حسابات النصر والهزيمة

— ميشيل كيلو :

طُرحت أسئلة حول النصر والهزيمة مرارًا وتكرارًا، في السنوات الماضية، وكنتُ قد كتبت أوائل عام 2014 مقالة جعلت عنوانها: “ماذا لو هُزمت الثورة؟!” لفتُّ فيها الأنظار إلى أن هزيمتها واحدة من ممكنات واقعنا، وأنها ستكون حتمية، إذا لم يكن هناك إصلاح عميق للعمل الوطني، ولم يتم بناء وضع ذاتي حصين وفاعل في بعدَيه السياسي والعسكري؟

سأميّز، قبل الإجابة على المسألة المطروحة، بين مستويات ثلاثة تنسب نفسها إلى الثورة، هي:

  • – مستوى فصائلي، يضمّ من ينسبون أنفسهم دون دليل مقنع غالبًا إلى الجيش الحر، وفصائل إسلامية، وتنظيمات إرهابية.
  • – مستوى سياسي تمثيلي، يتكون من الائتلاف، والحكومة المؤقتة، وهيئتي تفاوض، إحداهما دولية المرجعية مكانها جنيف، والأخرى روسية-تركية-إيرانية، تحمل اسم مدينتي أستانا وسوتشي، فضلًا عن لجنة دستورية تصارع طواحين هواء.
  • – مستوى شعبي، يحتضن رهانات الثورة الأولى التي لا يجدها لدى المستويين الأول والثاني، بعد أن فشل ما قاما ويقومان به من أنشطة باسمها، في تحقيق أهدافها، أو في وضعها على طريق تحقيقها، بالرغم من توفر حاضنة شعبية واسعة لما تعلن تبنيه من أهداف ومطالب.  

لو كانت الثورة ستقاس بـ “إنجازات” المستويين الأول والثاني؛ لكان علينا التسليم بأنه لن يكون بوسعهما تحقيق أي مطلب من مطالب الشعب، إذا بقيا على ما هما عليه من بنية وواقع وأداء، وأنهما ستخرجان خاليتي الوفاض من أي حل، لأسبابٍ عدة منها أن حصص وأنصبة المشاركين في الصراع على سورية وفيها قد وُزّعت قبل الوصول إليها، ويلاحظ ذلك كل من يلقي نظرة على أوضاع القوى المنخرطة في الشأن السوري، حيث استأثرت كل واحدة منها بمنطقة أو مناطق بعينها، يعطل استيلاؤها عليها الحلّ، أو ربما كان هو الحل إلى اشعار آخر. في هذا الواقع، من حق السوريين القول: إن فشل المستويين الفصائلي والتمثيلي يعادل فشل الثورة. إلا أن هناك ما يوحي بأن إخفاق النمط الفصائلي، والمعارضة التمثيلية، لن يعيد الشعب بالضرورة إلى ما كان فيه من إجرام أسدي.

وكان تقويض الرهان على بناء جيش سوري حر قد بدأ بتسليم المقدّم حسين الهرموش إلى مخابرات الأسد، أولًا لأنه رفض تسليح المدنيين، وأصرّ على بناء جيش وطني من العسكريين المنشقين عن الجيش الأسدي، والذين سينتسبون إليه تطويعًا أو تجنيدًا؛ وثانيًا لأنه رفض الفصائلية كنمط تنظيم للمقاومة المسلحة، وما شرع يترتب عليها من تفتيت طاقات الشعب، ومذهبة ثورته، وتنكر لمؤسسات تمثيله السياسية، ولأن أرباب الفصائلية كانوا قد أخذوا يعلنون تمسكهم بحل وحيد هو الحل العسكري، الذي يُسقط دور السياسة ومرجعيتها في الصراع، بالرغم مما نشب بين الفصائل من صراعات كثيرًا ما تحولت إلى اقتتال، والهزائم المتعاقبة التي نزلت بها ، وظهور عجزها عن مواجهة التدخلين الإيراني والروسي، والصمود أمام جيشيهما في ظل بنيتها وعلاقاتها البينية ونمط قياداتها، وافتقارها الدائم إلى خطط توحدها، وما غرقت فيه من مذهبية وأدلجة أمعنت في تمزيق الساحتين العسكرية والسياسية. وبما أن الفصائل ابتلعت الجيش الحر، أقرب تنظيمات المقاومة إلى أهداف ثورة الحرية، بينما اغتالت (داعش) و(النصرة) أو اعتقلت وحيّدت كوادره وضباطه؛ فإن التوازن العسكري مع جيشي روسيا وإيران، وميليشيا الأسد المعاد تنظيمها وتدريبها وتسليحها تحت إشراف الطرفين، ومع تنظيمات الإرهاب متعدد الجنسيات التي تدفقت على سورية بعشرات آلاف المرتزقة، غدا ضربًا من الاستحالة، خاصة بعد أن أخمد سلاحها الحراك الشعبي والمجتمعي، وفتته واحتجز طاقاته، وأخرجه من رهانات المقاومة، وقسم سورية إلى أشبار أخضعها لمجالس محلية خاضعة لسطوته، بأساليب استمدها غالبًا من ممارسات سفاح دمشق ودولته العميقة.

أسهمت الفصائلية، أيضًا، في محدودية وتهافت دور الائتلاف التمثيلي، وفي التلاشي المتزايد لقدرته على الحركة والتأثير، وعززت ميله المتعاظم إلى رؤية المسألة السورية بأعين الآخرين، وفشله حتى في التفكير بممارسة دوره، كقيادة ثورية ترى نفسها بدلالة الشعب ورهانات ثورة الحرية، فلا عجب أن أدت بنيته غير الوطنية، المخترقة والمتدنية السوية، إلى تماهي أدائه السياسي مع أداء الفصائل العسكري.

لو كان ما سيناله السوريون مرتبطًا بالفصائل والائتلاف، لخرجوا صفر اليدين من الحلّ، ولهُزمت ثورتهم. لكن نجاحهم في صنع معجزة الثورة، وتقديم الغالي والنفيس على دربها، وصمودهم البطولي ضد ما واجهوه من إرهاب لا حدود له، وتحمّلهم بكبرياء إنساني مهيب تبعات الكارثة التي أنزلتها الأسدية وروسيا وإيران بهم، أفشل جهود أعدائهم المكرّسة لتقويض ثورة الحرية وإخراجها من سياقها السياسي العميق: الوطني والإنساني، وأدى إلى تحطيم الأسدية، وجعل استمرارها أمرًا يتخطى قدراتها. هذا الانتصار، الذي أحرزه الشعب الثائر، كان سيحقق جميع أهدافه، لو لم تُبتلَ ثورته بفصائلية عسكرية وسياسية رفضتها كفعل حرية يقف اليوم في مواجهة روسيا وطهران.

لم يستسلم شعب الحرية. ويؤهله صموده الأسطوري لمواصلة نضاله، في حال بقاء السفاح في السلطة، أو إذا حاولت روسيا وإيران إعادة السوريين إلى نظام عبودية من نمط أسدي، خاصة أن فرص تحقيق أهدافه ستتعاظم خلال فترة تعطيل الحل الراهنة، بقدر ما يتم بناء جيش وطني حقيقي، يقوده حقًا ضباط وطنيون ممن التحقوا بالثورة ولم ينخرطوا في ألاعيب الفصائل، ويعمل على إنجاز إصلاح جدي مجرد عن الأهواء والبهلوانيات الشخصية التافهة، ويكون هدفه تحويل الائتلاف إلى مؤسسة عمل وطني يتفق في منطقاته ومساراته وأهدافه مع ما ثار الشعب من أجله!

حرمون للدراسات المعاصرة

اترك رد