اللاجئون السوريون يُكابدون لإعادة إحياء بيروت

تتضاعف المخاوف في لبنان من تنامي مشاعر المعاداة للاجئين السوريين بالرغم من إسراعهم لنجدة العاصمة بيروت بعد الكارثة التي حلت بها إثر انفجار مرفئها في الـ4 من أغسطس الماضي وذلك في وقت لا يزال فيه اللبنانيون ينتظرون الدعم الدولي للنهوض بمدينتهم وبلدهم الذي يعيش أزمة سياسية واقتصادية خانقة.

بيروت – هب اللاجئون السوريون للإسهام في إعادة بناء المناطق المنكوبة في بيروت بالرغم من أنهم يشكون من سوء المعاملة من قبل المسؤولين الذين يعتبرونهم عبئا إضافيا على اللبنانيين.

 وبالرغم من أنهم لا يتقاضون إلا أجرا زهيدا بسبب انخفاض الليرة اللبنانية التي فقدت 80 في المئة من قيمتها في سنة واحدة إلا أن اللاجئين السوريين يعيدون بناء النوافذ وإصلاح الأبواب وطلاء المنازل وتركيب الزجاج في المباني السكنية الشاهقة وذلك بعد تضرر العديد من المناطق في العاصمة اللبنانية من انفجار مرفأ بيروت في وقت سابق.

ولكن هذه الأعمال التي ترمي إلى انتشال بيروت من محنتها لا تقي اللاجئين السوريين من انتقادات المسؤولين اللبنانيين الذين يرون أنهم يثقلون أعباء البنية التحتية المدنية، ويسرقون الوظائف، ويعيشون من الإعانات المخصصة للبنانيين.

وتتسبب هذه الانتقادات في انتكاسة للسوريين الذين يكدحون لإحياء مجد بيروت السابق لكنهم لا يعتقدون أن مساهمتهم ستُذكر عندما تُروى قصة نهوض المدينة.

وبعد ثلاثة أشهر على انفجار الآلاف من الأطنان من نترات الأمونيوم المخزنة في ميناء بيروت بما أضرّ بالعديد من المناطق والسكان، لا يزال جزء كبير من المدينة خرابا. ولم يقدم المجتمع الدولي حتى الآن سوى الحد الأدنى من المساعدات الطارئة، بما في ذلك المساعدة الأساسية في الإسكان.

وقالت الناطقة باسم ​مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين​ في ​لبنان،​ ليزا أبوخالد، إن “الترميم يبقى الخطوة الأخيرة في استجابة المفوضية”. فبينما تدرك المفوضية تأثير الانفجار على الشركات والتحديات التي يواجهها أصحاب الأعمال، تركز الاستجابة الحالية للمفوضية على ضمان تمتع المتضررين بظروف معيشية مناسبة، لاسيما قبل فصل الشتاء.

وقدمت المفوضية 6500 معدات مقاومة للعوامل الجوية و600 دولار كمساعدة لأكثر من ألف أسرة (حوالي 4 آلاف شخص) وتعتزم مضاعفة العدد أكثر من 10 مرّات. وقدّمت الحكومة الأميركية المساعدات الطبية والغذائية من خلال الوكالات بينما دعم الألمان الغذاء ووعدوا بإنفاق مليون يورو على هذا القطاع. وقال متحدث باسم المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي إن إعادة بناء سوق الغذاء يؤمن سبل عيش حوالي 100 من صغار المزارعين.

219 ألف شخص يعيشون في 73 ألف شقة تقع في 9100 مبنى كلّهم تأثروا بانفجار مرفأ بيروت 

وتقصّر الجهود  العديدة وحسن النية عن المطلوب لإعادة بناء المدينة وإحيائها. وتقدر الأمم المتحدة أن 219 ألف شخص يعيشون في 73 ألف شقة تقع في 9100 مبنى تأثر بالانفجار مباشرة. ولم يتلق معظمهم أي مساعدة بعد.

وقال مصدر دبلوماسي رفيع لمجلة فورين بوليسي إن المجتمع الدولي، بقيادة الفرنسيين، يبحث عن شركاء محتملين لتنسيق مشاريع إعادة الإعمار الكبرى معهم.

وفي معظم البلدان الأخرى، نظرا لأن الحكومة هي المسؤول الأكبر والمسؤولة أمام شعبها، يتم توجيه الأموال من خلالها. لكن اللبنانيين الذين فقدوا الثقة بالنخبة السياسية ولا يريدون أن يروا أي مساعدة أو استثمار يمر عبر الحكومة.

ولتمويل المرحلة التالية من إعادة الإعمار، يجب أن يوجد كيان محلي في السلطة. وأضاف الدبلوماسي “لا يمكننا التفكير في من يمكن أن يكون هذا غير الحكومة. فعلى الرغم من أن البنك الدولي يعمل على آليات بديلة محتملة، يريد المجتمع الدولي أن يكون النشطاء السياسيون من المجتمع المدني جزءا من هذا الكيان”.

كما يرتبط التمويل الدولي للمرحلة التالية من إعادة الإعمار بالإصلاحات التي طُلب من الحكومة إدخالها. ووعد سعد الحريري، الذي أصبح رئيسا للوزراء من جديد، بالإعلان عن إصلاحات.

وبينما تتصارع النخبة السياسية حول الوزارات ويسارع المجتمع الدولي للمساعدة، تحرّك العمال السوريون. وأثبتوا أنهم أكثر موثوقية بالنسبة لأصحاب المنازل والشركات الذين بدؤوا في إصلاح ممتلكاتهم.

ومات سوريون في كارثة انفجار مرفأ بيروت أيضا وتركوا وراءهم عائلات يائسة. وقُتل 40 شخصا على الأقل في الانفجار وجرح المئات وما زال ثمانية في المستشفى.

وتدهورت ظروف السوريين المعيشية في لبنان كمضيفيهم، لكن، ونظرا لأنهم كانوا الفئة الدنيا من المجتمع، فقد زاد الوضع من سوء حالهم. وحسب دراسة أصدرتها منظمة العمل الدولية مؤخرا، كان السوريون أسوأ حالا خلال الإجراءات المتخذة خلال الأزمة الصحية. وحددت الدراسة أنه تم تسريح ستين في المئة من المستجوبين السوريين أثناء الإغلاق.

ويخشى النشطاء تراجع مكاسب الـ200 ألف سوري الضئيلة قبل الانفجار بشكل حاد حيث أحدث الانفجار فجوة في جيوب اللبنانيين. ووفقا للمفوضية، قفزت نسبة اللاجئين الذين يعيشون في فقر مدقع من 55 إلى 80 في المئة في الأشهر الأخيرة.بينما تتصارع النخبة السياسية حول الوزارات ويسارع المجتمع الدولي للمساعدة، تحرك العمال السوريون وأثبتوا أنهم أكثر موثوقية بالنسبة إلى أصحاب المنازل الذين بدؤوا في إصلاح ممتلكاتهم

ودهن عبداللطيف المنازل المتضررة في شارع جعيتاوي، وهي منطقة أخرى في شرق بيروت تحملت العبء الأكبر من الانفجار. تدمر منزل عبداللطيف في دير الزور بسوريا جراء قصف النظام، وبينما كان يعتقد أنه في أمان في لبنان، حطم انفجار الميناء أبواب مسكنه المستأجر ونوافذه.

وبالنسبة إلى لطيف، كان الأمر أشبه بفقدان منزله من جديد حيث كان يتقاضى 45 ألف ليرة لبنانية في اليوم، وهو ما يعادل 30 دولارا قبل الأزمة الاقتصادية في لبنان. وأصبح يكسب ما يقرب من 5 دولارات. ويقول إن هذا لا يكفي لإعادة بناء منزله في سوريا، لكن طلاء منازل مضيفيه يمنحه بعض السلوان. وتابع “في مثل هذه الفترة، لا يتعلق الأمر بما يدفعه اللبنانيون لنا. لكن، سيكون من الرائع أن يصلح اللبناني منزله الذي نعيش فيه”.

ويعتبر بعض اللبنانيين عمل السوريين الشاق أمرا مفروغا منه. وقال مشرف في حانة “إن السوريين كانوا دائما عمال بناء في لبنان. ويتقاضون رواتب. وهذا هو سبب قيامهم بذلك”.

وقال ناصر ياسين، وهو أستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت ومحلل سياسي، إنه على الرغم من أن اللاجئين أضافوا إلى الاقتصاد اللبناني وأنهم على استعداد للمساهمة بأي مهارات يُسمح لهم بعرضها، فمن غير المرجح أن يتغير التصور العام الأوسع مع انتشار الروايات المعادية للاجئين بسبب سياسيين قوميين لن يتوقفوا عن لومهم على الرغم من أن اللاجئين هم من يعيدون بناء المنازل المدمرة.

ولا يوجد شيء غير عادي في آراء مدير الحانة. إنها شائعة في بيروت، أين يشكل التمييز جزءا يوميا من حياة السوريين. لكن جذور هذا العداء الخفية سياسية.

ولطالما كان مصير لبنان متشابكا مع جاره السوري، لكن السجل الأخير من مكائد الحكومات السورية للسيطرة على لبنان من خلال نشر قوات على الأرض في السبعينات، ودعم مؤيدي تأسيس سوريا موحدة كبرى، وممارسة النفوذ من خلال حزب الله أثار حفيظة الكثير من اللبنانيين.

ودفعت الحرب الأهلية السورية الطويلة 1.5 مليون سوري إلى الفرار إلى لبنان، مما زاد من توتر العلاقة. وقال مدير الحانة “نحن نعارض النظام السوري لأنه يعمل مع قوى داخل لبنان دمرت بلدنا”.

وهناك أمل في أن يسمح انفجار بيروت للجيران بإعادة بناء تفاهم متجدد مع بعضهم البعض. وكان عامل البناء محمد أحمد مشغولا بترميم عمود في منزل على طراز الفن الزخرفي بالقرب من الميناء قبل دقائق من وقوع الانفجار. نجا، لكن الانفجار أثار بعض الذكريات. وقال “كان الأمر كما لو أنني عدت إلى سوريا. تشبه بيروت مدينة سورية تعرضت للقصف. أنا أعرف شعور فقدان حيك”.

العرب

اترك رد