“وول ستريت” سوريا.. “بورصة” وُلدت ميتة!

أسامة قاضي :

أهمية سوق الأوراق المالية في أي دولة في العالم تكمن في إتاحة الشركات للتداول العام من أجل زيادة رأس مالها شريطة أن يتم تداول نقل رأس المال والملكية في بيئة منظمة وآمنة.

كذلك تشجع أسواق الأوراق المالية المواطنين على نشر ثقافة الاستثمار مما يسمح بزيادة رأس المال للشركات بتنمية أعمالها وتوسيع عملياتها وخلق فرص عمل جديدة في الاقتصاد، وعموماً هذا الاستثمار هو واحد من أهم محركات التجارة والصناعة والصناعة الزراعية والنمو والازدهار لمعظم القطاعات الاقتصادية بما فيها الصناعات الدوائية.

بالنسبة للمستثمرين، توفر أسواق الأوراق المالية طريقة لاستثمار الأموال من أجل كسب حصة من أرباح الشركة، ويمكن للمستثمرين والتجار النشطين شراء وبيع أوراقهم المالية بسهولة بسبب السيولة الوفيرة في معظم أسواق الأسهم الرئيسية.

أحدث القانون /22/ لعام 2005 هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية كجهة ناظمة ترتبط برئيس مجلس الوزراء وتتمتع بالشخصية الاعتبارية وبالاستقلال المالي والإداري ويكون مقرها دمشق، لكن هذه الهيئة ولدت ميتة لأن “أوكسجين الحوكمة” اللازم لإنشاء بورصة سوريا لم يكن موجوداً حيث تبوأت سوريا عام 2011 الدرجة 119 من أصل 187 دولة على مؤشر التنمية البشرية، وكذلك على مؤشر أين تضع استثماراتك “دونغ بزنس إندكيتور” التابع للبنك الدولي كانت سوريا الدولة 144 من أصل 184 بمعنى أسوأ 39 دولة في العالم ممكن أن يستثمر بها أي مستثمر، وحسب مؤسسة الشفافية الدولية عام 2011 كانت سوريا الدولة 129 من أصل 182 بمعنى أسوأ خمسين دولة من حيث انتشار الفساد وانعدام الشفافية، وأشار التقرير في حينها أن أكثر من 80 في المائة من الشركات كان عليهم تقديم هدايا للموظفين العموميين “لإنجاز الأمور” ، مقارنة بالمعدل الإقليمي البالغ 37 في المائة، بمعنى أن وضع الفساد كان أكثر من ضعف استشرائه في المنطقة العربية بما فيها من فساد، هذا يعني أن سوريا عام 2011 احتلت أعلى مراتب الفساد في المنطقة العربية.

أما الحديث عن مؤشرات الحرية الاقتصادية التي تعد شرطا لازما لإنشاء سوق أوراق مالية واجتذاب رؤوس الأموال فالوضع السوري عام 2011 كان واقعاً مؤسفاً حيث إن مؤشر هريتج للحريات الاقتصادية صنّف سوريا أنها الدولة 140من أصل 179 من حيث الحريات الاقتصادية، بمعنى أن سوريا كانت أسوأ 39 دولة في العالم من حيث الحريات الاقتصادية، وأن المؤسسات الحكومية السورية افتقرت إلى المساءلة العامة، كما ابتليت بالفساد، في حين يُنظر إلى القضاء على أنه غير شفاف وغير مستقل.

أما معهد فريسر الكندي للحريات الاقتصادية فارتأى أن سوريا عام 2011 هي الدولة 128 من أصل 141 بمعنى أسوأ 13 دولة في العالم، رغم الثورة التشريعية وتوقيع أكثر من 1000 مرسوم تشريعي وقانون ما بين عامي 2000 و2010 من أجل “لبرلة” الاقتصاد، لكن مع إصرار نظام الأسد مع واجهته الاقتصادية في حينها على الإبقاء على أجواء الفساد وعدوا أي حديث عن قوانين ناظمة لتحرير الإعلام والقضاء وفصل السلطات وعدم التدخل الأمني والقصر وشركاء النظام في مفاصل الاقتصاد السوري هو نوع من الإدخال المحرم للسياسة في الاقتصاد بعيداً عن أي منطق لاقتصاد سياسي، وكأن سوريا دولة لا تنطبق عليها قوانين الطبيعة التي تقول إن اقتصاد فيه بؤر فساد وتشريعات تخدم ثلة قليلة من المقربين من القصر الجمهوري غير مجدٍ وعبارة عن مكياج لجسد حكومي مقرف بيروقراطياً وإدارياً.

طبعاً للأسف يضاف إلى ما سبق الفقر الذي وصل إلى مستويات مخيفة عام 2011 حيث بات حوالي نصف سكان سوريا تحت خط الفقر، واستشرت الفجوة بين الفقراء والأغنياء وباتت الطبقة الوسطى تعاني انزياح واضح باتجاه الفقر والأشد فقراً، وكذلك نسب البطالة العالية في سوريا حيث كان لدى سوريا عام 2005 حوالي مليون عاطل عن العمل، واستشراء المظالم والفساد وتنفير المستثمرين، وإعطاء الوكالة الحصرية للاقتصاد السوري لرامي مخلوف وواجهاته من خلال الشركات القابضة، وكذلك ماهر الأسد وواجهاته، وبقية العائلة ومن يحيط بهم من المستفيدين من كل السوريين على حساب مظالم الشعب، وغض النظر عن التهرب الضريبي على مدى خمسة عقود، ولا يوجد شفافية بإظهار حجم الضرائب التي يدفعها “رجال الأعمال” للخزينة من مليارديرية سوريا من الطغمة العسكرية وواجهاتهم، فما هو حجم الضرائب التي دفعها أبو سليم دعبول؟ وجميل الأسد؟ وماهر الأسد؟ وحمشو؟ ومحمد مخلوف؟ ورامي مخلوف؟ وشاليش؟ ورؤساء فروع الأمن، والقائمة تطول لتصل إلى رؤساء غرف التجارة والصناعة المتضامنين مع منظومة الفساد.

طبعاً الأجواء السابقة الذكر هي قبل ثورة عام 2011، أما بعدها فالأمور باتت أسوأ بعشرات الأضعاف.

بعد عام 2011 ازداد الوضع سوءا، فقد بلغت خسائر ناتج الدخل القومي 13.3 تيريليون ليرة سورية (503 مليار دولار) أو 967% من الناتج المحلي الإجمالي 2011

الإحصائيات الرسمية للنظام: 1.6 مليون عاطل عن العمل ولكن ما تعطل النشاط الاقتصادي بشكل أكبر مؤخراً فإن حجم البطالة التقديري أقرب ل 70-80 بالمائة، وناتج الدخل القومي عام 2011 الذي كان حوالي 64 مليار دولار بات عام 2020 أقل من 7 مليار دولار.

تحويلات العاملين خارج سوريا تقريباً 1.8 مليار دولار بسبب المرسوم رقم 3 عام 2020 الذي يمنع تداول العملات الأجنبية بات أقل من النصف، وألقي القبض على الصرافين وأغلقت محلاتهم.

أضيف لما سبق من كوارث اقتصادية تضخم جامح غير مسبوق في تاريخ سوريا فقد ارتفع سعر الذهب 66 مرة خلال تسع سنوات، وارتفع سعر الدولار 50 مرة، وأكثر من 90 % من السوريين تحت خط الفقر، وصنفت سوريا كأفقر دول العالم.

إن هذه الأجواء الخانقة لأي مستثمر تجعل من أي سوق أوراق مالية مجرد مضيعة للوقت والجهد، لذا فإن هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية أو “وول ستريت” سوريا ولدت ميتة، وهذا واضح من حجم الشركات والصفقات المخجلة.

بلــغ عــدد الشــركات التــي تــم تــداول أســهمها في هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية  خــلال عــام 2019 /26 /شــركة مــن أصــل /27 /شــركة مدرجــة، والقيمة السوقية لجميع الشركات المدرجة بلغت في نهاية عام 2019 بما فيها 14 مصرفاً مبلغ 1.06 تريليون ل.س أو 424 مليون دولار يعني أقل من نصف مليار دولار(سعر الدولار =2500 ليرة سورية)  ، وهو مبلغ سخيف جداً ويجعل من افتتاح بورصة سوريا بهذا الحجم الضئيل أضحوكة بين دول العالم، فمثلاً القيمة السوقية لسوق الخرطوم المالي 10.3 مليار دولار، والبورصة المصرية 30مليار دولار، و بورصة القيم-الدار البيضاء 50.7 مليار دولار، و بورصة بيروت 13.6 مليار دولار، طبعاً لو نظرنا إلى أسواق أكبر في المنطقة فسيتبين الوضع المؤسف

ما العبقرية التي رآها النظام في مديري “وول ستريت” سوريا وهي تاريخ من الفشل جعلت النظام يختار صاحب الخبرات في هذه السوق ليكون وزير مالية؟

لبورصة دمشق، حيث القيمة السوقية لبورصة الكويت 96.2 مليار دولار، و سوق دبي المالي 84 مليار دولار، وسوق أبوظبي للأوراق المالية قيمتها السوقية 198.5 مليار دولار، و سوق المال السعودي 2.3 تريليون دولار (نتيجة لإدراج شركة أرامكو السعودية في الـ11 من ديسمبر 2011، وهي أكبر شركة مدرجة في العالم بقيمة سوقية بـ1.7 تريليون دولار ) ، طبعاً ولامجال لمقارنة “وول ستريت” مع بورصة نيويورك التي بلغت قيمتها 15.5 تريليون دولار، أو ناسداك 12.4 تريليون دولار.

المدهش أن وزير المالية مأمون حمدان كان المدير التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية، وأن كنان الياغي وزير المالية الحالي شغل منصب نائب الرئيس التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية منذ عام 2015، والسؤال ما العبقرية التي رآها النظام في مديري “وول ستريت” سوريا وهي تاريخ من الفشل جعلت النظام يختار صاحب الخبرات في هذه السوق ليكون وزير مالية؟

إن أخبار “وول ستريت” سوريا باتت مثارا للتندر خاصة عندما يتصدر خبر في الصحف الحكومية السورية بأنه قد سجلت تداولات سوق دمشق للأوراق المالية ارتفاعاً بأحجام وقيم التداول مع نهاية الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني الجاري 2020 إلى مبلغ ٣٣٩ مليون ليرة! أي أن نشاط السوق كله ل26 شركة خلال أسبوع واحد كان قدره 135 ألف دولار!… إن مصروف افتتاح “وول ستريت” سوريا مع رواتب الموظفين وإشغال مبنى ضخم ومصاريف تشغيلية يجعل إبقاء هذه السوق غير مجد مالياً، يصح فقط لاستخدامه كنوع من الدعاية التي توحي أن هنالك نشاطاً اقتصادياً فيما تبقى من اقتصاد سوري!

على نظام الأسد أن يدرك هو و فريقه “الاقتصادي” أنه لا يمكن لسوق أوراق مالية أن تنشط بشكل سليم دون حوكمة رشيدة للأداء الاقتصادي في جو من الأمن والسلام والليبرالية الاقتصادية الحقيقية  والليبرالية السياسية والفصل بين السلطات والسماح للإعلام الاقتصادي التحرك بحرية بحيث تشكل عاملاً جاذباً للاستثمارات، والرشادة والحرية الاقتصادية لا تسمح باحتكار القلة أو “الأوليغوبولي” أن تتغول في السوق وتعطل آلية اعرض والطلب وتشل حركة النمو الاقتصادي، خاصة إذا كانت تلك القلة مكشوفة للسوريين جميعاً أنها مجرد قلة عسكرية أمنية بواجهات اقتصادية وبمباركة من القصر الرئاسي لأنها ببساطة ستقطع الأوكسجين اللازم عن أي نشاط اقتصادي حقيقي لأي سوق أوراق مالية وتصبح سوقاً لا قيمة لها ويصبح إبقاؤها مفتوحة مجرد هدر مالي ومصروف إداري مثار غير مبرر.

تلفزيون سوريا

اترك رد