والصيني على التصويت لهذه اللائحة، ولكنهم فشلوا في تحقيق ذلك، رغم ”التنازلات” التي قُدمت لهما من أجل الموافقة على تمريرها، بحسب تصريحات نشرتها بعض وسائل الإعلام .

الموقف الأميركي من الفيتو المزدوج، مثلته سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، سوزان رايس، التي عبرت عن “استياء الولايات المتحدة بشدة من إخفاق المجلس تمامًا” في محاولة التعامل مع “تحد أخلاقي ملح وتهديد متنام للسلام الإقليمي” بحسب تعبيرها.

ونددت بموقف الدول التي رفضت القرار معتبرة أنها “تفضل بيع أسلحة لنظام الأسد”، وقالت أيضاً: “اليوم، يستطيع شعب سوريا الشجاع أن يرى من يدعم تطلعاته إلى الحرية وحقوق الإنسان العالمية داخل هذا المجلس ومن لا يقوم بذلك”.

نظام الأسد وجلسة الفيتو الأول

حين جاء دور سفير النظام في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، لإلقاء كلمته، انسحب الوفد الأميركي والسفير البريطاني من قاعة مجلس الأمن.

وكما جرت العادة خلال جلسات مجلس الأمن اللاحقة؛ عبّر الجعفري عن تجهّمه بالقول: “بلادي مستهدفة من أعدائها من ناحية المبدأ وليس لأي سبب إنساني”، والمبدأ الذي كان يشير إليه يرتبط بما سمّاه موقف بلاده “المقاوم” لإسرائيل.

أما مستشارة بشار الأسد “بثينة شعبان“، فكرّرت عباراتها حول وجود “العصابات الإرهابية” التي تريد تنفيذ “الحرب الطائفية”، ووصفت ذلك اليوم بأنه “يوم تاريخي”، وقالت إن الأمم المتحدة شهدت يوماً تاريخياً مع استخدام موسكو وبكين حق النقض، لوقف مشروع القرار الذي يدين نظامها، وزعمت أن الدول صاحبة المشروع تشجّع “العصابات المسلحة” على إشعال حرب طائفية في سوريا.

التسلسل الزمني للفيتو الروسي

في العاشر من نيسان 2018، وعقب استخدام الفيتو رقم 12 الذي استخدم ضد القرار ( S/ 2018/321) المدين لاستخدام الأسد السلاح الكيماوي في هجومه على مدينة دوما، في 7 نيسان من نفس العام؛ قالت المندوبة البريطانية الدائمة في الأمم المتحدة، كارين بيرس:

“روسيا تقول إنه لا ينبغي لنا أن نحصي كم مرة استخدمت الفيتو. ولكن، على حد تعبير (لينين)، فإن للكم نوعية خاصة به”، وأضافت “لقد قوضت روسيا سلطة مجلس الأمن، وهذه خطوة ضد الإنسانية”.

أما المندوبة الأميركية، نيكي هيلي، فقالت بدورها: “إن موسكو دمرت مصداقية مجلس الأمن واختارت الوقوف بجانب الأسد، معتبرة أن ما جرى نكتة، وروسيا بارعة في ممارسة الألاعيب”. ولفتت إلى أن “التاريخ سيسجل أنه في هذا اليوم فضلت روسيا حماية وحش على حماية حياة الشعب السوري”.

وفيما عدا الفيتو الأول والـ 12، يبقى التالي:

الفيتو الثاني: في الرابع من شباط 2012، وحال الفيتو دون تحميل بشار الأسد مسؤولية قتل السوريين.

الثالث: في تموز 2012: ضد مشروع قرار يدين نظام الأسد، وكان يهدف لوضع خطة انتقال سلمي للسلطة تحت البند السابع.

الرابع: في 22 أيار 2014، لمنع صدور قرار دولي يحيل ملف نظام الأسد إلى الجنائية الدولية. ووفق المشروع فإن المحكمة الجنائية يمكن أن تحاكم المقاتلين الأجانب في سوريا وبينهم عناصر حزب الله والمقاتلون العراقيون وسواهم.

الخامس: في 8 تشرين الأول 2016، ضد مشروع قرار فرنسي- إسباني لوقف إطلاق النار في حلب.

السادس: في 5 كانون الأول 2016، ضد مشروع قرار يطالب بهدنة سبعة أيام في حلب وإنهاء القتال في سوريا.

السابع: في 28 شباط 2017، ضد مشروع قرار بفرض عقوبات على نظام الأسد لاستخدام السلاح الكيماوي.

الثامن: في 12 نيسان 2017، نقضت روسيا مشروع قرار أميركي- بريطاني- فرنسي مشترك بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، ولا سيما الهجوم الذي وقع في خان شيخون.

التاسع: في 24 تشرين الأول 2017، ضد مشروع قرار أميركي يدعو إلى تجديد تفويض آلية تحقيق دولية مشتركة في الهجمات بالأسلحة الكيماوية في سوريا.

العاشر: في 16 تشرين الثاني 2017، ضد مشروع قرار أميركي يمدد مهمة الخبراء الدوليين الذين يحققون في استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا.

الحادي عشر: في 18 تشرين الثاني 2017، ضد مشروع ياباني للتمديد للجنة تحقيق دولية بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية، لشهر واحد.

الثالث عشر: 19 أيلول 2019، ضد مشروع قانون يدعو إلى وقف الأعمال العدائية في إدلب.

الرابع عشر: في 20 كانون الأول 2019، ضد مشروع قرار يدعو إلى تمديد إدخال المساعدات الإنسانية لمدة 6 أشهر من المعابر الحدودية باستثناء معبر الرمثا الأردني.

الخامس عشر: في السابع من تموز 2020 ضد مشروع قرار يدعو إلى تمديد إدخال المساعدات أيضاً لمدة عام من المعابر باستثناء الرمثا مع الأردن واليعربية مع العراق.

السادس عشر: في العاشر من نفس الشهر، ضد مشروع تمديد إدخال مساعدات من المعابر باستثناء معبري باب الهوى وباب السلام الحدوديين مع تركيا.

وبين الفيتو الأول والأخير، ارتفع العدد من 2700 ليصل إلى أكثر من نصف مليون قتيل، واتسعت رقعة الدمار لتشمل مدناً وبلدات بأكملها، وتحوّل نصف السوريين إلى لاجئين في مختلف دول العالم، وباتت سوريا مرتعاً لمختلف الميليشيات الطائفية والعنصرية.

تلفزيون سوريا

اترك رد