الائتلاف السوري وحكومته المؤقتة يسعيان لتغطية الشمس بالغربال

رياض علي |

اعتدنا من الائتلاف الوطني السوري وحكومته المؤقتة بين الفينة والأخرى أن يتحفانا ببيان أو تصريح أو بتصرّف مخيّب للآمال، حتى إنّ عبارة “مخيّب للآمال” أصبحت بعيدة كل البعد عن هاتين المؤسستين، كونه لم يعد من أمل يُرجى منهما، وأعتقد بل وأكاد أجزم بأنّ غالبية المتصدّرين للمشهد في المؤسستين المذكورتين، يسرُّون في الجلسات الخاصة بهذه الحقيقة، وسبق أن سمعت بذلك من الكثيرين منهم شخصياً.

ولكن الحجّة التي يسوقونها للبقاء في مركب الجهتين المذكورتين -إن وضعنا الفوائد المادية والعلاقات الوهميّة التي ما حلموا بها يوماً ما في حياتهم جانباً- هو أنّه لا بديل يذكر للذهاب بسوريا إلى بر الأمان، وأنّه من الممكن التعويل على اتفاق الدول الفاعلة وخلق إرادة دولية لإيجاد حل سياسي في سوريا، ومن ثم قد يكون للائتلاف وحكومته دور في الحل المرتقب، كون الائتلاف هو الجهة الوحيدة من جميع مؤسسات المعارضة الذي حظي بالاعتراف من غالبية دول العالم.

وبغض النظر عن مدى قوة تلك الحجج والأعذار، يفترض بهاتين الجهتين التصرّف بما يليق بذاك القدر من الاعتراف، كونه لم تنل أي جهة أو مؤسسة معارضة اعترافاً شبيهاً لما حظي به الائتلاف، على الرغم من قناعتنا بعدم وجود إرادة دولية بعد للتغيير في سوريا، لكن على العكس من هذا الكلام، صارت تصرفاتهما في السنوات الأخيرة مناقضة لكل هذا الكلام، بل تتصرفان وكأنّهما مطالبتين بزعزعة وهدم سمعة المعارضة ومؤسساتها، بشكل عام، وبالتالي منح الذريعة للقوى الفاعلة في الملف السوري بأنّه لا بديل أفضل من الأسد وأزلامه لحكم سوريا، فبعد أن تبنّت الحكومة المؤقتة المنبثقة عن الائتلاف تشكيل الجيش الوطني السوري، الذي لم يتوانَ عن ارتكاب كل الموبقات والانتهاكات بحق الإنسان في أية بقعة تواجد فيها من الأراضي السورية.

تم إرسال عناصر من هذا الجيش إلى خارج التراب السوري، وذلك للقتال كمرتزقة لصالح جهات غير سورية، وعلى أراض تبعد عشرات آلاف الكيلو مترات عن الحدود السورية، وهذا ما حدث في كل من ليبيا وأذربيجان، تلك الحروب التي لا ناقة لنا نحن السوريين فيها ولا جمل، ولا نعلم كسوريين أين ستكون وجهة هؤلاء المرتزقة في الأيام القادمة.

وقانونياً، فإنّ فعل الارتزاق بحدّ ذاته يشكل جرماً وفقاً لاتفاقية الأمم المتّحدة لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم لعام 1989، بالإضافة إلى عمليات القتل خارج القضاء والتعذيب والخطف بقصد الحصول على الفدية والإخفاء القسري والاعتقال التعسفي وعمليات الاغتصاب والاستيلاء غير المشروع على عقارات الأهالي وتعفيش ممتلكاتهم، وغيرها من الموبقات التي لايمكن أن تندرج إلا في خانة جرائم الحرب.

ومع ذلك فإنّ وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، والجهة السياسية التي منحته الثقة، بقيت ساكتة على كل هذه الجرائم المرتكبة من قبل ميليشيات يفترض أنّها تابعة لها، وفقاً لقواعد التسلسل العسكري والإداري، ولم تأتِ بأيّ تصرّف أو بيان يشير بأنّها غير راضية عن مثل تلك التصرفات، وبأنّها ستقوم بمحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، وعلى رأسهم قادة الفصائل والفرق المشكلة لما يسمى بالجيش الوطني السوري.

وعندما صدر التقرير الدوري لللجنة الدولية المستقلة الخاصة بسوريا، في شهر أيلول 2020، في الدورة الخامسة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذكرت الانتهاكات المرتكبة من قبل عناصر وقادة الجيش الوطني، وكلها موثّقة حسب التقرير بالأدلة وأقوال الشهود، كان يفترض بالائتلاف وحكومته الترحيب بهذا التقرير، والعمل على محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم، والاستفادة من هذه الفرصة التي أتته على طبق من ذهب، ليبيض صفحته كما يقال، خاصة بعد مسرحية تبادل الطرابيش بين رئيسي الائتلاف وهيئة التفاوض، على الرغم من قناعتنا بأنّه لا يملك أي سلطة فعلية على أصغر عنصر من عناصر الميليشيات المذكورة، من الناحية العملية، لكن ورقياً وإعلامياً هو الذي تبنّاها ومنحها الغطاء السياسي ويدَّعي قيادته لها، ولا يمكن تفسير هذا التصرّف اللامنطقي إلا بتعرضهم للترغيب أو للترهيب، فليس لعاقل أن يصدق بأنّك تتبنى شخصاً أو جهة موغلة في ارتكاب الجرائم والانتهاكات وأنت عملياً لا تملك من الأمر شيئاً، إلا إذا كنت مستفيداً أو مكرهاً على ذلك، أي كما قلنا بأنّ ذلك مطلوب منهم.

لكن وعلى العكس من ذلك أصدرت الحكومة المؤقتة بياناً تنكر فيه كل ماورد في التقرير بحق جيشها الوطني من جرائم وانتهاكات، وتدّعي عفة تلك الميليشيات وطهارتها من كل تلك الموبقات، وذكرت “تابعنا التقرير الأخير الصادر عن اللجنة الدولية المستقلة والذي تضمن وللأسف أكاذيب وافتراءات سياسية مصاغة بلغة تحمل عداءً كبيراً للثورة السورية، يصل لدرجة التحيّز ضد الجيش الوطني ومؤسساته والافتقار إلى المهنية الحقوقية”، على الرغم من أنّ أقل الناس تتبعاً للوضع السوري، وخاصة في المناطق التي مرّت به أقدام تلك الميليشيات، يعلم فداحة وقذارة الأفعال التي ارتكبتها، وبأنّه ثمّة الكثير منها لم تطفُ على السطح بعد، ولم تعلم بها لجنة التحقيق مصدرة التقرير المذكور، بل ووصلت الصفاقة بهذه الحكومة أن تتهم اللجنة بعدم الحيادية والتحيز، هذه الحكومة التي كانت ترحب دوماً بالتقارير الدورية التي صدرت عن اللجنة المذكورة طوال السنوات الماضية من عمر الصراع السوري، كونها كانت تركز على جرائم النظام السوري وانتهاكاته.

ولم يتردّد رئيس “الإئتلاف الوطني السوري” نصر الحريري، بإرسال رسالة إلى رئيس لجنة التحقيق المستقلة، تحفّظَ بموجبها على ما ورد في تقريرها وطالبها باطلاع الائتلاف على “تفاصيل القضايا المزعومة في منطقتي عفرين ورأس العين لإحالتها إلى القضاء الوطني في المناطق المحررة للتحقيق فيها ومحاسبة المتورّطين فيها، وإنصاف من ثبت انتهاك حقوقهم”، إذاً، هو يطالب لجنة التحقيق بتزويده بالمعلومات المتوفرة لديها بهدف التأكد والتحقيق بالانتهاكات المزعومة من قبل اللجنة، لكن وبكل بساطة ما طالبت به رئاسة الائتلاف، هو مجرد كلام مرسل يقصد به تغطية الشمس التي ألهبت أعينهم وأجسادهم بغربال الكذب والتحايل والتهرّب من روح المسؤولية.

وهل قضية النساء اللواتي تم العثور عليهن في إحدى مقار فرقة الحمزات، بتاريخ 28 أيار 2020، والذي ضجّت به وسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك عن أنّ قيادات فرقة الحمزات والشرطة العسكرية المتواجدة في تلك المنطقة لم تنكر هذه الحادثة، وتوعدت كذباً بمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، تحتاج إلى أن تقوم اللجنة بتزويد الائتلاف بالمعلومات المتوفرة لديها ليبدأ بتحقيقاته المزعومة؟ وهل قضية الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات والعقارات، ومنها منزل عائلة المدعو محي الدين عيسو، والذي تم تحويله إلى معهد لتحفيظ القرآن الكريم، وبحضور والي مدينة شانلي أورفة التركية، وبمراسم رسمية تم بثّها عبر وسائل الإعلام التركية، تحتاج أيضاً إلى المزيد من المعلومات ليتصرّف الائتلاف على أساسها؟.

خلاصة القول، إنّ إنكار الحقائق بمثل هذه البيانات من الأجسام المحسوبة على المعارضة، كالائتلاف والحكومة المؤقتة، وتسترها على جرائم ميليشيات الجيش الوطني، واستخدامهم كمرتزقة في حروب خارج سوريا ولمصلحة أطراف غير سورية أضرّ كثيراً بسمعة المعارضة والمعارضين، وغير قناعات الكثير من الدول المتعاطفة مع السوريين، وكل هذا يصبّ في مصلحة النظام الذي أوغل في قتل السوريين وتشريدهم، وهذه الأفعال اللامسؤولة من هكذا أجسام محسوبة على المعارضة سيطيل أكثر في عمر المحرقة السورية، وسيضاعف من عذابات السوريين وقهرهم.

ليفانت – رياض علي

اترك رد