إطلالة مبكرة على لعبة الرئاسة

ميشيل كيلو |

بعد الكلمات، التي ألقاها من أوهموا أنفسهم بأن إسرائيل فتحت بازار الرئاسة السورية، وتجاهلوا -لشدة تهافتهم الوطني والإنساني- أن المناسبة التهريجية جدّية، بالرغم مما أثارته من استنكار وغضب أملاهما افتقار الغاضبين إلى روح الدعابة السوداء جدًا، وخضوعهم لسوء الفهم وخداع الذات الذي أوهمهم بأمور:

1- أن الرئاسة ستبقى الجهة التي سيعاد بواسطتها إنتاج النظام السوري الجديد، وأن وظيفتها ستبقى “أسدية”، لذلك، سيبقى شاغلها هو النظام، ومن الضروري أن تتجسد السلطة والدولة في شخصه، وأن يمتلك من القدرات والمؤهلات ما لا يتوفر لأحد سواه.

2- علمًا بأن أحدًا من المعترضين لم يقل من أين للمعارضة برئيس كهذا، إن كانت سنوات الصراع التسع لم تسمح ببروز معارض لديه المواصفات المطلوبة، بل كانت سنوات حرق مدروس لكل من اشتبه الأسدُ ومعظم ممثلي المعارضة والفصائل بأنه صاحب قدرات ومؤهلات قيادية ووطنية، فكرية وسياسية. هذه الأجواء المسمومة لم تُبق سوريًا واحدًا بمنجاة من التشويه والكذب الذي مارسه بحرفية جيش الأسدية الإلكتروني الرافض أيّ حل سياسي يطبق القرارات الدولية، أو تلبّي بنوده مطالب السوريين التي سيكون من الصعب الاستجابة لها، ما دام الطرف المحسوب على الشعب يقوده ويمثله خونة ولصوص منحطون أخلاقيًا ووطنيًا، بشهادة معظم مرتزقة الفصائل، خاصة إن كانوا من المؤمنين بالحرية التي يعتبرها “الجهاديون” كفرًا يُقتل الداعون إليه، أو يُنبذون وتُشوّه سمعتهم، بمعونة من الأسد، ما دام الثوري يجب أن ينتمي إلى النموذج الداعشي المتوفر بكثرة خارج تنظيم “الدولة الإسلامية” أيضًا، واستولى على عقول معظم المنضوين في الفصائل المتأسلمة، ومنهم عددٌ من الذين ألقوا خطبًا عصماء ضدها في حوران وغوطة دمشق وريف حمص أو حلب… الخ، لكنهم آمنوا مثلها، ومثل الأسد، بأن الديمقراطية كفرٌ يوجب قتل القائلين به، كما حدث في دوما، حيث قتل شبيحة “جيش الإسلام” رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم الحمادي، قبل ساعات من تسليم دوما لشبيحة ومرتزقة السلطة، التزامًا بتعهد زعيمه المؤسس بأن لا يكون في “سوريته” ديمقراطية، إلا تحت حذائه. هذه الداعشية التي شملت الجميع، ومنهم جماعات من الإسلام السياسي اتّهمت بالارتداد والكفر، تطرح السؤال حول قليل العقل الذي يمكن أن يغامر بترشيح نفسه للرئاسة في أجواء كهذه؟ ومن أين سيحصل على آلاف المسلحين غير الجهاديين، لحمايته من هؤلاء، وممارسة حريته في التحرك والقول خلال حملته الانتخابية، سواء في مناطق الأسدية، أم مناطق الجولاني وعصاباته، فضلًا عن الفصائل المذهبية التي تحتل قطاعات واسعة من ما يسمى “المناطق المحررة”؟ وأي فرصة نجاح ستكون متاحة لمن لا تنطبق عليه مواصفات “جهاديي” الاستبدادين السياسي والديني؟ وماذا يمكنه أن يمارس من صلاحيات الرئاسة، في أجواء يرجح أن تفتقر -في سنوات ما بعد الحرب- إلى القانون والنظام، ولا يستبعد أن يسرح ويمرح فيها “آباء العمشات” والجولانيون والداعشيون بمختلف مسمياتهم وتصنيفاتهم، ومعهم الأسديون، ومن تربوا على أيديهم من قطّاع طرق وقتلة ومجرمون محترفون؟ أخيرًا: هل ستنتهي الكارثة السورية بانتخاب رئيس محكوم بشبيحة الطرفين اللذين يُحكم الشعب بواسطتهم؟ أليس من الضروري، لإنقاذ ما بقي من شعب وعمران سورية، المطالبة بإدارة دولية لمرحلة الانتقال التالية للحرب؟

3- إذا كان من أدانوا الذين رشحوا أنفسهم يعتقدون أن ظروف مرشحي المعارضة الرسمية قد تختلف عن ظروف هؤلاء، أو أن فرصهم في الفوز ستكون أكبر، فهم واهمون. وإذا كان هناك من يتخيّل أن لن يكون للمعارضة غير مرشح واحد، فهو لا يعرف الواقع، ويجهل عمق مستنقعات الضغائن التي تسبح المعارضة فيها. وإنْ كانت تبرز هنا وهناك بؤر وطنية تضمّ أعدادًا من المقموعين الشجعان، فإن هذا لا يعني أن من ينتمون إليها لن يكونوا مهددين في حياتهم، إن خرجوا من احتجازهم المتعدد الأشكال، ولا أن لهم دورًا وازنًا يلعبونه في مستقبل وطنهم وحريته.

4- إذا كان من رفضوا مرشحي الرئاسة الإسرائيليين صادقين، فإن عليهم أن لا يكتفوا بإدانتهم، وأن يبادروا إلى وضع معايير ترشيح تتفق مع مطالب ثورة الحرية وقيمها، وتُلزم من سيتم اختياره من المرشحين بتقديم برامجهم للناخبين، على أن يحددوا فيها الضمانات الوطنية التي يلتزمون بتحقيقها، ويتعهدوا بأن يعملوا على توحد السوريين بعد ما عاشوه من تبعثر، وتعرّضوا له من مجازر ومذابح واضطهاد. وبالتلازم مع ذلك، لا بدّ من أن تصحب ذلك جهود مكثفة تحثّ على تسمية وانتخاب من لا تنطبق عليه المواصفات الوطنية أو يرفض قيم الثورة، أو يمكن أن يحيد عنها، كي لا تكون الانتخابات استمرارًا لأشكال جديدة من الحرب بعد الحل، تؤدي إلى الإمعان في انتهاك حقوق المواطنين المدنية والسياسية، وتحوّل الفائز بالرئاسة من رجل دولة إلى أمير حرب عدوه شعبه.

5- عبّر مرشحو “إيدي كوهين” للرئاسة عن أحد أوجه الواقع خارج مناطق الأسدية، فهل تكفي إدانتهم للخروج منه، أم تزداد الحاجة إلى القيام، قبل فوات الأوان، بالعمل الضروري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بهمة ومعونة شعبنا، على الرغم مما في واقعنا القائم من صعوبات تبعث على اليأس والإحباط!

حرمون للدراسات

اترك رد