إلى متى؟

ميشيل كيلو |

إلى متى تواجه دولنا ومجتمعاتنا استعصاءات الخروج من حالها الراهنة، وبلوغ أوضاع مغايرة؟ وإلى متى تستمر أوضاعنا التي تقف وراء إخفاقنا، المرة تلو المرة، في تخطي تحدّيات الخارج، لأسبابٍ ترجع إلى تهافتنا الداخلي، وعجزنا عن مواجهة أخطارٍ لم نجد ما نواجهها به، غير الهروب إلى حلول غربتنا بالأمس عن الواقع، واحتجزت قدراتنا، وأملت علينا خياراتٍ أضعفتنا إلى حدٍّ جعل منا فريسة أعداء لطالما تربصوا بنا، وأعدّوا كل ما هو ضروري للانقضاض علينا؟ 

وإلى متى تجدّد محاولاتنا الإصلاحية تحديث تخلفنا الثقافي وتأخرنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتنقلنا من أزمة عميقة إلى أخرى أعمق، ومن مأزقٍ خطير إلى آخر أعمق وأشمل. وعندما أخذت بعض بلداننا بالنظام الانتخابي الذي أسهم في اندماج المجتمعات المتقدّمة، وفي تخطي انقساماتها، مارسته في أطر أعادت تعزيز عصبياتها القبلية التي لطالما مزّقت مجتمعاتها، وأنتجت عكس ما كان مستهدفاً منها، وبدل أن تنتج نظاماً تمثيلياً يجسّد رغبات الشعب، أنتجت نظاماً تناحرياً قوّض ما كان قائماً فيها من انتماء مشترك وأهداف موحدة، وحولت علاقاتها إلى هدنٍ أقرب إلى استراحات حربية منها إلى العيش بسلامٍ وتراضٍ في وطن واحد؟

 

وإلى متى نعالج الحاضر والمستقبل بوصفاتٍ تنتمي إلى ماضٍ اختلفت مشكلاته أشدّ الاختلاف عن مشكلاتنا الراهنة، وتلك التي تنتظرنا، فلا عجب أننا فقدنا البارحة ما كان لنا من قدرةٍ على مغالبتها، خصوصاً بعد انتقال العالم إلى الرأسمالية كنظام كوني اقتحم عالمنا العربي، وأسقطه في معضلاتٍ لم تتوفر له الخبرة الضرورية للتعامل معها، وفصله إلى دولٍ مصطنعة وكيانات يسوسها حكام تعوزهم الأهلية، لتخطي ما تربص بها من أخطار، في ظل تفوّق الاستعمار عليها في التنظيم والإدارة والخبرات والابتكارات والسلاح، وإضعافها عبر نهب مواردها وخيراتها، وإمعانه في إفقارها، بينما لم تواجه سلطاتها ما تدافع به عن مصيرها غير تكوّرها على نفسها، وحبس شعوبها في شرانق قرّر الاستعمار حشرها فيها، بما أن ذلك يمعن في تغريبها عن واقعها، ويحول بينها وبين تنظيم مقاومة تستعيد حريتها بواسطتها؟ 

وإلى متى، وقد زال الاستعمار كوجود مادي، نحجم عن التعلم من تجربتنا المأساوية، وندرك أن لا خلاص لنا من دون مزامنة عصرنا والانخراط فيه، ونعيد إنتاج الهوة بين العالم وبيننا، ونرضخ لأنماط من الحكم أقرب إلى الاستعمار الداخلي منها إلى حكوماتٍ وطنيةٍ، تلبي رغبات شعوبها، وتُخرجها من التبعية للخارج، بدل إلحاقها به مقابل محافظته على نظمها كجهات معادية لها، بلغ من شطَطها أن شعوبنا أخذت تقارن بين حكامها وأعدائها الخارجيين الذين كانت قد قدمت الغالي والنفيس لتتخلص منهم، لكنها تعاني اليوم من مأزق حدّه الأول رفضها أي تدخل خارجي في شوون أوطانها، وحدها الثاني رغبتها في الخلاص من حكّامها، بجهودها الخاصة، أو بدعم من الآخرين. 

أخيراً، إلى متى نبقى أسرى وضعٍ أدّى إلى هزيمتنا بالأمس أمام أعدائنا الخارجيين، ويهزمنا اليوم أمام أعدائنا الداخليين، من دون أن نعطي الأولوية للرؤى والأساليب الكفيلة بكبح احتجازنا في فواتٍ نعتقد أنه نمط امتلائنا التاريخي، مع أننا لم نجد لديه في الماضي، ولن نجد عنده فيه حاضراً ومستقبلاً، ما نحتاج إليه لمبارحة مأزق تاريخي، نبدو وكأننا نفتقر إلى بدائل له، تحرّر وعينا ليحرّرنا من حكامنا الذين بدّلوا أثوابهم ولم يبدّلوا طبيعتهم، ويغرقوننا، منذ نصف قرن، في مستنقع لا مخرج لنا منه، تكمن أسسه في فشلنا عن ابتداع ما هو كفيلٌ بفتح صفحة جديدة في علاقتنا مع أنفسنا وواقعنا، أين نحن منها اليوم؟

إلى متى نبقى عاجزين عن إدراك حالنا، وعازفين عن القيام بالعمل الذي يضع أقدامنا على مساراتٍ جديدة، هي ردّنا على بلايانا؟

العربي الجديد

اترك رد