كوبلنز: الطب الشرعي الألماني يؤكّد منهجية النظام السوري في تصفية المعتقلين

لا يزال ملف قيصر حتى الجلسة الماضية المحور الأساسي في المحاكمة وشهادات الشهود، فبعد الصحفية “لو كين” ومحقق الشرطة الجنائية الاتحادية “دويسنغ”، اختُتِم ملف قيصر برأي الطب الشرعي من خلال استدعاء البروفيسور الدكتور “ماركوس أ”. “روتشيلد” من جامعة كولونيا في ألمانيا في الجلسة الواحدة والأربعين من محاكمة المتهَمَين، للحديث عن عمله في فحص هذه الصور بناءً على طلبٍ من المدعي العام الألماني.

تناول البروفسور في شرحه التفصيلي، الذي استغرق قرابة الست ساعات، نقاطاً كثيرة من بينها أسباب موت الضحايا الظاهرة في الصور، وسائل التعذيب المحتملة، الإصابات على الأجساد وتصنيفاتها. كانت إحدى الغايات هي معرفة ما إذا كان هناك أسلوبٌ واضحٌ وممنهجٌ يعتمده فرع الخطيب “موضوع المحاكمة” بقتل المعتقلين أم لا.

عرض POWERPOINT لشرح آلية عمل المحكمة

عرض الشاهد ثلاث ملفات بوربوينت كان قد أحضرها ليشرح عمله على ملف قيصر للمحكمة، واحتفظت المحكمة بهذه العروض في ملف القضية.

العرض الأول تجاوز المئة شريحة وتناول ثلاثة محاور أساسية، وهي تضمين رأيه كخبير والمصادر التي اعتمد عليها، تفاصيل تتعلق بالضحايا والإصابات، وأخيراً أسباب الوفاة.

تمّ التطرق في هذا العرض بشكل أساسي للجثث، أعمارها، أشكالها، الملابس المتبقية عليها، أنواع الجروح والإصابات وأماكنها، وضعية جسد الضحية، وأخيراً وبعد كل موضوع يتم تقديم إحصائية بالنسب في كل الأفرع لهذا الموضوع “مثلاً القتل بطريقة الشبح: عدد الحالات ونسبتها بالأفرع الأمنية وهكذا”.

فيما يتعلّق بفرع الخطيب، فقد وجد ضمن ملفات قيصر 446 صورة من فرع الخطيب وحده، شملت هذه الصور 110 ضحية (بسبب تكرار الصور للضحية الواحدة). تمّ فحصها بالطبع ولكن عدم توفر صور أكثر منه، جعل عملية الحكم على منهجية التعذيب فيه شاقَّة على عكس باقي الأفرع الأمنية. وسبب عدم توفر صور لضحايا التعذيب من فرع الخطيب هو أن قيصر لم يوثّق في مشفى حرستا العسكري، حيث نُقلت جثث هذا الفرع.

تحدث الشاهد عن أدوات وأساليب التعذيب، التي من الممكن تخمينها من خلال العلامات الظاهرة على الجثث، وربطها برسومات لأدوات التعذيب وطرقها، والتي تضمنتها تقارير هيومن رايتس ووتش، على سبيل المثال، تمّ عرض صورة من التقرير المذكور تظهر آلية التعذيب بالدولاب ومن خلال الرسم يتوقع الطب الشرعي شحوب وخلو المنطقة الوسطى الأمامية من الجسد من آثار التعذيب لأن هذه المنطقة محمية بحكم وضعية الضحية داخل الدولاب، ثم ينتقل ليقارن العلامات على أجساد الضحايا ليجد أن بعض صور الضحايا خالية فعلاً في المنطقة المشار إليها من آثار التعذيب.

تحديد وسائل القتل تحت التعذيب في الأفرع الأمنية السورية

بهذه العملية تم تحديد عدة وسائل لقتل المعتقلين في الأفرع الأمنية، وهي كما صنفها البروفسور:

أولاً: التعذيب الجسدي: ويتمّ باستخدام عدة طرق كالشبح والفلقة والدولاب وبساط الريح والكهرباء، وحدد العلامات الجسدية على عدة صور لكل وسيلة منهم.

ثانياً: التعذيب النفسي: والذي كان من المستحيل معرفته من خلال الصور، ولكن ظهر على الجثث علامات تفيد بأمراض نفسية، فمثلاً هناك صور ضحايا خرج من فمها الزبد وهذا ربما يدل على الموت بنوبة صرع. بعض هذه الصور كانت من فرع الخطيب.

ثالثاً: التعذيب بالإهمال الصحي: ظهر على الكثير من الجثث علامات تدل على تعرضها لعمليات جراحية نُفذت بطريقة سيئة مثلاً، أو كسور مع ضمادات وضعت بطريقة عشوائية، تدلّ على إهمال صحي مقصود ربما أفضى إلى الموت كسبب رئيسي.، وأظهرت الصور القليلة من فرع الخطيب عناية طبية جيدة على عكس باقي الأفرع الأمنية.

رابعاً: الإعدام بالأسلحة: أظهرت بعض الصور، وهي نسبة قليلة جداً، ضحايا قتلوا بالرصاص أو شظايا أسلحة، ولم يستطع الشاهد تحديد ما إذا كانوا قد لاقوا حتفهم خلال عمليات عسكرية وتبادل لإطلاق النار أم تمت تصفيتهم (حساب مسافة الإطلاق كان مستحيلاً من خلال بعض الصور)، ولكن البعض الآخر منها أظهر عمليات إطلاق الرصاص بشكل قريب جداً (كصورة أظهرت إطلاق رصاصة مباشرةً في فم الضحية)، وهذه كانت عمليات إعدام بما لا يدعو للشك، خاصة أن بعض الصور ترافقت مع تقييد اليدين إلى الخلف.

خامساً: العنف الجنسي: أظهرت بعض الصور، وهي أيضاً ليست كثيرة، إصابات بمناطق الأعضاء التناسلية. لم يكن من الواضح فيها وجود عنف بطابع جنسي، إما لأن الصور غير مباشرة في منطقة الإصابة أو لكثرة احتمالات نوع الإصابة، ولأن هذا النوع تحديداً يتطلب تشريحاً للجثة.

سادساً: التجويع والحرمان من الماء: كثيرة هي الصور التي ظهر فيها منهجية واضحة للتجويع في الأفرع الأمنية، وكان بعضها من فرع الخطيب. وأيضاً الحرمان من الماء ظهر على بعض الصور، والذي كان من الممكن إدراكه بجفاف الجلد والتقشير والتشققات المتيبسة والمتضخمة على بعض أجزاء الجسد.

سابعاً: الموت الطبيعي: بعض الصور لم تظهر أي علامات تعذيب عليها، وبدت الجثث بوضع طبيعي من حيث الصحة وانعدام أي علامات خارجية. ولكن لم يستطع الشاهد تأكيد وفاتها بشكل طبيعي لأنه من الممكن قتلها دون أثر ظاهر، وذكر مثالاً على ذلك الصعق بالكهرباء داخل الماء حيث لا تترك الكهرباء بهذه الحالة بقعاً على الجسد.

بعد انتهائه من البوربوينت الأول تطرق الشاهد في العرض الثاني والثالث، لملف تحقيقات الشرطة الجنائية وتقاطع أقوال الشهود لديهم مع العلامات الظاهرة على الجثث.

من خلال عملية الربط هذه تم تفسير الكثير من العلامات المرافقة لوسائل التعذيب، مثلاً الشبح من اليدين، حيث تمّ ربط عدة شهادات، من بينها شهادة امرأة خمسينية كانت معتقلة في أحد الأفرع الأمنية ورأت عملية شبح أحد المعتقلين وقامت بوصفها، مع صورٍ تدل على آلية القتل باستخدام الشبح من خلال الوصف، من بينها صورة أظهرت تصلّباً في القدمين باتجاه الأسفل نتيجة الوقوف على رؤوس الأصابع لمدة طويلة والوفاة بهذه الطريقة.

هذه الصورة كانت من فرع الخطيب. أو مثلاً ربط القتل بالتجويع بشهادات الشهود عن كمية الطعام ونوعيته، أو الإهمال الصحي من خلال وصفهم للزنزانات وعدم وجود رعاية طبية، أو التعرض للتعذيب خلال الحصول على رعاية طبية.

في الجلسة الثانية والأربعين بتاريخ الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، قرأ القضاة تقريراً صادراً عن دائرة الاستخبارات الفيدرالية الألمانية يتعلق بأجهزة المخابرات السورية وتصنيفاتها وتراتبيتها والمسؤولين فيها وتبعيتها، وانتهت الجلسة خلال ساعة ونصف.

كما سبق وأشرنا في البث المباشر، تم إلغاء جلسة الخامس من هذا الشهر لامتناع الشاهد عن الحضور وعدم سماحه بقراءة أقواله في المحكمة من قِبَل القضاة عوضاً عن حضوره. وأيضاً أُلغِيَت جلستا الحادي والثاني عشر من الشهر الحالي لامتناع الشاهد أيضاً عن الإدلاء بشهادته أمام المحكمة، فيما ستعقد الجلسات القادمة، بتاريخ 17 و 18 و 19 من الشهر الحالي شهر تشرين الثاني/نوفمبر.

ليفانت – لونا وطفة

اترك رد