عندما كانت واشنطن مقتنعة أن موسكو ستطيح بالأسد

كانت الثورة لا تزال في بدايتها عندما تلقّت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون بريداً إلكترونياً حول الموضوع السوري، ينقل عن مصدر سوري كان مقرباً من بشار الأسد، أن الأسد سيسقط إذا أقنعت واشنطن موسكو وبكين بالتخلي عنه.
في 28 شباط/فبراير 2012 تلقت كلينتون البريد المذكور الذي يصف الشخص الذي يتحدث عن الأسد، بأنه على صلة لصيقة بأعلى مستويات القيادة السياسية والدبلوماسية في النظام السوري.

يقول المصدر حسب رسائل بريد كلينتون التي كشف النقاب عنها، إنه “ما لم تكن هناك بعض الانشقاقات الملحوظة التي تسقط بيت الورق بأكمله بسرعة في سوريا، فإن النظام لديه الجهاز القمعي للبقاء هناك لعدة أشهر إن لم يكن سنوات (هذا ما حصل). أكثر من ذلك، يبدو أن لديه الرغبة والاعتقاد بأن ذلك ممكن”.
ويرى المصدر أن “النظام قد ينهار أيضاً، إذا تم إقناع روسيا والصين بالانضمام إلى بقية المجتمع الدولي وزيادة الضغط والإدانة، فإن نظام الأسد سيكون في خطر كبير. تشير مصادر حساسة للغاية في الأمم المتحدة إلى أنه إذا انضمت روسيا، فستفعل دول البريكس الأخرى (البرازيل والهند والصين وجنوب إفريقيا). ومع ذلك، تعتقد هذه المصادر الحساسة أن الروس سينتظرون لأطول فترة ممكنة، ربما معرفة ما إذا كان الاستفتاء الدستوري الجديد والإصلاحات الأخرى ستنتج أي علامة على إضعاف المعارضة. إذا لم يفعلوا ذلك، فقد تضغط موسكو بقوة أكبر لكي يرحل الأسد ويضع نفسه كلاعب أساسي في الإشراف على أي نوع من الانتقال السياسي. يمكن للأسد وأفراد عائلته بعد ذلك الذهاب إلى المنفى في روسيا أو إيران أو ربما حتى الهند أو فنزويلا”.
ويتحدث المصدر السري عن أمور أعتقد أنها مهمة لفهم بشار الأسد والانتفاضة في سوريا قائلاً: “بينما يعتقد بقية العالم أن الأسد كان واهماً، أو على الأقل يحاول صرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للانتفاضة، منذ خطابه في 30 آذار/مارس 2011 عندما ألقى باللوم على مؤامرات أجنبية بالتسبب بالاضطرابات في سوريا، يعتقد هو ودائرته الداخلية حقاً -أكثر مما يتصور معظم الناس- أنه كانت هناك بالفعل مؤامرات أجنبية منذ البداية”.
ويقول: “هذه، ببساطة، الطريقة المختلفة تماماً التي تدرك بها القيادة السورية طبيعة التهديد بناءً على تاريخها الخاص، وهو تاريخ تعرضت فيه سوريا لمؤامرات أعداء خارجيين، وهذا يكفي لإضفاء مصداقية على مثل هذه التحذيرات بالنسبة للعديد من السوريين”.
ويضيف “القيادة السورية لديها نموذج من المفاهيم مختلف يؤطر طبيعة التهديد الداخلي والخارجي لبلادها. من وجهة نظر الغرب، يبدو أنه مصاب بجنون العظمة. من وجهة نظر دمشق، فهو حكيم وقائم على ظروف تاريخية. وقد ساعد العنف الذي أطلق العنان في خلق الظروف لتدخل القوى الخارجية في الواقع بشكل أكبر على المستوى الدبلوماسي إن لم يكن من حيث التمويل المباشر وتسليم الأسلحة، لذلك فقد أصبحت إلى حد ما نبوءة تحقق ذاتها”.
ويتابع: “حملة الحكومة السورية هي بمثابة زر ضغط ورد فعل متشنج على التهديد الداخلي. يسير العمل بالشكل المعتاد. ليس الأمر وكأن الأسد لا يسيطر على قوات الأمن. كانت هذه هي الطريقة التي تعمل بها سوريا تحت حكم الأسد. وحتى الآن، لم يكن بشار على استعداد لتقليص الحجم الهائل من الفسحة التي منحها لقوات الأمن للتعامل مع التهديدات، المحلية والأجنبية على حد سواء، حيث يُنظر إلى الأخيرة على أنها تسبب الأولى”.
ويقول: “كان هذا تنازلاً خطيراً عن السلطة لصالح قمع قوات الأمن التي لا تعرف سوى طريقة واحدة للتعامل مع التهديدات. أخبرته شخصياً بعد استجوابي بطريقة تهديدية من قبل قوات الأمن في مطار دمشق لمدة ثلاث ساعات في العام 2007 أنه بحاجة إلى مزيد من السيطرة على قوات الأمن، وإذا لم يفعل ذلك، فقد يعود الأمر لمطاردته. حسنًا، هذا بالضبط ما حدث”.
ويضيف “لقد ذهب بشار ببساطة إلى العمل كالمعتاد بدلاً من فهم الظروف الجديدة التي أوجدها الربيع العربي. بالإضافة إلى ذلك، فإن نظامي حافظ وبشار الأسد ببساطة لا يقدمان تنازلات من موقع ضعف متصور. لن يقدموا تنازلات إلا من موقع القوة المتصور، لذا فإن اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين مع تقديم إصلاحات سياسية هما وجهان لعملة واحدة. هذا سلوك نموذجي للغاية”.
ويروي المصدر أنه “على مدى خمس سنوات (2004-2009) من الاجتماعات المنتظمة مع بشار الأسد (وغيره من المسؤولين السوريين البارزين)، شاهدته شخصياً يصبح أكثر ارتياحاً للسلطة، إلى حد أنه أصبح أسير غطرسة القوة. أعتقد أنه كان بالفعل مصلحاً ملتزماً في البداية، لكنه سرعان ما أدرك ما يمكنه وما لا يمكنه فعله كرئيس. على مر السنين، بدأ في تصديق المتملقين من حوله والدعاية المحيطة به بأن رفاهية البلاد كانت مرادفة لرفاهيته. إنه يعتقد حقاً أن كل ما حدث، حتى العنف، هو في النهاية من أجل رفاهية البلاد على المدى الطويل”.
ويضيف “إنه يعتقد بصدق أن الإصلاحات التي أعلن عنها، مثل الاستفتاء الدستوري، ستحدث فرقاً كبيراً وتقلل من حدة الحرب. ربما يعتقد أنه لم يتلقَّ ما يكفي من الفضل في الصحافة العالمية المنحازة، للإصلاحات التي أعلن عنها وحاول تنفيذها، وهو ما يتسق مع ما شعر به في الماضي من حيث عدم تلقي الامتنان الكافي للإنجازات التي يشعر أنه قام بها. لذلك، يعتقد هو ومؤيدوه أنهم بمفردهم ويجب أن يفعلوا الأشياء بطريقتهم الخاصة”.
ويتابع: “يعتقد أعضاء فريق القيادة في سوريا حقاً أنهم سيقومون بالأمور على طريقهم. إنهم ينظرون إلى الأشياء على المدى الطويل وليس على المدى القصير. تعتقد القيادة أنها إذا تمكنت من الصمود لسنوات أخرى، فسوف يصمدون أكثر من المتظاهرين، وسيجذبون أكثر اهتمام العالم، وفي نهاية المطاف في غضون عشر سنوات أو نحو ذلك سيعيدون البلاد إلى للمجتمع الدولي”.
ويضيف “لقد نجوا في أذهانهم من الهجمة والعزلة من قبل، بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وبرزوا في وضع أفضل. على الرغم من أن الوضع الحالي يختلف اختلافاً جوهرياً من حيث طابعه الداخلي، إلا أنهم يعتقدون أنه يمكنهم البقاء على قيد الحياة مرة أخرى والظهور في نهاية المطاف في وضع أفضل”.
ويتحدث المصدر عن فهم الأسد للتهديدات الخارجية قائلاً إنه “في الفترة التي قضاها في السلطة منذ عام 2000 ، كانت ردود بشار الأسد مدروسة للغاية على الاستفزازات. إنه يفهم بالتأكيد القوة غير المتكافئة، أي أنه يدرك أن بلاده ضعيفة نسبياً عند مقارنتها بالعديد من جيرانه والجهات الخارجية المهتمة”.
ويتابع: “على سبيل المثال، كانت ردود نظامه متواضعة إلى حد ما بعد الغارة الأميركية التي نفذتها من العراق على سوريا لقتل متمرد مشتبه به، والقصف الإسرائيلي لمفاعل نووي مشتبه به، والاغتيال الإسرائيلي (المحتمل) لعماد مغنية في وسط دمشق، من بين أمور أخرى”.
ويقول: “حذر أحد مستشاري الأسد المهم بشكل خاص من أن الوضع الداخلي للنظام السوري قد يتدهور إلى درجة أن الانضمام إلى القتال ضد إسرائيل قد يكون بمثابة محاولة أخيرة لتحويل الانتباه وحشد الجماهير حول النظام. واجه النظام السوري ضغوطًا دولية مكثفة من قبل. يشعر أنه يستطيع فعل ذلك مرة أخرى على المدى الطويل، حتى لو أصبح كوريا الشمالية في الشرق الأوسط”.

المدن

اترك رد