مآلات “النفوذ” الإيراني: حروب أهلية وتقسيم

عبد الوهاب بدر خان |

قد تكون واشنطن أخرجت إغلاق سفارتها في بغداد من التداول، لكن من دون أن تسحب تهديدها أو تطويه. أعطت مساعي حكومة مصطفى الكاظمي فرصةً (أخيرة؟) لإنهاء الهجمات الصاروخية على المنطقة الخضراء والقواعد العسكرية. للمرّة الأولى تواجه الحكومة تحدّياً بهذه الجدّية القصوى، وتتعامل معه بإدراك تام لنتائجه، فإذا أُغلقت السفارة الأميركية فسيلحق بها العديد من السفارات الغربية والعربية، ولن يقتصر الأمر على انتكاسة دبلوماسية، بل سيكون إعلان فشل فادح لحكومة عُقدت عليها رهانات داخلية وخارجية كبيرة. وبرغم أن الحكومة واصلت التكتّم على الجهات المتهمة، إلا أن الجانب الأميركي قدّم لها لائحة بمواقعها وطلب تحرّكاً حازماً ضدّها، مقترحاً مؤازرتها أو مهاجمتها وحده عند الضرورة، بعد إخلاء سفارته وسحب قواته. كانت الحكومة قد بدأت تنفيذ خطة تضييق على فصائل السلاح المنفلت، لكنها سرعان ما تيقّنت مما كانت تعرفه مسبقاً، فالمواجهة تُشعل حرباً أهلية، بالأحرى شيعية – شيعية. 
هذه هي المعادلة التي بنتها إيران في البلدان الأربعة: ففي سوريا لا تستبعد كلّياً احتمال انقلاب النظام عليها، ولا احتمال الصدام مع روسيا، متى ارتسمت لديهما مصلحة مؤكّدة، لذا فهي تحصّن وجودها باختراقاتها في الجيش والأجهزة وبميليشيات محلية الى جانب تلك المستوردة. وفي لبنان، تعتمد أيضاً على التمدّد والاختراقات في عموم المناطق، ولا يفوّت “حزب الله” فرصة للتذكير بـ”حرب أهلية” لن يتوانى عن افتعالها، ومن البديهي أن لديه خططاً لتحييد الجيش أو محاصرته. وفي العراق تظهر حالياً أكثر فأكثر مفاعيل انتشار “الحشد الشعبي” في المناطق السنّية أو على تماس مع القوات الكردية، كما ظهرت أيضاً إمكانات تحريك “البيئة الحاضنة” لـ”الحشد” ضدّ الدولة، كذلك ضدّ الوجود الأميركي، بعدما كان الحراك الشعبي قد فرض انحساراً على تلك البيئة. أما في اليمن فتمكّن حوثيو إيران، منذ ستة أعوام، من إشعال حربهم الأهلية في ظلّ الدولة وجيشها ومؤسساتها قبل أن يلغوها جميعاً ليقيموا “دولة العصابات” البديلة. وأما في غزّة فأنجزت “حماس” تخريب مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني من أجل أن تظفر بالسلطة في القطاع، وأن تقيم عراضات مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، فيما هي توّاقة الى اعترافه بها وبـ”شرعية” كانتونها. 
تبقى للعراق الأولوية والأهمية القصوى عند إيران، لأنه على حدودها ويرتبط مباشرة بأمنها، ولأنه الجائزة الكبرى التي تلقّتها من الغزو الأميركي، ولأنها غزت غالبيته الشيعية وزرعت لها قواعد فيها بالأدلجة والعسكرة والاستثمار في الفقر والبؤس والبطالة والعصبية، وكذلك لأن العراق ممرٌ حيوي الى سوريا ولبنان، كما أنه على خاصرة الخليج ويمكن استخدامه في الضربات الاستراتيجية كتلك التي استهدفت منشآت “أرامكو” في السعودية. 
لكن، منذ اغتيال قاسم سليماني، باتت طهران تعرف أن أكثر الضربات قسوةً يمكن أن تأتيها من العراق، بسبب التماس مع الأميركيين الموجودين “لمحاربة داعش”. وقبل ذلك عرفت إيران أن أسوأ التحوّلات في “البيئة الحاضنة” هي تلك التي يمكن أن تحصل في العراق، ولا سبيل لها سوى استخدام العنف لسحقها وتطويعها. ولّت أيام الوفرة المالية التي كانت تجتذب لإيران الولاء الكامل لتلك “البيئة”، وجاءت الأيام التي انكشف فيها اعتماد إيران خلسةً على حكومات بغداد وبالتواطؤ معها للتخفيف من أزمتها الاقتصادية والمالية بسبب العقوبات الأميركية. كانت طهران قد تخلّصت جزئياً من عبء ميليشيات “الحشد” حين فرضت “شرعنته” وتمويله من الدولة العراقية، لكنها أبقت على فصائل منفلتة للاستخدام ضدّ الدولة وضدّ الأميركيين، كما في الاغتيالات وقمع التظاهرات وعمليات الخطف. وفي المقابل، شكّل العراق مصدراً نادراً للدولار، سواء بالتجارة أم بعقود استيراد الكهرباء أم لغسيل الأموال ومداخيل حماية الفساد.
تدرك طهران أن هذه المكاسب تتوافر لها من خلال الوجود الأميركي وارتباط الدولة العراقية به. لكنها تعاملت مع الطرفين باعتبارهما رهينتين لديها ويمكنها ابتزازهما: فالدولة ملزمة بدفع فدية لها لقاء عدم عبث الميليشيات بالأمن، والأميركيون ملزمون بدورهم بدفع ضريبة للحصول على وجود آمن. أكثر من ذلك، وجب على “الرهينتين” قبول “شرعية” ميليشيات “الحشد” والحفاظ على فروع ومقار لها حتى في المنطقة الخضراء، أي جنباً الى جنب مع المواقع الحكومية والسفارات التي تُستهدف بصواريخ الفصائل المنبثقة من “الحشد” والمنفلتة عنه في آن. اعتقدت طهران أن بقاء السفارة الأميركية واستمرار قصفها معادلة أمر واقع ممكنة، مثلما اعتبرت أن الثأر لدم سليماني لا يمكن أن يكون أقلّ من “طرد” الأميركيين أو فرض الانسحاب عليهم، ليس من العراق فحسب بل “من عموم المنطقة”. 
الى أكراد العراق وسنّته الذين يعارضون أي انسحاب أميركي، هناك أيضاً شريحة عريضة من شيعته تشاطرهم هذا الموقف، ليس تمسّكاً بـ”الاحتلال”، كما يصفه شيعة إيران، بل لأن فيه مصلحة للدولة وللبلد. في الأيام الأخيرة استشعر الجميع، بما في ذلك إيران، شدّة خطر الخروج الأميركي من بغداد. وقد زادته سخونة تلك الصواريخ التي أطلقت على مطار أربيل، إذ حملت رسالة مفادها أن الأميركي سيبقى مهدّداً وإنْ في كردستان. لكن الرسالة الأميركية التي أبلغت الى الجميع أن “مجموعات الصواريخ” ستتلقّى ردّاً قاسياً. حاولت ميليشيات “الحشد” التبرّؤ من مسؤولية تدهور الأوضاع، لكن أصابع الاتهام تبقى موجّهة اليها.
لا شيء يمنع واشنطن من سحب آخر جندي لها في العراق. سيقال إنها ضعيفة وإنها تعرّضت لهزيمة لكنها تستطيع تحمّل ذلك، وستهتف إيران بـ”النصر” لكن اليوم التالي في العراق سيكون كابوساً لها يعيد خلط الاصطفافات الداخلية. الورقة الأهم التي كانت إيران تهدّد بها ستحترق في يدها، وستجد نفسها إزاء نصر خاسر، فمجرد الانسحاب الأميركي ينطوي حكماً على عقوبات تحرمها ما كانت تبتزّه حتى الآن، ويرتد عليها بمواجهة مركّبة داخل العراق حيث هناك دولة لها أنياب تحجم عن استخدامها آملةً بشيء من السلم الأهلي للعراقيين الذين رهنوا مستقبلهم بنهوضها، وحيث هناك أتباع لإيران لا يعدون العراقيين إلا بمصير يشابه اليمن المقسّم والصومال المشرذم. لذلك، لم يكن مستغرباً أن تراوح السيناريوات الواقعية لما بعد الانسحاب الأميركي بين حرب أو حروب أهلية، وبين مشاريع التقسيم، فلا مشروع إيرانياً يمكن التعايش معه ولا العيش فيه بحدٍّ أدنى من الاستقرار.     

النهار

اترك رد