التوحّش يفجّر أحقاد السوريين

“لقد رَسبَ السوريون في امتحان احتمال بناء وَطن مستقبلي”. تبتعد هذه الخلاصة عن شُبهات الخَطابة الوطنية، وتدنو من مقاربة ما أظهرَتهُ حرائق سوريا، ولو مجازياً. 

ليس هذا وحسب، بل إنّ ما جرى يوحي بالنماذج الممكنة للاجتماع السوري لاحقاً، والتي قد لا تتجاوز أحد نموذجين: “بلد متجانس أسدياًّ يضمّ فئة مضمونة الولاء، أو بلد مُطيَّف بعَقدٍ اجتماعي وسياسي يحافظ على التنوع، ويفخّخ الاستقرار”.

يبدو للوهلة الأولى أنّ في هذه الاستنتاجات مبالغة تتعدى الحدث البيئي، لكنّ التدقيق أكثر يعطي المسألة أبعادها الفعلية، ويمنع “سوريا الثورة” و”سوريا الأسد” من العودة للنوم في عسل الشعارات.

قد يكون من سوء أو حُسن الحظ ربما أنّ حرائق من هذا النوع دفعت جهات سياسية وإعلامية متعددة إلى المسارعة باستثمار وتوجيه الموقف لصالح أجنداتها المختلفة، فكانت النتيجة أنّ الكلّ ساهموا من دون قصد في قياس الرأي العام السوري. 

ولا تعني القراءات المستخلصة بالضرورة تحميل الحريق مسؤولية إشعال الأحقاد، بقدر ما تشير إلى وجود نزعات ثأرية وانكفائية مُبيتة كانت تنتظر الفرصة للإعلان عن نفسها، بعدما بَلغتْ نقطة اللاعودة في رسمها الواقع السوري على أنّه “نزاع سنيّ-علويّ”.

فعَلى ضفة “الثورة” بدا أننا أمام تعبيرات انتقامية غير مألوفة، ومع أنها موجودة ومعروفة، ولا تخلو منها المجتمعات عموماً، فقد اتسمت بالتحفظ لفترة طويلة ثم انفجرت. 

وإنْ كان من المنطقي عدم إعفاء أطراف معيّنة من صبّ البنزين على نار الغضب وشهوة الانتقام في ظل سهولة تحريك الجموع باستخدام جيوش الكترونية، فإنه ينبغي الإقرار بالمقابل بأنّ هناك جانباً من عاطفة جمعيّة خَرَجَ إلى الضوء، بعيداً من أي رغبة في تحويل ما طفا على السطح إلى عنوانٍ يُشيطن مجتمعات سوريّة.

والملاحظ هنا أنّ الكوميديا اللاذعة عادت في موضوع الحرائق لتكون “السلاح الثوري” للتعاطي كما في ظروف مشابهة. غير أنّ السخرية هذه المرة جاءت صريحة وخالية من المواربة والتنقيح، وأقرب إلى الجدّ منَ الهزل، وفيها استعادة لمفردات وصُوَر الجماعات السورية عن بعضها، وللأشكال النمطية للتعبير عن التفوق والتمايز الإثني، وهو ما يؤكد طبيعة الحدث المختلفة (حرائق تطال مدينة القرداحة رمز التسلط في الذهنية السنيّة السوريّة)، فارتسمتْ ملامح “الانتقام الإلهي” وعدالة السماء والقدَر، بغياب العدالة الأرضية البَشَريّة.

أما في المقلب الموالي للنظام فكانت الصورة مفاجئة أيضاً، مع الجنوح خارج السياسة أحياناً، والانكفاء نحو الدِين في بعض المواقف، نتيجة الوَقْع النفسي للكارثة والذي أتاح شدّ العصب الطائفي وبناء مظلومية عابرة للجغرافيا، تستفيد من ربط الحاضر بمسار التاريخ، وتُعيد شَحن حواضن النظام المتعبة والمثقلة بالهموم المعيشية وصراع البقاء اليومي، تمهيداً للزج بأبنائها في جبهات مُمتدّة مكانياً وزمانياً.

والملاحظ هنا أنّ الكوميديا اللاذعة عادت في موضوع الحرائق لتكون “السلاح الثوري” للتعاطي كما في ظروف مشابهة. غير أنّ السخرية هذه المرة جاءت صريحة وخالية من المواربة والتنقيح، وأقرب إلى الجدّ منَ الهزل، وفيها استعادة لمفردات وصُوَر الجماعات السورية عن بعضها، وللأشكال النمطية للتعبير عن التفوق والتمايز الإثني، وهو ما يؤكد طبيعة الحدث المختلفة (حرائق تطال مدينة القرداحة رمز التسلط في الذهنية السنيّة السوريّة)، فارتسمتْ ملامح “الانتقام الإلهي” وعدالة السماء والقدَر، بغياب العدالة الأرضية البَشَريّة.

أما في المقلب الموالي للنظام فكانت الصورة مفاجئة أيضاً، مع الجنوح خارج السياسة أحياناً، والانكفاء نحو الدِين في بعض المواقف، نتيجة الوَقْع النفسي للكارثة والذي أتاح شدّ العصب الطائفي وبناء مظلومية عابرة للجغرافيا، تستفيد من ربط الحاضر بمسار التاريخ، وتُعيد شَحن حواضن النظام المتعبة والمثقلة بالهموم المعيشية وصراع البقاء اليومي، تمهيداً للزج بأبنائها في جبهات مُمتدّة مكانياً وزمانياً.

وفي هذا السياق فإن روايات النظام الموجّهة إلى البسطاء بالدرجة الأولى حولَ دَور “الأيادي الخارجية” و”دواعش الداخل” في إشعال الحرائق تجاوزت حيثيّتها الإعلامية إلى فكرة غير معقلنة هي “استهداف سكّان الجبل من قبل غرباء”، وهي صورة لها جذورها في لاوعي أهل تلك المناطق الخائفين المُهجرّين، وذلك ضمن تركيبة الديموغرافيا السكانية والطائفية السورية المعروفة منذ أكثر من قرن من الزمن.بالتأكيد لا يَصِحّ تخيّل الانقسام السوري ككُتل بشرية متقابلة لا تحمل تنافرات في داخل كلٍّ منها، لكن ومن جهة ثانية يجب عدم تجاهل الخطوط التي رسمَتها الحرائق في المشهد العام، لنصل إلى مرحلة وكأننا أمام خِطاب كراهية محلّي يتغذّى من نموذج المظلوميّات الشرق أوسطيّة القائمة على مبدأ تبادل مَواقع الأذى تاريخياً.

وبعيداً من “ساحات العُنف المُصغّر” المتمثل في هاشتاغات وسائل التواصل الاجتماعي وأساليب الشماتة والقتل اللفظي، فإن وقوع معارك مستقبلية على الأرض في جبهات كإدلب، أو في مناطق ثائرة أخرى، يُنبىء بانتهاكات لا سقف أو حضيض لها، وقد لا تقف عند نبش وتحطيم قبور وركل شواهدها بالنعال، وما يرافقها من صرخات الوعيد بالتشفي من الموتى والأحياء على السواء، ذلك أنّ مَشاعِر وزخماً إضافياً سيَتقدّم القوات المقاتلة في الحملات العسكرية اللاحقة. كلّ ذلك في غياب حلول السياسة، وانعدام اهتمام الدول الفاعلة بالملف السوري، إلا عند الحاجة لمرتزقة طبعاً.  

ولو تركنا الجماهير المُجيّشة؛ المنتصرة والمهزومة فايسبوكياً بنقرة أو تعليق، فإن هناك سوريين كُثُراً لم يكونوا أقل صخباً وعنفاً من أقرانهم الموالين والمعارضين لدى تفريع غضبهم ويأسهم من فكرة “الأمل”.

وفي مُجمل الانفعالات المتنوعة في أذيتها للذات أو للغير، كان المشترك هو أن التوحّش السوري جاء في أصدق تجلياته، ليكشف أن الحريق الأكبر لم يكن في الغابات، وإنما في نفوس تشاركت الشعور بأننا نودّع حُلُماً ببناء وَطنٍ يتسع للجميع ويصلح للحياة، إلا في حالة واحدة هي انتقال طائر الفينيق السوري الناهض من تحت الرماد من عالم الخيال إلى عالم الواقع.

المدن

اترك رد