نظام الأسد ينقل معتقلاته من الأماكن المخفية إلى الشوارع العامة

رياض علي- قاضٍ سوري .

اعتدنا على سماع الأخبار المؤلمة من الداخل السوري وإن بدرجات متفاوتة بين منطقة وأخرى، حسب الجهة المتحكمة بالمنطقة والظروف المحيطة بها، والتدخلات الإقليمية والدولية في كل منها، وكذلك تختلف جسامة ومرارة تلك الأخبار تبعاً لدرجة الانتهاكات التي ترتكبها كل جهة، فكثيراً ما نتابع ونقرأ بتزايد وتيرة الاعتقالات التعسفيّة والاختفاء القسري والقتل خارج القضاء والإعدامات الميدانية والتعذيب داخل المعتقلات، والاغتصاب ونهب الممتلكات والتهجير القسري وتجنيد الأطفال، وغير ذلك من الانتهاكات والجرائم التي عرفتها الأرض السورية، سواء من السوريين أنفسهم أو من شذّاذ الآفاق الذين قَدِموا إلى سوريا من كل حدب وصوب. نظام الأسد

من المؤكد أنّ النزاعات المسلحة تجلب معها الويلات والدمار للبلاد التي تئنّ تحت وطأتها، ومنها سوء الأوضاع المعيشية ومحاربة الناس في قوتهم الأساسي، وهو ما يستغله تجار الحروب وأمراؤها، المدعومون عادة من القادة العسكريين، لكن أن تصل الأمور إلى إذلال الناس وإهانتهم مقابل لقمة الخبز لهم ولأولادهم، وعلى الملأ، بصراحة لم يسبق لها مثيل، فهذا ما لم نتوقعه في عصر العولمة والحداثة، عصر أصبحت فيه أدقّ التفاصيل الحياتيّة تنتقل بدقائق أو ثوان من أدنى الأرض لأقصاها، إذ رأينا مؤخراً كيف أنّ وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام قد امتلأت بصور الأقفاص الحديدية التي وضعها نظام الأسد في الشوارع العامة أمام مراكز توزيع الخبز في مناطق سيطرته، ولا سيما العاصمة دمشق، بهدف “تنظيم الحصول على ربطة الخبز”.

هذه الصور المذلّة لأناس سوريين معتقلين في الأقفاص الحديديّة، همهم الوحيد ينحصر في الحصول على ربطة الخبز التي قد تسكت جوعهم وجوع من يعيلونهم، للبقاء على قيد الحياة لليوم التالي، ومن ثم العودة لمسلسل الإذلال، الذي اعتاده السوريون أمام الأفران ومحطات الوقود والدوائر الحكومية، وحتى أمام القنصليات السورية خارج سوريا بهدف الحصول على جوازات السفر والأوراق التي تثبت وجودهم القانوني في الدول التي يتواجدون فيها، كل هذه المشاهد تدلّل على إصرار الأسد على إذلال من تبقى من السوريين في المناطق التي يديرها بالوكالة عن الروس والإيرانيين، ويبدو أنّه ينوي تحويل سوريا كلّها لمجرد معتقلات متنقلة، قسم منها تحت الأرض والقسم الآخر فوقها، ويرمي من خلال ذلك إلى اختبار قدرة وصبر من تبقى من السوريين في الداخل، لتحمل ذلّ العبودية والبوط العسكري، فمن لن يكون بمقدوره تجاوز هذا الاختبار سيكون مصيره مصير من سبقوه من الذين قالوا لا لظلم الأسد، القتل أو الاعتقال أو التهجير، وذلك بهدف الحصول على المجتمع الذي تحدّث عنه بشار الأسد بعد أشهر من انطلاق الثورة السورية، إذ إنّه وبعد كل أعمال القهر والدمار والقتل صرّح وبكل جرأة “خسرنا خيرة شبابنا والبنية التحتية لكن ربحنا مجتمعاً أكثر صحةً وتجانساً”، ولكن أفعال الأسد طوال السنوات اللاحقة لتصريحه ذاك، تدل على أنّ توقعاته لم تكن في محلها، فما يزال حلمه في تحقيق مجتمع متجانس يقبل الذلّ والعبودية والعيش تحت رحمة البوط العسكري بعيد المنال.

والغريب أنّ روسيا تسعى إلى عقد مؤتمر خاص باللاجئين السوريين، بهدف تشجيعهم على العودة إلى سوريا “الأسد”، وكلنا يعلم بأنّ من هو موجود في الداخل السوري يسعى إلى الهجرة واللجوء متى استطاع إليها سبيلا، وعلى الأخص أولئك الذين يكتوون يومياً بنار المحرقة السورية، وهم غالبية الموجودين في الداخل، وعلى الرغم مما يعانية اللاجئ السوري من مرارة الاغتراب وعدم القدرة على نسيان شريط الذكريات، إلا أنّه على الأقل تخلص من الذلّ الذي لاقاه على مدى العقود السابقة، وخاصة في ظل الأسدين، الأب والابن، وعندما يسمع بأخبار الداخل وممارسات الإذلال والقهر التي تمارس بحق من بقي في الداخل، فمن غير المقبول أن يرضى لنفسه العودة وتجرّع علقم الهوان، ولا سيما بعد أن تذوّق طعم الكرامة والحرية في البلد الذي يستضيفه، وهذا الكلام يشمل حتى ذلك المدافع عن إجرام الأسد ممن يعيش في الخارج.

ألا يعلم السيد بوتين بأنّ أولى متطلبات العودة للاجئين، هي توفير البيئة الآمنة والمحايدة، البيئة الآمنة التي تحفظ الحد الأدنى من الكرامة لمن لديه نية العودة؟، وإن وضعنا عمليات الاعتقال والاختفاء القسري والاغتصاب والقتل وغيرها من الجرائم جانباً، هل سيقبل اللاجئ العودة إلى حظيرة نظام الأسد والوقوف لساعات في أقفاص الذلّ المنتشرة في سوريا “الأسد”، وهو الذي اعتاد في بلد اللجوء على الحصول على كل ما يحتاجه دون أن يكون مضطراً لتحمل الإهانة؟، وبدل أن يسعى السيد بوتين إلى إرغام الأسد على توفير تلك البيئة الآمنة والكريمة لتشجيع عودة اللاجئين، فإنّه ما يزال يدافع عنه، بل يساعده في عمليات القصف والاعتقال العشوائي التي تحدث بين الفينة والأخرى في الشمال السوري وجنوبه، وخاصة بحق المدنيين، إضافة إلى وقوفه بجانبه في مجلس الأمن واستعمال الفيتو مرات عدة لمنع الجهود الساعية إلى محاسبة المتورطين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا.

وبدلاً من أن يسعى الأسد إلى إرضاء من تبقى من السوريين في مناطق سيطرته، بتوفير أدنى متطلبات الحياة لهم، ولن نقول هنا الكريمة، لأنّه بعيد جداً عن هذه الكلمة ودلالاتها، لجأ إلى التفكير بالطرق والأساليب التي تزيد من معاناة السوريين وإذلالهم، ومنها تلك الأقفاص، إضافة إلى رفع أسعار الخبز إلى الضعف، خاصة مع الانخفاض الشديد في القيمة الشرائية لليرة السورية، كما أنّه بوضعهم بتلك الأقفاص وتكديسهم فوق بعضهم البعض في هذه الظروف الصحية الصعبة، بالنظر إلى انتشار جائحة كورونا، فإنّه يستهتر بحياة من تبقى من السوريين. وحجة نظام الأسد في تقصيره بالقيام بواجباته كجهة حاكمة، كالعادة هي المؤامرة الخارجية والعقوبات الدولية والأمريكية وغيرها من الذرائع، والغريب في الأمر أنّ كل تلك العقوبات والضغوط الخارجية لم تضعف هذا النظام في حربه على السوريين، بل زادته شراسة وإجراماً بحقهم، ولم تمنعه أيضاً من تأمين متطلبات ورواتب الميليشيات السورية والأجنبية وكل المرتزقة الذين يشاركونه في قتل السوريين، ولم تمنعه من تصنيع وشراء كل تلك الأسلحة التي يقتل بها السوريين، لكنها تمنعه فقط من تأمين المواد الأساسية لحياة المواطن السوري.

تعنّت نظام الأسد في الاستمرار، منذ اليوم الأول، للاحتجاجات السلمية بهذه الممارسات الغريبة والمهينة بحقّ السوريين، يؤكد المؤكد، وهو أنّ هذا النظام غير قابل للإصلاح، وبالتالي فإنّ أي حديث عن كرامة وحرية الشعب السوري وعن عودة اللاجئين في ظلّ هذا النظام سيكون سابقاً لأوانه وبلا جدوى، ويبدو أنّ هذا النظام ينتقم من عموم الشعب لمجرد أنّه طالب بالحرية والكرامة، وذلك بمصادرة حرياتهم وإذلالهم وإهانتهم، إما في معتقلاته التي وُصِفَتْ بالمسالخ البشرية، أو في أقفاصه الحديدية التي بناها كممر إجباري للحصول على خبز مجبول بالقهر والهوان. نظام الأسد

ليفانت 

اترك رد