فلاديمير بوتين يسعى لـ حصانة تحميه من القضاء مدى الحياة

من المتوقع أن يحصل الرئيس بوتين على حصانة مدى الحياة من القضاء ضد أي اتهام يوجه له بارتكاب جريمة فيما مضى سواء خلال فترة حكمه أو بعدها، وذلك بموجب قانون من المفترض أن يقوم البرلمان الروسي بمناقشته ثم التصديق عليه بشكل تلقائي.

وتعتبر هذه الخطوة جزءاً من مخطط الكرملين لتأمين حماية بوتين الشخصية في حال تخليه عن السلطة في نهاية المطاف، إذ بدأ بوتين البالغ من العمر 68 عاماً في هذا الأسبوع باتخاذ خطوات نحو سن قانون يبيح له أن يصبح عضواً في مجلس الشيوخ مدى الحياة في حال تخليه عن منصب الرئاسة. كما أن التعديلات الأخيرة التي أدخلها على الدستور تفيد بأن بوتين الذي سيحتفل بعيد رأس السنة طيلة 21 سنة وهو ما يزال في الحكم، بوسعه أن يظل في الكرملين كقائد روسي حتى عام 2036 أي حتى بلوغه الثالثة والثمانين من العمر.

وبموجب القانون الروسي يحرم اتهام أي رئيس سابق بجرائم ارتكبها خلال فترته الرئاسية، إلا أن بوتين وجهت إليه تهم بالفساد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي عندما كان نائباً لرئيس بلدية مسقط رأسه سانت بطرسبرغ، حيث اتهمته السياسية مارينا ساليي المعارضة للاتحاد السوفييتي باختلاس ملايين الأموال من المدينة ضمن خطة المواد الغذائية المعدة للتصدير، إلا أن التحقيق في تلك الاتهامات قد أوقف من قبل أناتولي سوبتشاك رئيس البلدية حينها.

وقد وصف بوتين الذي كان فيما مضى ضابطاً في الاستخبارات الروسية تلك التقارير التي تتحدث عن جمعه للثروة عبر الكسب غير المشروع بأنها مجرد هذر وثرثرة جمعت مثل المخاط من الأنف ثم تم تلطيخ كل الجرائد والصحف بها.

يذكر أن القانون الجديد سيمنح حصانة مدى الحياة للرئيس الروسي السابق الذي ما يزال حياً، ألا وهو ديمتري ميدفيدف البالغ من العمر 55 عاماً والذي شغل منصب الرئيس لولاية واحدة امتدت أربع سنوات قبل أن يغادر منصبه مفسحاً المجال لبوتين للعودة إلى منصب الرئاسة في عام 2012. إذ ثمة اتهامات موجهة لميدفيدف حول جمعه لثروة طائلة تشمل كرماً في إيطاليا وفيلات ويخوت فارهة ما أدى إلى خروج احتجاجات ضده في مختلف أنحاء روسيا خلال عام 2017.

وفي حال تم التصديق على ذلك القانون عندها لا يمكن نقض هذا القانون أو إلغاؤه إلا بأغلبية الثلثين في كلا البرلمانين. غير أن الحصانة من المحاكمة داخل روسيا لن تحمي بوتين من المحاكم الدولية. إذ طالبه منتقدوه أن يواجه الاتهامات التي تتصل بإسقاط طائرة الركاب الماليزية فوق شرق أوكرانيا في تموز من عام 2014 والتي قتل فيها كل الركاب البالغ عددهم 298 شخصاً، حيث يرى المحققون بأن الطائرة أسقطت على يد انفصاليين يدعمهم الكرملين استخدموا صاروخ بوك الذي زودهم الجيش الروسي به، إلا أن بوتين أنكر تورط روسيا في تلك الحادثة.

يذكر أن نسبة من يثقون ببوتين هبطت إلى مستوى منخفض غير مسبوق خلال هذا العام بسبب غضب العامة من طريقة تعامل الحكومة مع جائحة فيروس كورونا وحالة الفقر التي تنتشر في البلاد على نطاق واسع، إذ يقول أحد ناشطي المعارضة الروسية واسمه أندريه بيفوفاروف: “بوتين يخشى أن يقدم للمحاكمة بعد خسارته للسلطة، ولهذا يحاول أن يجهز لنفسه وسادة أمان مقدماً”.

كما رشح أيضاً بأن الروس دفعوا حوالي مليوني روبل (ما يعادل 20 ألف جنيه إسترليني) كغرامات على تعليقات وصفت بأنها “مسيئة” وجهت لبوتين منذ أن دخل قانون حظر أي إهانة موجهة للمسؤولين على الشابكة حيز التنفيذ خلال العام الماضي. ويتحدث ستانيسلاف سيليزنيف وهو محام لدى منظمة آغورا الحقوقية لصحيفة تايمز فيخبرنا بأن 51 شخصاً على الأقل تم توجيه اتهامات لهم بكتابة تعليقات عن بوتين خلال هذه السنة فقط.

ويفرض هذا القانون الذي تم التصديق عليه في آذار 2019 غرامات تصل إلى 100 ألف روبل (ما يعادل 973 جنيه إسترليني) على أي منشور غير لائق ينشر على الشابكة ويظهر فيه عدم احترام واضح للمجتمع أو البلاد أو رموز الدولة الروسية من المسؤولين، أو الدستور أو السلطات. وفي حال تكرار ذلك ترتفع المخالفة لتصل إلى ضعف هذا المبلغ أو إلى حبس يصل إلى 15 يوماً. بيد أن الغالبية الساحقة من تلك الحالات طالت الرئيس بوتين.

إذ ذكر السيد سيليزنيف بأن العدد الحقيقي للأشخاص الذين وجهت لهم اتهامات بالإساءة إلى الرئيس لربما كان أعلى من ذلك وذلك لأن المحاكم لا تنشر كلها معلومات مفصلة حول قضايا الازدراء والتحقير، ولهذا فإنه يشبه هذا القانون بقانون الذات الملكية في بروناي وتايلاند وغيرها من الدول.

ويعتبر الصحفي فيودور كراشينينيكوف الشخص الوحيد الذي طاله الحبس بسبب هذا القانون حتى الآن، فقد حكم عليه بالحبس طيلة أسبوع كامل في شهر حزيران بعدما وصف قضاة المحكمة الدستورية بأنهم “رؤوس مملوءة بالغائط ترتدي عباءات” وذلك في منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي، وأتى ذلك المنشور بعد تصديق المحكمة على التعديلات الدستورية التي زادت عدد الولايات الرئاسية التي بوسع بوتين أن يشغلها.

كما نشر محام لدى منظمة FBK المناهضة للفساد والتابعة لزعيم المعارضة أليكسي نافالني قائمة أسعار لحالات ازدراء وتحقير الرئيس بناء على ما وجده في سجلات المحاكم، فتبين لهذا المحامي واسمه ألكساندر غولوفاتش بأن أغلى شتيمة أو إهانة هي عبارة: “بوتين هو الحرب” حيث تكلف 80 ألف روبل (ما يعادل 778 جنيه إسترليني) أما إذا كتبت على الشابكة: “بوتين فاشي” فإن هذا سيكلف المرء 15 ألف روبل (ما يعادل 146 جنيه إسترليني) عندها سأله أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في تعليق نشره على تغريدة له: “هل هنالك أية حسومات على الطلبات بالجملة؟”

هذا ويسعى الكرملين أيضاً لتضييق الخناق على المعارضين بعيداً عن الشبكة العنكبوتية. فقد قام ضباط ملثمون من أمن الدولة البارحة بمداهمة مكاتب منظمة FBK في موسكو بعد اتهام مديرها إيفان زدانوف بازدراء المحكمة والاستخفاف بها عقب رفضه الانصياع لأوامرها التي تقضي بحذف فيديو نشره على يوتيوب واتهم فيه الحكومة بالفساد.

وخلال الأسبوع الماضي تم تغريم شخص متقاعد بأكثر من نصف دخله الشهري بسبب كتابته شعارا مناهضا لبوتين دون أن يكمله وذلك عبر استخدام الحبوب عند خروجه باحتجاح بالقرب من الساحة الحمراء، حيث حاول هذا الشخص أن يحتج على رفع سن التقاعد خمس سنوات إضافية، أي من 55 إلى 60 بالنسبة للنساء ومن 60 إلى 65 بالنسبة للرجال في عام 2018. وهكذا وجهت اتهامات لألكساندر كاسيخين البالغ من العمر 65 عاماً بعدما حاول مع ثلاثة متقاعدين آخرين كتابة شعار احتجاجي يرمز للمعارضة لكنه يعتبر غير قانوني وذلك ضمن مظاهرة ضمت أقل من 12 شخصاً، حيث بدأ بكتابة شعار: بوتين لص بواسطة حبات الدخن، إلا أن عناصر الشرطة وصلت قبل أن يكمل تلك العبارة.

وهكذا تم تغريم السيد كاسيخين بـ 12 ألف روبل (ما يعادل 117 جنيه إسترليني) بالرغم من أن معاشه الشهري يبلغ 23 ألف روبل. أما إينا خولودتسوفا وهي ناشطة متقاعدة أيضاً فقد وجهت إليها اتهامات هي الأخرى، ولهذا تقول: “إن رواتبنا التقاعدية ضئيلة بالأصل، لذا فإن فرض غرامات علينا إذا خرجنا في احتجاج يعني أنه لم يعد لدينا سوى الحد الأدنى لنعيش عليه، لذا يجب ألا يعتبر انتقاد السلطة أمراً مخالفاً للقانون”.

وقبل شهرين، تم حبس أحد من وجهوا انتقادات للكرملين لمدة سنتين وذلك لأنه ألبس تمثال عرض الملابس قناع بوتين مع زي السجن وربطه بعمود إنارة في بيرم وهي مدينة تقع في إقليم الأورال، ولذلك ألقي القبض على ألكساندر شابارتشين البالغ من العمر 22 عاماً في عام 2018، ثم أطلق سراحه البارحة بعدما خففت المحكمة عقوبته فحكمت عليه بالسجن لمدة عامين مع وقف التنفيذ.

المصدر: تايمز

ترجمة تلفزيون سوريا

اترك رد