وسائلُ هلاكِ الدول وأُفولِ السلطان

محمد عادل شوك |
بعد مراقبة مكثَّفة للأسباب التي أدّت هلاك الدول والممالك، وأفول السلطان على مرّ العصور، خرج علماء الاجتماع بنتيجة مفادها، أنّ الدول والممالك عادةً ما تهلك بإحدى هاتين الوسيلتين:
1- الانقضاض على العاصمة بشكل مباشر، وهزيمة الحاكم والتغلّب عليه، ومجيء حاكم آخر بسرعة قياسية، وأهمّ تلك الوسائل قديمًا هو الانقضاضُ على الخليفة أو الأمير، واختطافه أو قتله غيلة، أمّا في عصرنا الحديث فيكون ذلك عن طريق الانقلابات العسكريّة، الذي شاعت في الدولة ذات النظام الجمهوريّ، التي يتحكّم في قرارها ومصيرها الضباط الممسكون بمفاصل الجيش والقوات المسلحة، أو الرفاق الذين جاؤوا عن طريق الأحزاب الانقلابية، أو الجمهوريات (الجملكية) التي يتوارث فيها السلطة عائلة بعينها، أو إنزال عسكريّ أجنبي، بقصد خطف الرئيس كما فعلت أمريكا دانيال نوريغا، وكانت تنويه مع صدام حسين، وكما ذكر ترامب عن محاولته قتل الأسد بضربة جوية.
وهؤلاء إمّا أن يتخلّصوا من الرئيس بالقتل أو السجن أو النفي، ويقومون بقراءة البيان رقم واحد بعد أن يكونوا قد سيطروا على الإذاعة والتلفزيون المركزيين بالتوازي مع القصر الجمهوري.
وهم من أجل تحقيق ذلك يستغلون حالات التذمّر الشعبي بسبب الغلاء أو الفساد أو الكوارث أو الهزيمة في المعارك مع العدو، كما الحال مع شاه إيران الذي فرّ إلى الخارج بعد أن وصلت المظاهرات إلى أبواب قصره، وأفضل الأوقات لذلك عند سفر الرئيس إلى خارج البلد، تلبية لدعوة رسمية أو لحضور أحد المؤتمرات، أو للعلاج في المشافي الأجنبية، كما مع جعفر النميريّ، أو مغادرته العاصمة في سفرة داخلية كما حصل مع أردوغان.
و لذلك ترى الرؤساء حين الأزمات والاضطرابات والقلاقل لا يبرحون العاصمة إلّا لظروف قاهرة، وعادة ما يعلنون عن سفر الرئيس بعد عودته إلى أرض الوطن، التي غادرها في جنح الظلام، وبعلم الدائرة الضيقة التي تقوم على حراستها والتكتم على أخباره.
2- اهتراء الدولة وتفسُّخُها، الذي يظهر في النقص في أطرافها ابتداءً ،كما يذكر ابن خلدون في أكثر من موضع في مقدمته؛ نتيجة العجز والهرم الذي يصيبُها بعد مرورها بأطوار النشوء والقوة والشيخوخة التي تحدّث عنها علماء الاجتماع، وتعدّ هذه الوسيلة بطيئة في تغيّر الأنظمة والحكومات، قياسًا بالطريقة الأولى.
وعلامة الضعف في هذه الحالة أن تتفلّت الأطراف عن العاصمة، ويفقد النظام السيطرة عليها مع تعاقب الأيام، تمامًا كما جسم الإنسان عندما يصاب القلب فيه بمرض نقص التروية (Coronary ischemia)‏، المرتبط بعدد من العوامل: كوجود تاريخ عائلي بالإصابة بمرض القلب التاجي، أو التدخين، أو السمنة، أو ارتفاع ضغط الدم، أو مرض السكري، أو ارتفاع الكوليسترول في الدم.
الأمر الذي يؤدي إلى نقص تدفق الدم في الشرايين، ونقص الأوكسجين فيه؛ فتكثر على إثره الجلطات والنوبات القلبية، التي ينتج عنها سكتات قلبية تودي بحياة الإنسان، وكذلك “الغرغرينا” أو ” الموت النسيجي للخلايا”، نتيجة الانسداد في مورد الدم، فيقلّ تدفق الدم إلى الأطراف، فتأخذ في الموت واليبس.
ويكون في الدول عندما يضعف سلطانها، وتقلّ رعايتُها الأطراف، وعندما تُفرِطُ الدولة في انتهاج الإدارة المركزية، التي تحرم الأقاليم والمحافظات من الحقوق والخدمات، اعتمادًا على الاستقرار في المركز، كما حصل مع بني العباس، ومع بني أمية في الأندلس الذين أغراهم هدوء الأوضاع لفرط قبضتهم؛ فتسود حينها حالات من التذمّر التي تتنظر عود الثقاب الذي يشعلها، أو في حالات الحصار الاقتصادي الخارجي، كما حصل في العراق.
وهو الأمر الذي عادة ما يحدث مع الثورات ذات النزعات الشعبية، أو القومية، القبلية، أو المذهبية، أو الدينية، كما حصل في بلدان الربيع العربي، وحصل من قبل في إيران والعراق وأفغانستان.
يقول ابن خلدون في حديثه عن هلاك وأفول الأمم نتيجة هذين الأمرين: “إنّ الدولة إذا أدركَها الهرمُ والضعفُ، فإنّما تأخذُ في التناقص من جهة الأطراف، ولايزالُ المركز( العاصمة) محفوظًا، إلى أن يتأذَّنَ اللهُ بانقراض الأمر جملةً، فحينئذٍ يكون انقراضُ المركز.
وإذا غُلِبَ على الدولة من مركزها، فلا ينفعُها بقاءُ الأطراف والنطاق، بلْ تضمحِلُّ لوقتها؛ فإنّ المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح، فإذا غُلِبَ على القلب ومُلِكَ انهزمَ جميعُ الأطراف”.

الايام السورية

اترك رد