سورية… المدام فاتن*

twitter sharing button
whatsapp sharing button
email sharing button
sharethis sharing button
print sharing button

عبدالرزاق ديابعبدالرزاق دياب

ليس حادثاً يستحق الكتابة عنه لأن البلاد التي لا خبز فيها ولا كهرباء ولا ماء تجاوزت في مآسيها موقفاً غير أخلاقي لموظفة في مؤسسات النظام، ولكن الحادثة التي شغلت السوريين في الداخل على مدى يومين تأتي أهميتها من كونها تعكس لغة التعامل مع الشعب طوال عقود من حكم البعث وآل الأسد.
أن تطرد موظفة حكومية مواطناً، وتتهجم عليه وتهين كرامته أمر عادي في دولة اعتادت أن تعامل مواطنيها كأجراء وعبيد، وهؤلاء الصغار يعكسون عقلية المؤسسة الحاكمة في النظر إلى السوري على أنه مجرد كائن يحتل حيزاً من فراغ الوطن يعيق تمدد السلطة في لقمة أكله وراتبه ووجوده فلا مانع من طرده أو حتى قتله وسجنه.
في سورية..بإمكان المدام فاتن (الموظفة) أن تلفق للمواطن تهماً لا تحصى من قبيل تعطيل وجبة فطورها، وقطع انسجام قصصها وهي تشرب (المتة)، أو كما قالت إهانة زميل لها في العمل، وإن اعتذرت لأن أحداً صوّرها وهي تشتم وتلعن وتهدد فهذا لا يمنع أيضاً من أن تنشر بعد يومين منشوراً مع (أركيلتها) تعتز فيه بثقتها بنفسها التي لا تهزها مواقف عابرة.
في سورية البعث يطرد المواطن من أمام الفرن وموقف الباص ومن مكتب رئيس البلدية وطابور المازوت والبنزين والغاز، وكذلك من مخفر الشرطة حتى لو كان لديه شكاية محقة إذا لم يدفع ثمن كتابة الضبط للمساعد أو رئيس المخفر.
لا قيمة للمواطن في بلاد المدام فاتن إلا بما يفيض به كرمه على الموظف المتعب من مال وطلب رضا، وسياسة حكومات النظام عززت لدى طرفي العلاقة هذه الطريقة في التعامل فالموظف يرشو ليصل إلى كرسيه الصغير ثم يرشو ليصل إلى الكرسي الكبير، وهذا يتطلب مالاً من جيب المواطن، والمسؤول الذي عين الموظف يدرك تماماً أنه بلا هذه السياسة لن يدفع له أحد من أجل كرسي حقير.
وماذا يمكن لمواطن ساخط أن يفعل، ولمواطنين وجدوا فرصة للسخط أن يفعلوا…كل ما يمكن هو كثير من الشتائم التي ربما تصل في أقصاها لرئيس الحكومة، وحملة فيسبوكية لا قيمة لها يغرق فيها الناس بعيداً عن مشاهد طوابير البنزين والخبز، وهذا ما يريده النظام الذي قد يدعي معاقبة الموظفة التي أساءت لصورة دولة المواطنة البائسة.
وبالرغم من وقاحة تصرف المدام فاتن وسيل الشتائم والاستنكار الذي تسبب به الفيديو المنشور إلا أنها وجدت من يدافع عن تصرفها في أنه ممكن الحدوث، وأن الموظف إنسان من الممكن أن يخرج عن طوره فلديه أيضاً هموم ومشاكل كغيره من المواطنين الذين يعانون ويلات الحصار والغلاء والوباء، وهذا ما يمكن أن يساعد في التخفيف من السخط على تصرفها.
المدام فاتن هي صورة النظام بكل مؤسساته ورجالاته فكلهم فاتن، وهم صنيعة عصابة حكمت بموجب قانون التشبيح والبلطجة والكذب، ووصلت بسورية إلى دولة فاشلة بامتياز بقوة القهر والقتل.

*عبد الرزاق دياب – زمان الوصل

اترك رد