تحديات بناء الدولة الوطنية

موسى موسى

الوجه الحقيقي للأنظمة الحاكمة في سوريا لم يكن مخفياً، وقد أظهر بشكل جدّي وجلّي بعدأن اعتلى حافظ الأسد الحكم، هذا الوجه الحقيقي لم يكن يختلف عن أغلب الأنظمة في الشرق الأوسط، وقد شكّلت في عموم المنطقة تحدياً كبيراً لبناء الدولة الوطنية التي مازالت غائبة في المنطقة، ومنذ ثورات الربيع العربي في المنطقة أصبحت التحديات مضاعفة في بناء الدولة الوطنية، وانكشفت الأقنعة وأظهرت بأن الحكام لم يكن وحدهم يعرقلون بناء تلك الدولة الوطنية المنشودة، بل شريحة واسعة من الشعب وأغلب القوى التي تشكلت في ظل الأزمة السورية، إضافة الى القوى المتشكلة أيديولوجياً منذ الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، تقف حجرة عثرة أمام محاولات البناء الوطني والديمقراطي معرقلة بذلك كافة المساعي والجهود التي تسعى الى بناء سوريا المستقبل كدولة وطنية ديمقراطية متعددة القوميات يشعر المواطن بكرامته فيها دون تمييز.
الثورة السورية كجزء من ثورات الربيع العربي كشفت عن حقيقةٍ كانت غائبة عن الجميع بأن التبعية لخارج الحدود الوطنية هي السائدة، وهذا ما يشكل خطراً حقيقياً راهناً ومستقبلاً وخاصة في ظل الصراع الدولي المتعدد النفوذ في سوريا، وهنا لا يغرب عن البال ايضاً بأن هذه الأزمة أنتجت قوى وأفكار أكثر تطرفاً مما ينذر بتصدع اجتماعي وشعبي ووطني أكثر بأضعاف المرات.
في ظل هذا التطرف والتصدع الشعبي والوطني لا يمكن التكهن بمسيرة الأحداث وما الى أين ستؤول!! وإنّ شرارة سياسية خفيفة ربما تعكس الأمور على بعضها وتؤدي الى بناءٍ من شكل آخر أساسه شكلٌ من أشكال الحكومات الذاتية في المنطقة رغم صعوبتها.
حقوق الشعوب لا يمكن أن تبقى مهضومة مهما كانت الحكومات مستبدة وقامعة، وأمثلة الدول المنكرة لتلك الحقوق في دول المغرب العربي وأفريقيا والشرق الاوسط تظهر بوضوح نتيجة نضالات شعوبها بأن مستقبل شعوب المنطقة سيكون زاهراً رغماً عن محاولات الإنكار والقمع والتحديات التي تواجهها.
كردياً لا يمكن فصل نضال الحركة الوطنية الكردية عن نضالات شعوب المنطقة رغم التحديات الدولية والإقليمية والمحلية التي تسعى الى طمس خصوصية الشعب الكردية في الدول التي يعيش فيها باستثناء التطور الإيجابي الذي حصل في العراق وحصل الشعب الكردي هناك الى شكل من أشكال الحكم الذاتي الذي تمثّل في الفيدرالية ومع ذلك هناك محاولات إقليمية ومحلية حثيثة لتقليصها وخلق إشكالات وعراقيل في طريق تطورها وتقدمها، رغم ان هناك تحدياً كردياً داخلياً- إن صح التعبير- يعكس سلباً على نضال وسياسة الحركة الوطنية الكردية ويضعف من قوتها بدعم وتأييد إقليمي لصالح دول الاقليم المذعورة من تنامي النضال الوطني الكردي السلمي فيها ومطالبتها بحقوقها وديمقراطية الدول التي تعيش فيها، في سوريا أيضاً مازال النضال الكردي يواجه تحديات جمة لطمس حقوقه في هذه المرحلة التي من المفترض أن يكون التغيير فيها لصالح الشعوب، وما الترهل وإطالة أمد التفاوض الكردي الكردي -برعاية أمريكا وبدعم من الرئيس البرزاني وحكومة اقليم كردستان- إلا أحد نتائج ذلك التحدي.
بناء الدولة الوطنية في المنطقة أمرٌ حتمي وعلى شعوب المنطقة وحكامها وقواها السياسية معرفة هذه الحقيقة وعليهم تجنب المنطقة في صراعات لا طائل منها إسوة بالدول التي تقدمت وتطورت علمياً وصناعياً واقتصادياً وصحياً وأفادت شعوبها بعد صراع مرير وتضحيات جمة ونزف للطاقات.

اترك رد