إلى العمل

ميشيل كيلو –

إذا كنا قد تأخرنا كثيرا في التوافق على توحيد مواقف التيارين السياسيين، الإسلامي والديمقراطي، وأفعالهما، فإن من الضروري، من الآن، أن نقوم بخطواتٍ عمليةٍ لتنفيذ المهمة المتصلة بالتسوية التاريخية بينهما، والتي لا بد أن تهدف إلى بناء وضع ذاتي موحد، إلى درجة تقنع العالم أن مصالحه لن تتحقق إلا بقدر ما يعترف بحق الشعب السوري في اختيار نظامه السياسي، لأن التسوية التاريخية المطلوبة تعزّز قضيته وحقوقه، وتجعله طرفا من الصعب إنزال الهزيمة به، في ظل توجهات ومواقف تياريه، السياسيين الرئيسين، الموحدة، وما ستتيحه له من خياراتٍ يفتقر إليها اليوم، تجاه الأسدية وداعميها الدوليين، والذين لن يفلحوا في كسر إرادة من سيتحدون حول الواقع الوطني الجديد وانعكاساته الإيجابية على أوضاع الثورة الذاتية، الضرورية لتحدّي قدرات أعدائها، والتي ستثير اهتمام العالم بما سيقدّمه ممثلوها من بدائل وخيارات لسورية المستقبل، ضمانا لحقوق كل فرد من مواطنيها، وحرياته ومصالحه، ولعلاقات السلام مع جوارها العربي عامة، والخليجي خاصة، وللعلاقات مع إيران التي ستكون محكومة بالقانون الدولي، وباحترام سيادة سورية الوطنية التي تتعارض مع وجود قواتها ومرتزقتها فيها، وصولا إلى استعادة الجولان تفاوضيا، بالتعاون مع مواطنيه السوريين، إلى جانب الامتناع عن الانخراط في نزاعاتٍ أو صراعاتٍ إقليميةٍ أو دولية، وعن إملاء إرادتها على أحد، وسعيها إلى تسوية قضايا المنطقة سلميا، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية حرة ومستقلة، للشعب الذي غدت مأساته وصمة عار في جبين النظام الدولي والإنسانية. 

لقيام هذا الوضع الذاتي، لا بد من أرضية مشتركة يقوم عليها البناء السياسي الجديد، بالحوار والتوافق، وما يتطلبه من تخل عن إخضاع القضية الوطنية السورية للذوات الحزبية، الإسلامية والديمقراطية، التي سيكون على الطرفين رؤيتها بدلالة أسس متوافق عليها للوطنية السورية الجامعة، التي ستترجم إلى خطط وبرامج لا خلاف عليها، تتكثف في استراتيجية شاملة ملتزمة لما سيتكون من قيادة موحدة ستكلف بجمع وتوحيد طاقات وتوجهات الشعب، وبتنسيق عمل وأنشطة الساحتين، السياسية والعسكرية، بصفتهما ساحة واحدة، يخضع العسكري فيها للسياسي، لخوض صراع جوهره الدفاع عن الشعب، كل الشعب، وإسقاط الاستبداد وإقامة نظام حريات وحقوق إنسان ومواطنة، على أن يستمر تحالف الطرفين طيلة فترة الصراع ضد الأسدية وخلال الحقبة الأولى من قيام وتثبيت أسس النظام البديل، التي لا يجوز الخروج عليها مهما تباينت قراءاتها بين التيارين، لأن التقيد بها يعني تكريس النظام الجديد، وفصل دولته عن تقلبات سلطته. 

هل هناك ما يمكن أن يجتمع الإسلاميون والديمقراطيون عليه، ويتحاوروا حوله؟ هناك نقطتان في التسوية التاريخية العتيدة لا خلاف عليهما هما: أولا سيادة الشعب (الأمة وفق صحيفة المدينة) مرجعية يحدّد الإسلاميون موقفهم الشرعي، والديمقراطيون موقفهم السياسي، بدلالة الأسس الدستورية والقانونية التي ستجسّدها في دولةٍ حاملها وحاضنتها شعبٌ هو مصدر جميع السلطات، وثانيا المواطنة مبدأ يتساوى المواطنون أمامه وفيه، وإنْ تباينت معتقداتهم وخياراتهم. 

للوصول إلى الحوار، يجب انتداب أو انتخاب مندوبين يمثلون الطرفين، ليعقدوا اجتماعا “فاتيكانيا”، لا يغادرونه قبل أن يتفقوا على ميثاق عمل وطني، ستقدم أوراقه لهم، على أن يحدث هذا في أقرب وقت، خلال الشهر المقبل أو الذي يليه، ويكون مفتوحا لنقاش وطني واسع ومفتوح، بشأن ما سيتوصلان إليه من نتائج تمهد للتحول الذاتي الضروري لدى كل منهما، ولإنهاء الصراع العبثي الذي لطالما دار بينهما، بحيث ينتج توافقهما مشروعا شاملا لإصلاح العمل الوطني ومؤسساته، وفك احتجاز الحراك المجتمعي، المؤثر في علاقات القوى والرأي العام الدولي.

نحن أمام اختبار حاسم لجدارتنا الوطنية والإنسانية، فماذا نحن فاعلون؟

العربي الجديد

اترك رد