الشمال السوري… عشر عجاف من التحرير بلا تغيير

خالد المحمد :

حلمنا الذي حُرمنا منه لأكثر من أربعين سنة، وخرجنا يوم خرجنا لنيله دون مساومةٍ ودون انتقاص، الحرية والخلاص من نظام حكمٍ أفقر وأذل ودمر بنية مجتمع كان من أكثر المجتمعات رقي وحضارة.

اليوم مع مرور ما يقارب عشر سنوات لمناطق هي خارج سلطة الأسد وجيشه، هل باتت هذه المناطق محررة بالفعل؟

التحرير لا يعني فقط إخراج الجيش من المناطق التي يسيطر عليها، فعبر التاريخ خرج الكثير من المحتلين بجيوشهم من الأراضي التي احتلوها ونهبوها، ولكن بقي خلفهم أذنابهم، وبقي من ورائهم ما غرسوه وما زرعوه في بنية المجتمع من فساد وجوع وسجون.

في نظرة للواقع، ومقارنة موضوعية للمناطق المحرر ومناطق سيطرة نظام الأسد في سوريا، ووضع ما يسمى مجازاً المناطق المحررة في ميزان التحرير والحرية، قد لا نجد فرقاً كبيراً بين المنطقتين في الوضع الاجتماعي والسياسي والخلقي والعسكري والإداري والإنساني.

التحرير لا يعني فقط إخراج الجيش من المناطق التي يسيطر عليها، فعبر التاريخ خرج الكثير من المحتلين بجيوشهم من الأراضي التي احتلوها ونهبوها، ولكن بقي خلفهم أذنابهم، وبقي من ورائهم ما غرسوه وما زرعوه في بنية المجتمع من فساد وجوع وسجون.

فالاختلافات شكلية ظاهرية لا تفترق في الجوهر، ولا تتعدى استبدال نظام دون تغيير أساليبه، فنفس الفساد بقي مغروساً في نفوس كثير ممن يقيم في هذه المناطق، ونفس العقلية ولكن ربما انتقلتْ لتكون متطرفة أكثر في تصرفاتها وفسادها في ظل غياب قانون يُحاسب وسلطة تردع.

كل يوم كما مناطق النظام يتفاقم الجوع والحرمان والبطالة، وبنفس التوقيت يتزايد ثراء وغنى قلة لبسوا عباءة الثورة “النظام الجديد”.

ليس الفقر والبطالة والنزوح وحدها من تحاصر الخيام والأنفاس، بل الخوف والهلع من ترقب انفجار مفخخة أو سقوط صاروخ أو طلقة طائشة.

في النظام الجديد لا يوجد قانون ولا دستور، فأركانه يحملون نفس التربية البعثية التي تربوا عليها خلال خمسين عاماً مضت، فالعسكري ممن يحمل السلاح يحكم البلاد ويتحكم بالعباد.

لم ينته في عيون الناس “بعد نيلهم للحرية” الخوف من الموت أو الاعتقال أو الخطف، ولا يملكون حتى حق الاعتراض أو الكلام، وقد تتوحد الأحاديث في مناطق النظام والمناطق المحررة عن الغلاء والكساد والبطالة وانخفاض الليرة والمتاجرة بالحرب.

لا تبدو تسمية المناطق المحررة باللائقة في هكذا وضع، فهي عبر عقد من الزمن لم تحقق أي مظهر من مظاهر التحرر والحرية الحقة ولم تطبق الفصائل ما حملت السلاح من أجل تحقيقه، وحتى بعد دخول الضامن التركي لم يضمن ما تعهد بضمانه.

باتتْ كل أنواع الفساد سواء منها الخلقي والاجتماعي والإداري منتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم، وتشربت النفوس بالفساد، وارتهن السلاح ومن حمل السلاح للخارج في كل الأقاليم، بفارق في المناطق المحررة أنهم تخفوا خلف الدين وتظاهروا به واتخذوه سلعة بالأسماء والأشكال، بحثاً عن شرعية في مجتمع حاولوا حكمه بالجهل والخوف، وتكريس الخضوع والانقياد للأوامر دون اعتراض وما يرددونه من شعارات الحرية والتخلص من النظام ماهي إلا فشة خلق.

لا أدري ماهي التسمية الأنسب للشمال السوري، فلا تبدو تسمية المناطق المحررة باللائقة في هكذا وضع، فهي عبر عقد من الزمن لم تحقق أي مظهر من مظاهر التحرر والحرية الحقة ولم تطبق الفصائل ما حملت السلاح من أجل تحقيقه، وحتى بعد دخول الضامن التركي لم يضمن ما تعهد بضمانه، واستمر النظام بممارسة حريته في قصف المناطق خارج سيطرته، واستمرت الفصائل الإسلامية واللا إسلامية تمارس بحرية سلطتها على الشعب المحرر في ضياع لكل معايير الدولة والحرية قد يستمر طويلاً.

الأيام السورية

اترك رد